ترجماتثقافة ومعرفةمجتمع

ما هي العلاقة بين الحنين إلى الماضي والتطرف؟

الحنين إلى الذكريات قد يكون عاملًا محفزًا

ترجمة كيو بوست –

المصدر: مجلة “عين أوروبية على التطرف”، بقلم خبير شؤون الإرهاب، جان ووجسيك.

بعد فقدان سيطرتها على الأراضي في سوريا والعراق، ستستخدم “الدولة الإسلامية” رواية الحنين إلى الماضي كأداة لتجنيد عناصر جدد، وللحفاظ على الروح المعنوية لمناصريها الحاليين. إن سرد الحنين ليس جديدًا في الدعاية الجهادية، لكن خبراء مكافحة التطرف يتنبأون بأن هذه المرحلة ستشهد روايات معمقة مبنية على التوق إلى الأيام الخوالي، تختلف بشكل كلي عن سابقاتها، لكنها تستند إلى فكرة الخلافة ذاتها.

هذا الأمر يثير تساؤلين: هل السرد عامل أساسي يجب أخذه بعين الاعتبار أثناء مكافحة التطرف أم على العكس تمامًا؟ وهل سيؤدي التركيز عليها إلى فقدان الرؤية الواضحة للصورة الأوسع؟

اقرأ أيضًا: علميًا: كيف تتسرب الدعاية المتطرفة إلى عقول الناس؟

 

الحنين كعامل محفز

يجب أن نتذكر في البداية أن رواية الحنين عنصر من عناصر كل حركة ثورية، سواء كانت تشير إلى العصر الذهبي في الماضي، أو المستقبل المشرق، أو حتى في تصورات الأحلام.

إن رواية الحنين الخاصة بالجهادية تشابه إلى حد كبير رواية السلفيين الإسلاميين غير العنيفين. تتمحور هكذا رواية حول التوق إلى القواعد الإسلامية وطريقة الحياة الموصوفة في القرآن والسنة، وضرورة تطبيقها في الأوقات المعاصرة. وفي تفاصيل هذا السرد، سيؤدي إحياء المبادئ الاجتماعية والأخلاقية والدينية والسياسية المأخوذة من عهد النبي محمد والخلفاء الراشدين الأربع إلى جلب المجد والنجاح للأمة (جماعة المؤمنين). هذا النوع من الحنين يجعل الكثيرين عرضة للتطرف عندما تتدخل جماعات جهادية عنيفة مثل داعش وتستقطب الناس إليها عبر دعاياتها الموجهة.

اقرأ أيضًا: ما الفرق بين الأصولية، والراديكالية، والتطرف، والإرهاب، والفِكر الجهادي؟

إن أعداد من يؤمنون بأن تنظيم داعش هو على مسار الخلافة الصحيحة أقل بكثير من أعداد المسلمين الذين يتوقون لتطبيق الشريعة الإسلامية باعتبارها دستور الدولة. ولذلك، فإن جاذبية رواية الحنين الخاصة بداعش لن تنطلي على المسلمين عمومًا، لكنها ستظل عامل جذب فعالًا في صفوف الأشخاص الذين هم بالفعل على مسار التطرف. ولذلك، من الملاحظ أن تنظيم الدولة الإسلامية يعتمد في كثير من الأحيان على قصص “بطولة ومجد” من أفغانستان والشيشان والصومال والبوسنة، ثم يروجونها أمام الجماهير في العراق وسوريا.

وهنا، لا بد من التمييز ما بين تطرف الأفكار وتطرف الأفعال. بالنسبة لرواية الحنين الخاصة بداعش، فإنها تؤدي بشكل خاص إلى تطرف الأفعال في صفوف الناس الذين يتشاركون بالفعل أفكارًا متطرفة، وهذا هو مكمن الخطر.

في الحقيقة، تركز دعاية الحنين الجهادية على ضرورة “التوبة”، والانضمام إلى صفوف المقاتلين من أجل الخلاص من الحياة البائسة، وتحقيق العدالة وفقًا للدين الحقيقي. ولذلك، يجب أن تستهدف الروايات المضادة تصورات المرء الحالية إزاء وجود طرق بديلة -عوضًا عن الجهاد- من أجل تحقيق التحسينات، بما في ذلك العوامل الاجتماعية والتعليم والوظائف وقضايا الفصل العنصري والجريمة.

 

المكاسب المحدودة من فضح تنظيم الدولة الإسلامية

إذا كنا نتحدث عن مواجهة “الحنين إلى الماضي” في دعاية تنظيم داعش، فإن السؤال يتمحور حول كيفية تحدي جاذبيتها لدى الناس. قد يعتقد البعض أن أفضل طريقة لفعل ذلك هي من خلال كشف الحقائق حول التنظيم، بدءًا بإخفاقه في تحقيق وعد الخلافة. لكن هنالك عاملين يجعلان هذا الحل غير مثمر: أولًا، لم يمارس تنظيم الدولة الحكم لمدة طويلة، وبالتالي لا يمكن تشويه سمعته في أعين المتعاطفين معه بسهولة، كما يمكن للتنظيم أن يبرر سقوطه بالقول إن القوى العالمية حاصرت الخلافة الإسلامية. ثانيًا، كما هو الحال مع جميع الأيديولوجيات الطوباوية الأخرى، فإن أجيالًا جديدة من الإسلاميين ستفكر ببساطة أنها قادرة على إقامة الخلافة بشكل أفضل مما فعله عناصر داعش، وبالتالي بروز تنظيمات جديدة تحمل أهداف داعش ذاتها.

اقرأ أيضًا: هكذا يتم استخدام الدين في خدمة الأغراض السياسية

لنفكر فقط في الاشتراكية والشيوعية: لقد أثبت مناصروها أنهم نماذج غير قابلة للنجاح والاستمرار على المدى الطويل، ولكن لا تزال تظهر مجموعات جديدة تدعي أنها تستطيع فعل ذلك بشكل صحيح، مستفيدة من أخطاء المجموعات السابقة. وعلى المنوال ذاته، لو نجحنا في الكشف عن إخفاق داعش، فلن نكون متأكدين من عدم ظهور جماعات جديدة تعد المتعاطفين بتحقيق نتائج أفضل. وللأسف، أثبت تنظيم الدولة الإسلامية أن فكرة إنشاء دولة إسلامية إقليمية يمكن أن تتحقق.

 

الخلاصة

برغم ضرورة مواجهة سرد الحنين في دعاية الدولة الإسلامية، إلا أن الجهود على المدى الطويل يجب أن تتركز على تحقيق تحسينات يفتقد لها المتعاطفون مع التنظيمات الجهادية، بما في ذلك المسائل الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والسياسية. وبهذه التحسينات المفتقدة، يمكن لجهود مكافحة التطرف أن تغلق الباب أمام دعاية التنظيمات الإرهابية.

 

المصدر: مجلة “عين أوروبية على التطرف

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة