الواجهة الرئيسيةترجماتشؤون دولية

ما مدى تأثير المقاتلين الأجانب عسكريًا وسياسيًا من الناحية التاريخية؟

هل شكّل المقاتلون الأجانب جنودًا جيدين في الصراعات المختلفة؟

ترجمة كيو بوست –

المصدر: مجلة “هيستوري نيوز نيتويرك” الأمريكية، بقلم أستاذ التاريخ الدولي في جامعة ليدز البريطانية، نير آريلي، مؤلف كتاب “من بايرون إلى ابن لادن: تاريخ المتطوعين الأجانب في الحروب”.

يحتل المقاتلون الأجانب عناوين الصحف العالمية بشكل مستمر منذ عام 2013. ومن الأمثلة الحديثة على ذلك، إعلان وزير الداخلية البريطاني أن حكومة المملكة المتحدة لن تسعى إلى منع عقوبة الإعدام بحق عضوين متبقيين فيما يسمى “عصابة بيتلز”. كان الرجلان جزءًا من مجموعة مكونة من أربعة مواطنين بريطانيين، انضموا إلى تنظيم الدولة الإسلامية، وقاموا بتعذيب السجناء وإعدامهم. ومن الجدير ذكره أن الأخبار المتعلقة بالمقاتلين الأجانب لا تقتصر على من شارك في الحرب الأهلية السورية، بل هنالك تقارير حول مقاتلين أجانب في نيجيريا والنيجر وميانمار وغيرها من الدول.

اقرأ أيضًا: هكذا نجح داعش في جذب المقاتلين الأوروبيين

لقد دار جدل كبير حول التهديد الذي يشكله المقاتلون الأجانب في الحرب السورية على بلدانهم الأم، لكن، لم تجرِ نقاشات حول دور المقاتلين الأجانب في مفاقمة الصراعات التي ينضمون إليها. قرار مجلس الأمن رقم 2178 يعتبر أن “المقاتلين الإرهابيين الأجانب حتمًا يزيدون من كثافة ومدة وصعوبة الصراعات”، ولكن، هل يدعم السجل التاريخي هذا التأكيد؟

تناولتُ هذه المسألة في كتابي “من بريون إلى ابن لادن”، وتطرقت إلى تاريخ المتطوعين الأجانب في الحروب المختلفة، وخرجت بنتائج أكثر تعقيدًا مما يشير إليه قرار الأمم المتحدة. إن “المقاتلين الأجانب” أو “المتطوعين الأجانب” كما أطلق عليهم طوال الحقبة الحديثة هم رجال ونساء يغادرون بلدان جنسيتهم أو بلدان إقامتهم، ليشاركوا في نزاعات خارجية، بناء على قرارات شخصية بحتة، دون أن ترسلهم حكوماتهم، وليس لأغراض مادية في المقام الأول.

شارك المتطوعون الأجانب في العديد من النزاعات منذ أواخر القرن الثامن عشر، ومن بين الأمثلة على ذلك: حروب التحرير الوطنية في جنوب أوروبا وأميركا الجنوبية في القرن التاسع عشر، والحرب الأهلية الإسبانية (1936-1939)، والحرب العربية الإسرائيلية الأولى (1947-1949)، والحروب في يوغوسلافيا السابقة (1991-1995). الأجانب الذين قاتلوا في هذه الحروب اختلفوا عن بعضهم البعض من ناحية الأيديولوجيات التي تبنوها، والظروف التاريخية التي عاشوا فيها. ومع ذلك، شهدت جميع هذه الحالات أشخاصًا من دولة واحدة يعبرون الحدود ويحملون السلاح في صفوف قوات عسكرية أجنبية.

من ناحية الأعداد، شكل المتطوعون الأجانب نسبة صغيرة من القوات المقاتلة المنخرطة في النزاعات. على سبيل المثال، قدّر العدد الإجمالي للأجانب المشاركين في الحرب الأهلية الإسبانية بنحو 32000 مقاتل، في حين أن الحجم الإجمالي للقوات العسكرية المحلية لم يتفق عليه، إلا أن المؤرخين أكدوا أن الأجانب لم يشكلوا سوى 2% – 6% من جميع الرجال والنساء المنخرطين في الحرب الأهلية الإسبانية.

اقرأ أيضًا: خفايا تحرير ألمانيا أسيرتين داعشيتين من سجون العراق سرًا

وفي عام 1948، شارك حوالي 3,500 متطوع أجنبي من أجل دولة إسرائيل الجديدة، أي ما نسبته 3% فقط من مجموع 108,000 من الرجال والنساء الذين جندهم الجيش الإسرائيلي.

وفي العراق، تغيرت التقديرات حول أعداد المقاتلين الأجانب في التمرد العراقي في بداية الألفية الجديدة مع مرور الوقت، وبرغم التباين في الأرقام، كان هناك إجماع على أن الأجانب لم يشكلوا أكثر من 10% مما يسمى التمرد السني في العراق.

في هذه الصراعات وفي العديد من الدول الأخرى، كانت الغالبية الساحقة من المقاتلين محلية. ولذلك، عند الحديث عن أهمية المتطوعين الأجانب العسكرية العظمى، ينبغي البحث عن مساهماتهم في المجالات الأخرى، وليس في أعدادهم.

في عدد قليل من الحالات، قدمت مهارات المتطوعين الأجانب مساهمة نوعية في الصراعات التي خاضوها. على سبيل المثال، كان للأجانب الذين انضموا إلى المنظمات السنية المسلحة في العراق –في السنوات التي أعقبت الغزو الأمريكي عام 2003– تأثيرًا ملحوظًا على التمرد المحلي. كانت قيادة القاعدة في العراق آنذاك أجنبية بشكل كامل تقريبًا. ووفقًا للخبراء، استورد الجهاديون الأجانب ظاهرة التفجيرات الانتحارية من الخارج إلى الصراع العراقي. كان الأجانب في العراق يمهرون في تصنيع المتفجرات، وتمكنوا من إقناع المجندين المحليين باعتماد هذا التكتيك، كما شكلوا الجزء الأكبر من الجنود المشاة الذين نفذوا عمليات انتحارية.

هذه الحقائق من العراق تظهر دور المقاتلين الأجانب في لعب دور عسكري هام في النزاعات الخارجية. ولكن، هنالك حالات وأماكن أخرى فشل فيها المقاتلون الأجانب، لأسباب متعددة، من بينها عدم معرفة اللغة المحلية، ونقص التدريب العسكري المناسب. على سبيل المثال، أكثر من نصف الأجانب الذين جندوا للقتال إلى جانب سيمون بوليفار، في حروب التحرير في أميركا الإسبانية ما بين 1810 و1820، ماتوا بعد وقت قصير من وصولهم إلى منطقة البحر الكاريبي، وبعضهم عاد إلى أوروبا حتى قبل إطلاق النار.

كما انتشرت خيبة الأمل بين الأوروبيين الغربيين الذين سافروا إلى اليونان للقتال ضد الإمبراطورية العثمانية عام 1820، وأيضًا بين المتطوعين الروس الذين قاتلوا من أجل صربيا عام 1876، وكذلك الأجانب الذين انضموا إلى قوات “فيرماخت” الألمانية، ووحدات النخبة المسلحة (وافن أس أس) التي قاتلت من أجل ألمانيا في الحرب العالمية الثانية.

اقرأ أيضًا: داعش يمنح النساء دورًا عملياتيًا أكبر في ظل انهيار “الخلافة”

يمكن القول إن المتطوعين الأجانب يلتزمون بشكل فريد بالقضية التي يقاتلون من أجلها، وهذا ما تشهد عليه معدلات الخسائر العالية التي تكبدتها الألوية الدولية في الحرب الأهلية الإسبانية. وفي الوقت ذاته، قد يشكل المقاتلون الأجانب عبئًا على الدول المضيفة إذا كانوا يفتقرون إلى الخبرات العسكرية والثقافية اللازمة للتعاون مع القوات المحلية. بكلمات أخرى، السجل التاريخي مختلط ولا يصب في صالح اتجاه واحد.

ويشكل عام، يمكن الجزم بأن إسهامات المتطوعين الأجانب تحمل تأثيرات سياسية أكثر منها عسكرية؛ ففي أغلب الحالات، جرى استخدام المقاتلين الأجانب من أجل تعزيز الروح المعنوية المحلية، وتقوية الدعاية الموجهة للجماهير الدولية. وهذا ينطبق بالطبع على الكتائب الدولية التي حفزت المدافعين الجمهوريين في مدريد في أواخر عام 1936، وساعدت في جذب الانتباه العالمي إلى الحرب في إسبانيا.

ولا شك في أن القراء المعاصرين على دراية بالأهمية الدعائية للمقاتلين الأجانب الجهاديين. ولا يحتاج المرء إلى أن يفكر في التداعيات الدولية لعمليات الإعدام المصورة، التي جرت بحق الرهائن الغربيين، التي نفذها “الجهادي جون”. حققت عمليات الإعدام تأثيرات دعائية كبيرة في صفوف الجماهير الغربية، فسارع بعضهم للانضمام إلى الدولة الإسلامية في نهاية المطاف. وباختصار، يمكن للمتطوعين الأجانب التأثير على النزاعات التي ينضمون إليها، لكن مساهماتهم غالبًا ما تكون خارج نطاق فعالية ساحة المعركة.

 

المصدر: مجلة “هيستوري نيوز نيتويرك” الأمريكية

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة