الواجهة الرئيسيةترجمات

ما هي أوجه الاختلاف بين التيارات السلفية المتنافسة؟

كيف ظهرت الجماعات السلفية، ولماذا تناقض بعضها بعضًا؟

ترجمة كيو بوست – 

بقلم المحلل والباحث في شؤون الإرهاب، فرانشيسكو إيركو بيرغوغليو

أولًا، التيار السلفي الدعوي

يريد السلفيون الدعاة ممارسة الإسلام، والترويج له، والدفاع عنه، كما كان في أيامه الأولى الأكثر بدائية، أي كما ورد في القرآن والسنة، وإجماع صحابة النبي. وبحسب وجهة نظرهم، فإنه ومن أجل الحفاظ على العقيدة وتعزيزها في عصرنا الحالي، من الضروري مكافحة “الممارسات المنحرفة”، التي تنطوي على “عناصر الرغبة البشرية والعقل البشري”. وبالنسبة لهم، فإن الطرق المناسبة لتعزيز العقيدة تكون من خلال التكاثر، والطهارة، والتعليم الديني، والدعوة، والتزكية، والتربية السلفية. يستند هذا الأسلوب إلى تاريخ الفترة المكية، عندما بدأ النبي برسالته السلمية لنشر الإسلام. ويعتمد الخط الأساسي لهذا الاستدلال على أن النبي وصحابته تعرضوا للقمع، لكنهم ظلوا مسالمين من أجل تسهيل انتشار الإسلام.

أدى هذا الاستدلال إلى بروز وجهات نظر مرفوضة من قبل الغرباء عن هذا المنطق. فعلى سبيل المثال، يمكن للآية القرآنية (وَلَن تَرْضَىٰ عَنكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ) أن تشكّل رؤية تآمرية في صفوف السلفيين الدعاة، يرون بموجبها غير المسلمين أعداءً رئيسين، يسعون إلى إخراج المسلمين من معتقداتهم. وبناء عليه، يقوم السلفيون الدعاة بتحويل هذا الشكّ إلى برنامج أيديولوجي فعال، يعمل على محاربة استخدام القيم والسلوكيات وأنظمة المنطق الغربية في مناقشة الدين. وهذا بالطبع ينطبق على استخدام مفاهيم وتصنيفات حديثة في علم التحليل. بالنسبة لهؤلاء السلفيين، ما لم يستخدمه النبي وصحابته، هو ابتكار وبدعة تهدد التوحيد. وبناءً عليه، يرفضون استخدام كلمات ومصطلحات – باعتبارها بدعة وابتكار مثل: “الإرهاب” و”الأصولية”.

يرى مناصرو السلفية الدعوية أن التيارات السلفية الأخرى تهدد العقيدة، ويرون أن تأثير الغرب “المنحرف” تغلغل في إستراتيجيات الفصائل السلفية المنافسة. في الحقيقة، تتشارك التيارات السلفية الدعوية، والسلفية السياسية، والسلفية الجهادية، العقيدة ذاتها، إلا أن السلفيين الدعاة يرون أن منافسيهم لا يتّبعان طريقة التنفيذ الصحيحة. وبالتالي، تميّز السلفية الدعوية ما بين العقيدة السلفية والمنهج السلفي.

بالنسبة للسلفية الدعوية، ينبغي على المسلم -كي يكون سلفيًا- أن يلتزم بمنهجية سليمة، وكذلك بمعتقدات صحيحة. وفي هذا الصدد، يرفض السلفيون الدعاة النهج الاعتراضي، الذي ينطوي على ممارسة العنف، كما هو الحال في التيارين السياسي والجهادي، باعتبار ذلك بدعة دينية غير مسبوقة في النهج النبوي وإجماع الصحابة. في الواقع، ينظر السلفيون الدعاة إلى السياسة المثيرة للنزاع في صفوف التيارات السلفية المتناحرة على أنها منتجات غربية ترتبط بالثورتين الفرنسية والأمريكية أو الماركسية.

كما أن استخدام أساليب “غير إسلامية” لتعزيز العقيدة، هو أمر مقلق بشكل خاص بالنسبة للسلفيين الدعاة. إذ تعتبر السلفية الدعوية من يفعل ذلك، ينخرط في الإرجاء، أي الفصل بين المعتقد والعمل، وبذلك، يتبنى إستراتيجية فاعلة، لكنه يسيء استخدام الأدلة الدينية لدعم قراراته، مما يجعله عقلانيًا مدفوعًا برغبة الإنسان. وهذا بالطبع يعني أن الخلاف يدور حول الإستراتيجية وليس العقيدة.

إنها قضايا حاسمة بالنسبة للسلفيين الدعاة، فهم ينظرون إلى التيارات السلفية المنافسة على أنها منحرفة ومشينة، وتشكل أكبر تهديد لطهارة الإسلام. ولهذا السبب، يطلب الدعاة من أتباعهم عدم قراءة الكتب المفضلة من قبل التيارات المنافسة، مثل أعمال قطب، والمودودي، وسفر الحوالي، والعودة، وغيرها.

 

ثانيًا: التيار السياسي

في الثمانينيات والتسعينيات، ظهرت مجموعة من الأكاديميين السلفيين الشباب المتعلمين في الجامعات. حمل هؤلاء الأشخاص توجهات سياسية أكثر من شيوخهم من الدعاة، بل وعارضوا كبار العلماء الذين سيطروا على التيار السلفي الدعوي وهيمنوا على مجلس كبار العلماء والمؤسسة الدينية الحكومية في السعودية. ادعى السياسيون النابعون من رحم السلفية أن لديهم فهمًا أفضل للقضايا المعاصرة، وأنهم في وضع أفضل لتطبيق العقيدة في السياقات الحديثة.

لقد كان غزو صدام حسين للكويت عام 1990 نقطة تحول بالنسبة للتيار السياسي. فقبل الغزو، كان أنصار التيار السلفي يراعون وجهات نظر شيوخ السلفية الدعوية الكبار، لكن نظرتهم لشيوخهم اختلفت بعد أن أصدر كبار السلفيين الدعاة فتوى تبيح نشر القوات الأمريكية في المملكة.

جادل سفر الحوالي وآخرون أن النظام وعلماء السلفية الدعوية أساءوا قراءة النوايا الأمريكية، وأن وصول القوات الأمريكية مجرد بداية لتحرك إستراتيجي هادف للسيطرة على العالم الإسلامي. لقد دفعت فتوى حرب الخليج العديد من العلماء الأصغر سنًا إلى التساؤل عما إذا كان كبار السلفية الدعوية يفهمون حقًا العالم السياسي. ومن المهم أن نلاحظ هنا، أن النقد لم ينطو على اختلاف في العقيدة، بل على الشك في أن السلفية الدعوية لم تدرك السياق الذي من المفترض أن يجري فيه تطبيق العقيدة. وبهذا، قدّم السياسيون أنفسهم كشخوص أكثر استنارة، وفي مكان أفضل للتعامل مع القضايا السياسية مثل حرب الخليج.

لقد كانت التناقضات حادة جدًا؛ ففي حين أن رجالات السلفية الدعوية أصروا على الوعظ بشأن يوم القيامة، وكيفية الصلاة، وما شابه، انتقد السياسيون ذوو الأصول السلفية الأنظمة الفاسدة في العالم الإسلامي، والقمع الشعبي، والإسرائيليين الذين يحتلون الأراضي الإسلامية، والأمريكيين الذين يسعون للسيطرة على العالم الإسلامي، والروس الذين يقمعون الانفصاليين في الشيشان وداغستان، والهنود الذين يذبحون المسلمين في كشمير. وقد تعمقت الشقوق بين التيارين بسرعة كبيرة بعد إصرار علماء الدعوة على البقاء خارج السياسة. وحينها، سخر السياسيون السلفيون من علماء السلفية الدعوية، واعتبروهم “مومياء محنطة”، و”رجالًا عميان يمنحون أنفسهم دور قيادة الأمة في إصدار الأحكام”، و”العيش في العصور الوسطى”. من جهتهم، أصر رجال الدعوة على أن التركيز على الشؤون المعاصرة أنتج ردود فعل عاطفية تؤدي إلى ممارسات منحرفة، مما يهدد التوحيد.

لقد أثار تحدي السياسيين الخارجين من رحم السلفية جدلًا مهمًا حول ما أصبح يعرف اليوم باسم “فقه الشؤون الجارية”، أو “فقه الواقع”، ومن هنا انطلق الجهاديون.

 

ثالثًا: التيار الجهادي

ظهر التيار الجهادي خلال الحرب في أفغانستان ضد الاتحاد السوفييتي. وعلى خلاف التيار السياسي، يستخدم الجهاديون العنف لدعم إستراتيجيتهم بسهولة تامة. يتلقى الجهاديون تدريبهم السياسي في ساحات المعارك، وليس في ساحات لاهوتية أو مع رجال الدعوة.

يتقارب الجهاديون فكريًا مع رجالات التيار السياسي، وهم لا يعارضون عمومًا حجة التيار السياسي بشأن “محدودية فهم رجال الدعوة للسياق الحديث”. ومع ذلك، لا يتمحور الاختلاف حول العقيدة، بل حول الإستراتيجية. يعتقد الجهاديون أن رجال السلفية الدعوية على دراية بالإسلام، لكنهم يجهلون الوضع المعاصر، أو يخفون الحقيقة عن الناس.

بالنسبة للجهاديين مثل ابن لادن والزرقاوي، فإن رجال السلفية الدعوية هم علماء السلاطين، أو علماء الحكّام. في المنطق الجهادي، إذا كان الدعاة قادرين على شرح الحقيقة حول الأنظمة القمعية، فإن الحجج المؤيدة للعمل تصبح نافذة، وبالتالي، لا ينبغي الاكتفاء بالدعوة. وحتى هنا، فإن الخلاف لا يتعلق بالعقيدة، بل بعدم رغبة علماء السلفية الدعوية في وضع هذا الاعتقاد موضع التطبيق، من خلال معالجة ظلم الأنظمة وسادتهم الأمريكيين بشكل عملي.

 

المصدر: مجلة “عين أوروبية على التطرف

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة