الواجهة الرئيسيةترجمات

ما هو” اليمين البديل”، وكيف تتقاطع مصالحه مع الجهاديين؟

مترجم: هل باتت قيم الديمقراطية الليبرالية المنفتحة تفقد زخمها؟

 

ترجمة خاصة- كيو بوست

يناقش مدير أبحاث الأنثروبولوجيا بالمركز الوطني للبحث العلمي في باريس”  سكوت أتران” في مقالة عميقة له  بعنوان :” اليمين البديل أم الجهاد؟” العلاقة بين ما يسمى اليمين البديل والجهاديين، نترجمها بتصرف في ” كيو بوست” لأهميتها للقارئ العربي.

يقول ” أتران” أنه وبفعل الجانب المظلم للعولمة وانهيار المجتمعات، بات الإسلام الراديكالي واليمين البديل يتشاركان قضية مشتركة. إن إحدى المشاكل السائدة اليوم هي أننا ننظر دوماً إلى الإسلام الراديكالي بدلا من النظر إلى القوى الأكبر والأضخم على مستوى العالم؛ فالهجمات الإرهابية التي نشهدها اليوم تحصل بفعل الجانب المظلم للعولمة حيث الرغبة بالديمقراطية و الليبرالية مفقودة.

سواء أكان اليمين البديل أم الإسلام الراديكالي، يبدو أن قيم الديمقراطية الليبرالية المنفتحة باتت تفقد زخمها على نحو متزايد في جميع أنحاء العالم لصالح أصحاب الأيدلوجيات المتطرفة وأصحاب النعرات الطائفية المبنية على الخوف من الأجانب. وقد وجد فريقنا البحثي في (آرتيس إنترناشونال) ومركز حل النزاعات المستعصية في جامعة أكسفورد أن هذه القوى تضرب اليوم المجتمعات الحرة بقوة تماماً كما فعل الفاشيون والشيوعيون في العشرينات والثلاثينات من القرن الماضي.

في هنغاريا، وجدنا بأن الشباب يتبنون بقوة، الدعوة الحكومية إلى استعادة “التماسك الوطني” ويدعمون الدعوة إلى استئصال القيم “العالمية”. وفي العراق، وجدنا بأن غالبية الشباب الذين أجرينا مقابلات معهم والذين خرجوا من حكم الدولة الإسلامية في الموصل يرحبون في بادئ الأمر بالاستقرار والأمن وسط الفوضى التي أعقبت الغزو الأمريكي – ودام ذلك إلى أن نبذتهم الوحشية المتزايدة باستمرار.

ووفقا لاستطلاع (وورلد فاليو سورفاي)، فإن غالبية الأوروبيين لا يعتقدون بأن العيش في بلد ديمقراطي يمثّل “أهمية مطلقة” بالنسبة لهم، وهذا ينطبق على معظم الشباب الذين تقل أعمارهم عن 30 عاماً في ألمانيا. وفي فرنسا، فقد حصل الحزب اليميني المتشدد والحزب اليساري المتشدد على نصف أصوات الشباب الفرنسيين الذين تتراوح أعمارها بين 18 و 34 عاماً في الجولة الأولى من الانتخابات العامة. وفي الولايات المتحدة، وجد العالمان السياسيان (روبيرتو فوا) و (ياشكا مونك) بأن نصف الأمريكيين يفتقرون إلى الإيمان بالديمقراطية، وأن ثلث الأمريكيين الشباب من ذوي الدخل المرتفع يفضّلون بالفعل حكم الجيش، رغبة منهم بوضع حد للاضطرابات الاجتماعية المتزايدة والمرتبطة بعدم المساواة في الدخل وانعدام الأمن الوظيفي والإخفاق المتواصل في الاندماج العرقي والاستيعاب الثقافي في عصر سياسية الهوية.

الفوضى العالمية الجديدة تعرضنا جميعا لخطر عصر العولمة، حيث تنفجر القوى غير الحكومية بعنف من خلال نظام الدولة القومية، وتنشر الثقافات العنيفة الضارة.

في بحثنا الخاص بفرنسا وإسبانيا، وجدنا رغبة ضئيلة بين الناس في تقديم تضحية مكلفة من أجل الديمقراطية مقارنة بالرغبة في القتال والموت من أجل الجهاد في أوروبا وشمال إفريقيا والشرق الأوسط. في الحقيقة، مقابلاتنا المكثفة وتجاربنا النفسية الواسعة لم تكشف عن “صراع حضارات”، بل خلصت إلى أن الحضارات آخذة في التفكك؛ فالشباب غير المقيدين بالعادات والتقاليد يهربون بحثاً عن هوية اجتماعية تمنحهم الأهمية الشخصية والمجد. الأفراد يتجهون نحو الراديكالية بحثا عن هوية ثابتة في أرض متقلبة. في هذا الواقع الجديد، يتم استبدال الخطوط العمودية للتواصل بين الأجيال بخطوط عرضية تمتد إلى جميع بقاع الأرض، وإن كان ذلك في قنوات ضيقة من الأفكار والمعلومات. وبرغم هذا النقد اللاذع للعولمة، يظهر بحثنا بأن حركة اليمين البديل تنطوي هي أيضا على ذات النعرات العالمية ضيقة الأفق من التغريدات والمنشورات والمدونات وغرف الدردشة التي تربط بين المجموعات عبر العالم باعتبارها حركة جهادية.

الاضطراب العالمي الجديد يعرضنا جميعا لخطر كبير جداً في عصر العولمة، حيث تنفجر القوى غير الحكومية بشكل عنيف من خلال نظام الدولة القومية، وتنتشر الثقافات العنيفة الضارة. لقد حلّت الإبداعات الغربية في الدولة القومية، وكذلك الأسواق المفتوحة التي تسيطر اليوم على النظام السياسي والاقتصادي العالمي، محل الأشكال القديمة للحكم، ومحل التشكيلات الاجتماعية والنشاطات الاقتصادية التي كانت تنطوي على مجتمعات كاملة من الناس والتي كانت ترتبط ببعضها البعض ارتباطا عاطفياً وثيقاً. ولذلك، فإن ارتفاع عدد السكان وازدياد نسب التحضر والاتصالات والنقل السريع والعلم والتكنولوجيا أدى إلى تحول الناس في كوكب الأرض إلى جهات تنافسية تسعى إلى تحقيق الذات والإنجاز الشخصي من خلال التراكم والتكديس الماديين. وبالطبع، المنافسة التي يحركها السوق غالبا ما تأتي بتكاليف شخصية واجتماعية باهظة، وعندما تفتقر المجتمعات إلى الوقت الكافي للتأقلم على الابتكار والتغيير، فإن أفرادها يخفقون في تحقيق تطلعاتهم، ويزداد القلق والانعزال، ومن ثم يندلع العنف وينعكس على الأطياف السياسية الدينية السائدة .

الفيلسوف الديني سورين كيركيجارد كان أول من يتحدث عن “دوخة الحرية” والخلل الاجتماعي الناتج عنها. والفيلسوف الإنساني أريك فروم تحدث عن فكرة “الهروب من الحرية” عام 1941 وقال إن الحرية الزائدة تدفع الكثيرين إلى السعي للقضاء على عدم اليقين في الأنظمة الاستبدادية. وهذا يتوافق مع ما يسميه عالم النفس الاجتماعي آري كروغلانسكي بـ “البحث عن الأهمية”، حيث يقول إن “السعي وراء الأهمية” هو الدافع الرئيسي وراء الجهاديين والمتشددين وأنصار الحركة القومية العرقية في جميع أنحاء العالم. وفي ظل وجود هذه القوى فإننا نرى ما يصفه عالم النفس مايكل جلفاند بـ “تضييق” الثقافات السياسية والتعصب وعدم التسامح في السلوك.

وهكذا، وخلال عملنا الميداني الأخير مع الشباب الناشئين في ظل حكم داعش في الموصل، وجدنا بأنه رغم خسارة داعش لخلافتها ودولتها هناك، لم يفقد الناس ولاءهم لقيمها الجوهرية في الحكم الديني الصارم ورفض الديمقراطية. وقد صاغ أحد الشباب ذلك بالقول “الشريعة هي أن الله يأمرك بما تفعل … والديمقراطية هي أن البشر يتسببون بالحروب وعدم الثقة … الحرية تضعك في العديد من المشاكل والانقسامات والفساد في المجتمع”.

إن أوجه التشابه ما بين اليمين البديل والإسلام الراديكالي واضحة، ويمكن صياغتها بما قاله أحد مناصري حركة تفوق البيض: “الشر هو عدم الاعتراف بضرورة وجود حرب عرقية”. هذه الأفكار هي التي ألهمت تيموثي ماكفينغ للقيام بتفجر مبنى مكتب التحقيقات الفيديرالي  في أوكلاهوما وقتل 168 شخصاً في إبريل عام 1995 قبل أن يتعرض للإعدام. حلم الحرب العرقية ألهمت أيضا ديلان روف لقتل تسعة أشخاص في الكنيسة الميثودية الإفريقية في تشارلستون في يونيو 2015. وبفعلته هذه اعتقد روف بأن الحرب ستندلع خلال السنوات القليلة القادمة وبالتالي سيحصل على المجد والتبجيل أمام الناس. هذا النوع من الأفعال يهدف إلى التحريض على فرض تدابير انتقامية من القمع والعنف ضد البيض بما في ذلك تشديد قوانين السلاح، وهذا يشبه تماما هدف داعش بتحقيق قمع المسلمين في الغرب من خلال تنفيذ الأعمال الإرهابية هناك.

المجموعات الجهادية وحركة تفوق البيض تشابه بعضها بعضاً ليس في الإستراتيجية والتكتيك فحسب، بل في رسائلها أيضا. في عام 1983 نشر كلانسمان ولويس بيم (عضو منظمة أريان نيشن – المناصرة لتفوق البيض) بياناً رسمياً يدعو فيه إلى “المقاومة بلا زعيم” باعتبارها إستراتيجية مقاومة اجتماعية للقوميين البيض. وهذا يشبه تماماً سياسة الحركة الجهادية التي ترفض الإشراف على الأعمال المناهضة للحكومات وتسند المهمة لصالح الجماعات المستقلة والأفراد ليعملوا بمفردهم ومن تلقاء أنفسهم، وأيضا ترفض إرسال رسائل مباشرة وتتبنى أسلوب الرسائل المستنبطة، وذلك بهدف منع السلطات من قطع رأس الحركة أو تحميلها المسؤولية عن السبب والنتيجة.

سواء كانوا جهاديين أم في اليمين البديل، هؤلاء قادة متعلمون وأثرياء في غالب الأحيان

عندما نشر “مصطفى ست مريم” (الملقب بأبي مصعب السوري) إستراتيجية القاعدة للجهاد باعتبارها “الدعوة إلى المقاومة الإسلامية العالمية” عام 2004، حينها تبنى شعار المقاومة بلا زعيم: عمليات عفوية ينفذها أفراد وخلايا في مختلف أنحاء العالم دون وجود اتصال فيما بينهم، الأمر الذي وضع أجهزة المخابرات المحلية في حالة ارتباك.

هنالك قادة ومؤسسون لمجموعات يقومون بتحليل الظروف وصياغة الخطط. وسواء كانوا من اليمين البديل أو الجهاديين، هذه الشخصيات غالبا ما تكون متعلمة وحالها ميسور. فعلى سبيل المثال، كان أسامة بن لادن مليونيرا مشهورا درس في مجال الاقتصاد والهندسة المدنية، وخليفته أيمن الظواهري جراح من عائلة متميزة ومزدهرة بالأطباء والعلماء. وزعيم داعش أبو بكر البغدادي حصل على شهادة الدكتوراه من جامعة بغداد. وتشارلز ليندبيرغ كان طياراً وابن لمحام وعضو في الكونغرس الأمريكي. ويليام بيرس كان فيزيائياً ينحدر من الارستقراطية الجنوبية. ريتشارد سبنسر رئيس مركز أبحاث بارز في اليمين البديل (ناشونال بوليسي انستيتيوت) هو نجل أخصائي في البصريات ووريث لثروة ضخمة في حقول القطن وحاصل على شهادة الماجستير في الإنسانيات من جامعة شيكاغو. مؤسسو وأعضاء الجماعات الثورية المتمردة غالبا ما ينحدرون بالأساس من الطبقة العليا أو الوسطى، حيث يصلون في مرحلة ما إلى الجماهير الفقيرة والأكثر تهميشاً والأقل تعليماً من أجل زيادة نفوذهم.

من الجهاديين في أوروبا إلى مناصري التفوق الأبيض في الولايات المتحدة، فإن الشباب الذين وصلوا إلى العشرينات من أعمارهم ويشعرون بالإقصاء المجتمعي هم الأكثر تقبلا للانضمام للمجموعات الراديكالية، و الذين يسعون نحو تقديم تضحيات حتى في القتال والموت دفاعا عن القيم العليا بغض النظر عن التكاليف والعواقب. وفي دراساتنا عبر أوروبا وشمال إفريقيا والشرق الأوسط، وجدنا بأنه كلما كان المجتمع صارماً أكثر وملتزماً بالقيم بشكل أكبر كلما زادت الرغبة بتقديم تضحيات مكلفة. وهذا ينطبق بالطبع على اليمين البديل كذلك.

من بين القيم الجوهرية التي يتشارك بها مناصرو اليمين البديل والجهاديون هي كراهية اليهود. كان “بيم”قد دعا  إلى الربط ما بين اليمين المتشدد في الولايات المتحدة و “حركات التحرير” في ليبيا وسوريا وإيران وفلسطين. وفي عام 2002 قال ويليام بيرس بأن “أسامة بن لادن هاجم الولايات المتحدة في 11 سبتمبر ليرسل لنا رسالة مفادها أن المسلمين ليسوا سعداء بما يفعله اليهود ضد الفلسطينيين”. وفي عام 2007 دعت مجموعة “أريان نيشنز” الأمريكية المناصرة لهيمنة العرق البيض إلى تدمير “النظام اليهودي الاستبدادي في الدول الديمقراطية الغربية”. أما ديلان روف، فقد قال أثناء التحقيق معه في المحكمة “كنت مثل فلسطيني في سجن إسرائيلي بعد قتله تسعة أشخاص … الفلسطيني لن يشعر بالانزعاج أو الندم”. وبطبيعة الحال، إن لدى مناصري حركة تفوق البيض والجهاديين، وجهات نظر مختلفة للعالم، وإن كان اليهودي كبش فداء مشترك لدى الطرفين.

نحن بحاجة إلى تغيير النهج تجاه الشباب؛ فهم القوة الأكثر إبداعا في هذا العالم، وعلينا أن نعدهم بمستقبل أفضل بعيدا العنف. دعونا نساعد هؤلاء الشباب في تحقيق آمالهم وأحلامهم لمنحهم القدرة على تولي مهم حياتهم. الإستراتيجية الأفضل لتحقيق ذلك، هي أن نبين لهم كيف يمكنهم التعبير عن أفكارهم عبر قنوات السلطة والمؤسسات الرائدة من أجل تغيير العالم بعيدا عن العنف. البعض القليل منا قد يتمكن من التحرر من الخوف من التغيير، والبعض لن يتمكن من الهرب من الوهم بأن الحياة لا تتغير، الأمر الذي يؤدي فقط إلى الفزع من الاختلاف مع الآخرين. ولكننا ما زلنا نتشاطر أرضيات مشتركة من المشاعر والأفكار في عالم يمكن فيه للجميع أن يعيش بأكثر من الحد الأدنى من الحرية والسعادة. وهذا هو السبب الذي دعا أسلافنا في الماضي إلى الخوض في ثورات وحروب أهلية وعالمية.

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة