الواجهة الرئيسيةترجمات

ما مصدر فيروس كورونا.. الثعابين والخفافيش أم البنغولات؟

يعتقد العلماء المستكشفون للفيروسات من أمثال ليبكين أن الحياة البرية ينبغي أن تبقى في المناطق البرية؛ فإذا كان الوباء الجديد يُذكرنا بأن الخفافيش والبنغولات، فضلًا عن بعض الحيوانات الأخرى، تعد مصدرًا للأوبئة المستقبلية؛ فإن ذلك يحدث بسبب تمدُّد المدن إلى المناطق التي تعيش فيها تلك الحيوانات، لذلك يمكن اعتبار غزو المناطق البرية أو إحضار الحياة البرية إلى المدن مصدرًا للخطورة؛ لأن كل شيء يجب أن يبقى في مكانه الطبيعي.

كيوبوست – ترجمات

في عام 2013، نجح العلماء في اصطياد أحد الخفافيش البرية، يُعرف بخفاش حدوة الفرس في إقليم يونان، الذي يبعد بنحو 1700 كم جنوب مدينة ووهان الصينية. وتم التعرف على أحد أنواع الفيروسات التي يحملها هذا الخفاش، ووجدوه متماثلًا إلى حد بعيد مع فيروس كورونا. وكان الكهف الذي يحتضن هذا النوع من الخفافيش قد تم اكتشافه عام 2003 خلال رحلة البحث في جنوب الصين عن الحيوان الذي تسبب في نقل وباء “سارس”؛ لكن بقي مكانه سرًّا منذ ذلك التاريخ.

شاهد أيضًا: فيديوغراف.. “كورونا” يسجل الوفاة الأولى بفرنسا وإصابة في مصر

وحيث يجري البحث حاليًّا لإيجاد الحيوان المتسبب في نقل الفيروس المتسبب في نقل العدوى داخل الصين وخارجها، تأتي الخفافيش والثعابين ومؤخرًا البنغولات على قائمة الحيوانات المرشحة لهذا الشأن. وتدور الشكوك حول تلك الحيوانات باعتبارها تعمل كحامل للمرض قبل انتقاله إلى الإنسان. وما يجعل الأمر صعبًا هو أننا لم نتوصل حتى الآن إلى فهم الطريقة التي انتقل بها الفيروس إلى الإنسان. وهنا تأتي أهمية اكتشاف الحيوان الذي عَبَر الوباء من خلاله إلى البشر مباشرةً؛ لأن اكتشافًا مثل هذا قد يمكِّننا من السيطرة على انتشاره في المستقبل.

ما نعرفه عن الكهوف

كان فريق من الباحثين في معهد علم الفيروسات في مدينة ووهان قد توجَّه للبحث عن المصادر الحيوانية لفيروس سارس. ولم تكن ذكرى الكارثة التي تسبب فيها “سارس” قد نُسيت بعد؛ فمنذ نحو عقدَين قضى نحو 770 ألف شخص نحبهم جراء الإصابة بهذا الوباء المميت، وكان رئيس اتحاد الصحة البيئية بيتر إيشاك، قد رافق فريقًا من الباحثين الذين انطلقوا مسلحين بالبزات الواقية من المواد الخطرة ومصائد الحيوانات على أمل حل اللغز، ومن ثَمَّ توجهوا للعمل داخل الكهوف؛ حيث تعيش الآلاف من الخفافيش على الجدران الجيرية. وقاموا بجمع عينات من براز ودم الخفافيش لاختبارها في المعمل ومعرفة إذا ما كانت تحتوي على فيروسات “كورونا” جديدة من عدمه.

جانب من الحيوانات البرية التي عثرت عليها الشرطة بعد تفتيش سوق في مدينة أنهوي الصينية- يناير 2020

يقول ديشاك: “كنا في ذلك الوقت نبحث عن فيروسات قريبة الصلة بفيروس سارس، وكان ذلك الفيروس الذي اكتشفناه في الكهف يختلف بنسبة 20 في المئة عن النموذج المطلوب”، ويضيف: “كان اكتشاف مثل هذا الفيروس أمرًا شيِّقًا؛ لكننا لم نعتبره مصدرًا كبيرًا للخطورة، لذلك قُمنا بالاحتفاظ به في المبردات”. وعند تلك النقطة بالذات ينبغي الإشارة إلى أمرٍ مهم، فهنالك نحو 500 نوع من الفيروسات الجديدة المتولدة في الخفافيش تم اكتشافها في الصين على مدى الستة عشر عامًا الماضية؛ لكن فرَق الباحثين لم تقُم بإبلاغ السلطات إلا عن تلك النسخ الشبيهة بفيروس سارس. وكان الأمر يعود إلى عجز الميزانية عن تغطية تكلفة البحث في كل تلك الأنواع؛ وهو ما أدى إلى تجاهل هذا الفيروس الذي أصبحنا نعرف الآن أنه يتشابه مع فيروس كورونا 2019 بنحو 96%.

شاهد أيضًا: فيديوغراف.. “كورونا” يواصل الانتشار في الصين

فهل كان أخذ هذا الفيروس على محمل الجد سيقي العالم من خطر الوباء المميت؟ هناك احتمالية لذلك، وبالنظر إلى ما حدث بالفعل، فقد ساعدت المعرفة المبدئية التي أنجزها العلماء في الكهوف الكلسية على أمر مهم؛ وهو أنهم ربطوا بشكل فوري بين ظهور الفيروس في متجر المأكولات البحرية في ووهان بذلك الذي وجدوه في الخفافيش؛ ما نتج عنه سرعة الحصول على التتابع الجيني الكامل لفيروس سارس2، ولم يمضِ أسبوعان منذ إبلاغ مسؤولي الصحة العامة عن الوباء منظمة الصحة العالمية، حتى أُنجِزت المهمة؛ حيث قام العلماء الصينيون بنشر قراءة الجينوم الخاص بالفيروس على شبكة الإنترنت بتاريخ 10 يناير الماضي.

لحوم الثعابين تعتبر من الوجبات المعتادة لدى الصينيين

وقد تسببت الحيوانات البرية والمستأنسة في انتقال نحو 4 أوبئة خطرة على البشر، حسب تقارير المراكز الأمريكية للتحكم والوقاية من الأمراض، لذلك لم يكن من المستغرب أن تتوجه أصابع الاتهام نحو الحيوانات باعتبارها المسؤولة عن نقل عدوى “كورونا” 2019 إلى الإنسان. وكانت الخفافيش قد تطورت لتتعايش مع الفيروسات دون تعرضها إلى ضررٍ بالغ بسبب امتلاكها جهازًا مناعيًّا قويًّا؛ إذ يمكِّنها ذلك من أن تصبح حاملةً للمرض دون أن تتأثر، وهي فضلًا عن ذلك قادرة على نقل الفيروسات إلى أماكن بعيدة وعلى نطاقٍ واسع؛ ففي جنوب شرق الصين على سبيل المثال يعتاد الناس على اصطياد الخفافيش وتناول لحومها، وبالتالي يصبح الفيروس على أهبة الاستعداد لنسخ نفسه بسرعة في أجسام البشر والحيوانات التي ينتقل إليها. وعلى الرغم من ذلك كله؛ فإن العلماء لا يعتقدون أن فيروس “سارس كو في 2” كان قد انتقل بشكل مباشر من الخفافيش إلى الإنسان.

شاهد أيضًا: فيديوغراف.. “كورونا” يواصل حصد الأرواح

ويرغب الباحثون في تحديد أنواع الحيوانات التي كان يتم بيعها في متجر المأكولات البحرية. إذ يبدو الأمر عصيًّا على الفهم حتى الآن، فقبل كل شيء ينبغي أن نشير إلى انتشار الإصطبلات التي تبيع الحيوانات البرية كالثعابين والفئران بطرق غير قانونية، وقد تم جمع نحو 585 عينة من أقفاص تلك الحيوانات، كما وجِد أن نحو ثلثَيها يحتوي على الفيروس، وهو الأمر الذي لم يحدث بمتجر المأكولات البحرية؛ حيث تم إغلاقه وتنظيفه من التلوثات البيئية في الأول من يناير للعام الجاري، ولزيادة الأمور تعقيدًا عُرف أن بعض المصابين الأوائل بالمرض لم تكن تربطهم أية علاقة بالمتجر من بعيد أو قريب؛ ما يعني أنهم أُصيبوا بالمرض جراء تعرضهم إلى الحيوانات الحاملة للفيروس أو في أي مكان آخر بخلاف المتجر.

اقرأ أيضًا: التغير المناخي والأوبئة الجديدة.. هل نحن مستعدون؟

وتم استدعاء ديشاك إلى جنيف؛ للاستعانة بخبراته في تتبع الحيوانات المرشحة لأن تكون مصدرًا للعدوى بفيروسات كورونا، حيث أشار إلى أن تتبع متاجر الحيوانات البرية لا يكفي وحده لحل اللغز، مضيفًا: “لقد تغيَّر شكل تجارة الحيوانات البرية منذ اندلاع وباء سارس، ومن ساعتها بدأ الصيادون المحليون في المناطق الريفية في بيع غنائمهم إلى المطاعم مباشرةً دون الاستعانة بمتاجر الحيوانات كوسيط”، كما أكد ديشاك أن فيروسات كورونا الشبيهة بـ”سارس” قد انتقلت إلى البشر الذين يعيشون بالقرب من مستوطنات الخفافيش وقطعان الماشية. وجدير بالذكر أن فيروس كورونا القادم من خفافيش حدوة الفرس قد تسبب في مقتل نحو 25000 خنزير صغير في 4 مزارع صينية.

لغز الحيوان الوسيط

وهنالك تشابه عميق يجمع بين فيروس “سارس كو في 2” المسؤول عن وباء “كورونا” المتفشي حاليًّا، وفيروس (آر إيه تي جي 13)، الذي تم اكتشافه في كهف إقليم يونان عام 2013؛ الأمر الذي يدعم فكرة أن الفيروس نجح في التعايش لمدة طويلة داخل أجسام الخفافيش دون أن يتسبب لها في ضرر مباشر وقبل أن ينتقل منها إلى الحيوانات الأخرى، لكن فيروسات كورونا نادرًا ما تنتقل بشكل مباشر من الخفافيش إلى البشر، وهو ما يدفع علماء الفيروسات للبحث عن القطعة المفقودة من اللغز: ما الحيوانات التي لعبت دور الحلقة الوسيطة بين الخفافيش والبشر؟ وقد سبق أن لعبت قطط الزباد هذا الدور مع وباء “سارس”، كما تمت الإشارة إلى الجِمال باعتبارها الحلقة الوسيطة في نقل متلازمة الشرق الأسط التنفسية المعروفة بـ”ميرس”، والتي تفشَّت في المملكة العربية السعودية عام 2012.

حيوان البنغول الذي يتم صيده وبيعه في الصين بطرق غير شرعية

من جانب آخر، قال ألان ليبكين، وهو أحد علماء البيئة في جامعة كولومبيا، وكان قد ساعد كلًّا من منظمة الصحة العالمية والحكومة الصينية في أثناء تفشي وباء “سارس”، كما يشارك الآن بتقديم النصح إلى الحكومة السعودية بخصوص وباء “ميرس” الذي يتفشَّى من وقت إلى آخر بأراضي المملكة، وقد عاد مؤخرًا من الصين، قال عن الوباء الحالي: “حينما توجد تلك الحيوانات، كالخفافيش والبنغولات، في وضع متجاور داخل المتاجر؛ فإنها تقوم بتبادل الفيروسات في ما بينها”. وكانت أبحاث ليبكين قد أثبتت أن الفيروسات المسببة لوباء ميرس ظلت تتجول في الدورة الدموية للجمال في السعودية لنحو عقدَين من الزمن على أقل تقدير؛ وهو الأمر الذي عجز الناس عن ملاحظته أو تشخيصه طوال تلك المدة.

اقرأ أيضًا: سباق مع الزمن لتطوير مصل مضاد لوباء الصين الجديد

ويعتقد العلماء المستكشفون للفيروسات، من أمثال ليبكين، أن الحياة البرية ينبغي أن تبقى في المناطق البرية، فإذا كان الوباء الجديد يُذكرنا بأن الخفافيش والبنغولات، فضلًا عن بعض الحيوانات الأخرى، تعد مصدرًا للأوبئة المستقبلية؛ فإن ذلك يحدث بسبب تمدد المدن إلى المناطق التي تعيش بها تلك الحيوانات، فضلًا عن الصيادين الذين يطاردون الحيوانات بحثًا عن اللحم أو لوضعها في متاجر الحيوانات البرية؛ لذلك يمكن اعتبار غزو المناطق البرية أو إحضار الحياة البرية إلى المدن مصدرًا للخطورة، لأن كل شيء يجب أن يبقى في مكانه الطبيعي.

المصدر: موقع ويرد

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة