الواجهة الرئيسيةشؤون دولية

ما فرص خروج التصعيد الأمريكي- الإيراني عن السيطرة؟

إيران قد تمتلك من الصواريخ أو الطائرات المسيرة التي قد تهدد بها القواعد الأمريكية في المنطقة.. ولكنها تدرك أن رد الفعل الأمريكي لن يكون عادياً هذه المرة

كيوبوست

تتواتر تصريحات المسؤولين الإيرانيين على المستويات كافة، بدءاً بالرئيس الإيراني، ومروراً برؤساء الأجهزة الأمنية في إيران؛ سواء المرتبطة بالجيش أو الحرس الثوري، لتأكيد الانتقام من قتلة قاسم سليماني، قائد فيلق القدس، الذراع الخارجية للحرس الثوري الإيراني. وتزداد هذه التهديدات بالتزامن مع حلول الذكرى السنوية الأولى لوفاته في الثالث من يناير.

ردود إيرانية ملتبسة

يمكن من مراجعة مجمل التصريحات الإيرانية حول الانتقام من قتلة سليماني إيراد عدد من الملاحظات التي يمكن توضيحها على النحو التالي:

  1. الغموض والتضارب: تكشف قراءة مجمل تصريحات المسؤولين الإيرانيين عن وجود قدر من التضارب؛ فقد صرح حسين سلامي؛ قائد الحرس الثوري، بتأكيد جاهزية قواته للرد على أي اعتداء أمريكي، في مؤشر على أن إيران لن تكون البادئة بالهجوم، وذلك في الوقت الذي أشار فيه إسماعيل قاآني، قائد فيلق القدس، إلى أن إيران مستعدة للانتقام من قتلة سليماني، كما أشار إلى أن هذا الانتقام من الممكن أن ينبع من داخل الولايات المتحدة، في إشارة محتملة إلى إمكانية تنفيذ طهران عملية إرهابية في الداخل؛ خصوصاً أن طهران سعت على مدار السنوات الأخيرة لتنفيذ عمليات إرهابية داخل الولايات المتحدة، وذلك دون نجاح يُذكر؛ بل إن واشنطن تمكنت من إلقاء القبض على عدد من العناصر المنتمية إلى الحرس الثوري وحزب الله اللبناني.
  2. تحقيق مزعوم: كشفت وسائل الإعلام الإيرانية عن أن الولايات المتحدة ليست وحدها المتورطة في تصفية قاسم سليماني؛ بل إن قائمة الدول المتورطة؛ تشمل العراق وسوريا ولبنان والأردن والكويت وقطر وألمانيا وبريطانيا، وأشارت هذه الوسائل الإعلامية إلى أنه ستتم إضافة مزيد من الدول إلى القائمة فور انتهاء التحقيقات[1]؛ وهي كلها مؤشرات على أن طهران ليست جدية في الانتقام لمقتل سليماني، على الأقل في الفترة الحالية، فليس من المتصور أن تقدِم على تنفيذ أعمال انتقامية والتحقيقات التي بدأت حول مقتله “فجأة” لم تنتهِ بعد.
قاسم سليماني – أرشيف

كما أن اعتماد طهران الآلية القضائية لمحاكمة المتورطين في قتلة سليماني يناقض ادعاء إيران بأنها ستنتقم لمقتله عبر تنفيذ عمليات تخريبية؛ سواء بشكل مباشر أو غير مباشر؛ وهي كلها مؤشرات على أن طهران تتجنب التصعيد مع الولايات المتحدة.

  1. الاستهلاك الداخلي: كان من الواضح أن إيران تسعى من مجمل هذه التصريحات إلى محاولة تعبئة الشعب الإيراني خلف قيادته؛ خصوصاً في ظلّ تدهور الأوضاع الاقتصادية في إيران، كما أنها من خلال التصريحات العديد المتضاربة، وتصعيد التوتر مع واشنطن تهدف إلى تحويل الأنظار بعيداً عن عدم إقدامها على أية خطوات ملموسة؛ انتقاماً لتصفية قاسم سليماني، مهندس سياستها الإقليمية، والرجل رقم 2 في النظام الإيراني بعد المرشد الأعلى خامنئي.
  2. محاولة الحفاظ على الهيبة الإيرانية: تدرك طهران جيداً أن تعرضها إلى سلسلةٍ من الهجمات التخريبية، التي طالت منشآتها النووية والصاروخية، بالإضافة إلى تصفية عدد واسع من قياديها المؤثرين على يد إسرائيل أو الولايات المتحدة، دون أن تحرك ساكناً، سوف يمثل عامل ضعف كبيراً لها؛ وهو ما سعت إيران لتجاوزه عبر رفع حدة التوتر المنضبط مع واشنطن، وإطلاق تهديدات علنية دون تنفيذ أي منها.

اقرأ أيضًا: اغتيال قاسم سليماني يمثل تحولًا دراماتيكيًّا في السياسة الأمريكية تجاه إيران

وتدرك طهران جيداً أن أية محاولة للإضرار بالمصالح الأمريكية سوف يقابلها رد فعل عنيف من قِبل واشنطن، وليس أدل على ذلك أن محاولتها تهديد السفارة الأمريكية في بغداد من جانب ميليشيات الحشد الشعبي، في أواخر ديسمبر 2019، قوبل برد عنيف من قِبل واشنطن، وترتب عليها تصفية قاسم سليماني نفسه في 3 يناير 2020.

ردع أمريكي استباقي:

استبقتِ الولايات المتحدة التهديدات الإيرانية المتوقعة بحلول الذكرى السنوية لتصفية قاسم سليماني عبر اتباع السياسات التالية: 

  1. توجيه رسائل تهديد صريحة لمنع أي خطأ في الحسابات: أوضحت الولايات المتحدة لإيران أن أي هجوم من جانب ميليشيات الحشد الشعبي العراقي، الموالي لإيران، على المصالح الأمريكية في العراق، سوف تعتبره هجوماً إيرانياً، بما يستتبعه ذلك من الانتقام الأمريكي المباشر من إيران.

وتهدف هذه التصريحات الأمريكية إلى التأكيد لطهران أنها لن تعتبر أية عملية إرهابية للحشد الشعبي هي محاولة من جانب الحشد للانتقام لمقتل أبي مهدي المهندس، الرئيس الفعلي للحشد الشعبي، والذي توفي رفقة سليماني في 3 يناير 2020.

اقرأ أيضًا: الثورة الإيرانية التالية: لماذا يجب على واشنطن أن تسعى لتغيير النظام في طهران؟ (1)

ومن جانب آخر، نشرت واشنطن فيديو لتدريب تقوم به قواتها الخاصة في رسالة لطهران بأن أحد الخيارات المتاحة لواشنطن هو تنفيذ عمليات تخريبية ضدها؛ خصوصاً مع تعرض طهران خلال النصف الثاني من عام 2020 إلى سلسلةٍ من العمليات التخريبية التي عجزت عن وقفها، وكشفت في الوقت نفسه عن وجود انكشاف أمني كبير.

واللافت أن “كتائب حزب الله” العراقية الشيعية المدعومة من إيران، أكَّدت على لسان أمينها العام أبي حسين الحميداوي، الأحد الموافق 3 يناير 2021، أي في الذكرى الأولى لتصفية سليماني، أنها “لن تدخل” السفارة الأمريكية في بغداد اليوم، ولن تسعى لإسقاط الحكومة العراقية، وإن استمرت في توجيه التهديدات إلى الحكومة العراقية بقيادة الكاظمي، وذلك عبر تأكيد الحميداوي أنه “ما زال في الوقت متسع” لإسقاط حكومة الكاظمي[2].

كتائب “حزب الله” العراقية التي تدعمها إيران- “نيويورك تايمز”

وفي المقابل، أكد رئيس هيئة الحشد فالح الفياض، خلال كلمة ألقاها في ساحة التحرير ببغداد في نفس اليوم، ضرورة الحفاظ على السيادة العراقية وتجنب مهاجمة الولايات المتحدة الأمريكية؛ إذ قال الفياض في كلمته: “لسنا طلاب عدوان ولا دعاة عنف، وسنحمي مصالحنا”[3]، وهي كلها رسائل صريحة من وكلاء طهران بأنها فهمت الرسالة الأمريكية، ولن تقدم على أي تهديد للمصالح الأمريكية، بل من اللافت أن اقتصرت تهديداتها على الحكومة العراقية التي تعتبرها مدعومة من الولايات المتحدة؛ خصوصاً لجهة سعي بغداد لضبط سلاح الميليشيات، بما يمثله ذلك من خصم من النفوذ الإيراني.

  1. نشر واشنطن أسلحة استراتيجية في المنطقة: قامت الولايات المتحدة في أواخر ديسمبر 2020 بإرسال حاملة الطائرات “يو إس إس نيميتز” إلى الخليج العربي، وذلك لزيادة قوة نيرانها في المنطقة، وهو ما يمثل رسالة تحذير لإيران بأن واشنطن جاهزة للرد على أي اعتداء إيراني، وذلك بالتزامن مع تحليق قاذفات سلاح الجو الأمريكي من طراز “بي-52” دون توقف من الولايات المتحدة إلى الخليج العربي في استعراض للقوة، بل ونشرت بعضها في قواعد بالمنطقة[4]. وتثير هذه الحاملات مخاوف طهران بالنظر إلى قدرتها على حمل صواريخ نووية، وتحليقها على مديات مرتفعة تعجز نظم الدفاع الجوي الإيراني عن رصدها، ناهيك باستهدافها.

وبالإضافة إلى ما سبق، نشرت واشنطن وإسرائيل غواصات نووية في مياه الخليج؛ فقد أعلنت وزارة الدفاع عبور الغواصة “يو إس إس جورجيا” مضيق هرمز، والتي يمكن تزويدها بـ154 صاروخ توماهوك وقادرة على نقل 66 عنصراً من القوات الخاصة[5]، بينما نقلت تقارير صحفية أجنبية عن وسائل إعلام إسرائيلية، أنباء عن عبور غواصة إسرائيلية قناة السويس في طريقها إلى الخليج أيضاً؛ وهي كلها تهديدات اعتبرتها إيران، إما استعراضاً أمريكياً للقوة، وإما تجاوزاً إسرائيلياً لخطها الأحمر، والتهديد من تجاوز هذا الخط دون تبني أية سياسات فعلية[6].

اقرأ أيضًا: الثورة الإيرانية التالية: لماذا يجب على واشنطن أن تسعى لتغيير النظام في طهران؟ (2)

وبطبيعة الحال، فإنه أمام كل هذا الوجود العسكري الأمريكي المكثف لم تجد طهران من خيار سوى تصعيد مستوى تهديداتها، بالإضافة إلى اتخاذ خطوات تصعيدية رمزية، على غرار نشر سفنها في الخليج العربي بعد سحب واشنطن حاملة طائراتها من مياه الخليج العربي؛ وهو ما ردت عليه واشنطن في 3 يناير بإعادة إرسال الحاملة إلى الخليج العربي؛ لتأكيد أن واشنطن سوف ترد على أي تهديد إيراني.

  1. تصفية كبار المسؤولين في الحرس الثوري الإيراني: لم تكن عملية تصفية سليماني هي العملية الأخيرة التي تعرضت إليها إيران في عام 2020، فقد شهد نهاية هذا العام تصفية عدد من المسؤولين الإيرانيين البارزين؛ يتقدمهم العالم النووي الإيراني مُحسن فخري زادة، في نوفمبر 2020، والذي كان مدير وحدة تطوير برنامج الصاعق النووي، وهو الجزء الأكثر تعقيداً تقنياً ضمن أي برنامج نووي عسكري[7]، ولاحقاً تصميم الرأس النووي واختباره.

كما تمت تصفية كل من القيادي في الحرس الثوري مسلم شهدان في نوفمبر، والذي يشرف على الميليشيات الشيعية متعددة الجنسيات في سوريا[8]، وحبيب سواري، أحد المسؤولين في جهاز الاستخبارات الإيراني، في ديسمبر 2020[9]، ويلاحظ أنه في كل هذه العمليات اكتفت إيران بالرد عليها، إما بالتهديد بالانتقام لمقتلهم، وإما التزام الصمت؛ وهي كلها مؤشرات على أن إيران غير قادرة على الرد على إسرائيل، التي توجه إليها يد الاتهام بالوقوف خلف كل هذه العمليات؛ وهو ما يعني أنها غير قادرة على إثارة غضب واشنطن، عكس تصريحاتها الدعائية.

الحرس الثوري الإيراني – أرشيف

وفي ضوء ما سبق، يمكن القول إن طهران، التي تعرضت إلى سلسلةٍ من العمليات التخريبية، التي عجزت عن الرد عليها، بالإضافة إلى تصفية كبار مسؤوليها في الحرس الثوري، دون أن تنتقم لمقتلهم، ليس بوارد الدخول في معركة خاسرة مع الولايات المتحدة انتقاماً لمقتل سليماني.

فصحيح أن إيران قد تمتلك من الصواريخ، أو الطائرات المسيرة التي قد تهدد بها القواعد الأمريكية في المنطقة، ولكنها تدرك أن رد الفعل الأمريكي لن ينطلق فقط من قواعد المنطقة، بل كذلك من الأراضي الأمريكية، وسوف يكون قاصماً بشكل يهدد وجود النظام الإيراني الحاكم، وهو ما يدركه خامنئي جيداً. فلم ينسَ الأخير أن تهديد سفارة واشنطن في بغداد، ترتب عليه تصفية قاسم سليماني، الرجل الذي تمتع بالنفوذ والسطوة في إيران بعد المرشد نفسه.

المراجع:

1) https://bit.ly/3naU2Lp

2) https://cnn.it/2X5KIxD

3) https://bit.ly/38Ud97q

4) https://bit.ly/3pKuqGL

5) https://bit.ly/2Mrv25L

6) https://bit.ly/387mtFD

7) https://bit.ly/2X5bVAB

8) https://bit.ly/3o5IAlo

9) https://bit.ly/3hBsEFf

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة