الواجهة الرئيسيةترجماتشؤون دولية

ما علاقة انهيار الاتحاد السوفييتي والحرب بين أرمينيا وأذربيجان؟

كيوبوست – ترجمات

جيمس بالمر♦

اشتد القتال على طول الحدود الأرمينية- الأذرية الفعلية حول إقليم ناغورنو كاراباخ المتنازع عليه؛ ما أسفر عن مقتل العشرات وادعاءات -مشكوك في صحتها- بشأن تدمير مروحيات ودبابات. كما استدعى البلدان قوات الاحتياط وأعلنا الأحكام العرفية في الداخل، وكذلك حالة الحرب في بعض المناطق. وبينما يعد القتال بين البلدَين أمراً طبيعياً مع وقوع مئات الحوادث على مدار السنوات القليلة الماضية، تهدد هذه الجولة من العنف بالانتقال إلى حربٍ شاملة، كما حدث في التسعينيات.

اقرأ أيضاً: الرئيسان الأرميني والأذربيجاني يتبادلان الاتهامات وسط قلق دولي

إنه الصراع المنسي العظيم لتفكك الاتحاد السوفييتي خلال الحرب من عام 1992 إلى 1994، التي لا يزال كلا البلدَين مهووسَين بها، وبالكاد لاحظتها الجماهير في الغرب على الرغم من مقتل ما لا يقل عن 20 ألف شخص وتشريد مليون شخص بسبب التطهير العرقي؛ نحو 70% منهم من الأذريين الفارين من الأراضي التي يسيطر عليها الأرمن، بينما فر الباقون من الأرمن من الأراضي التي تسيطر عليها أذربيجان.

وفي صميم تلك الحرب تقع ناغورنو كاراباخ، وهي منطقة مرتفعات جميلة -اسمها يعني حرفياً “الحديقة السوداء الجبلية”- والتي تلعب دوراً قوياً في الخيال الرومانسي لكلا البلدَين. وكجزء من الاستيلاء السوفييتي على منطقة القوقاز بين عامَي 1919 و1920، تم تخصيصها لجمهورية أذربيجان الاشتراكية السوفييتية، على الرغم من وجود عددٍ كبير من السكان الأرمن. ولم تكن هذه مشكلة كبيرة طالما كان كل من أرمينيا وأذربيجان جزءاً من الإمبراطورية السوفييتية. وعاش العديد من الأرمن في الجمهورية المجاورة لهم، والعكس صحيح.

امرأة أرمينية تبكي على قبر ابنها الذي قُتل في الحرب الأذرية- الأرمينية في كاراباخ.. 1994- “أسوشييتد برس”

كما أن الاختلافات الدينية بين أرمينيا ذات الأغلبية المسيحية الأرثوذكسية، وأذربيجان ذات الأغلبية الشيعية، كانت أقل أهمية في دولة ملحدة رسمياً؛ ولكن عندما أصبحت الاحتجاجات العرقية والدينية أكثر قبولاً في الثمانينيات، بدأ السكان الأرمن في الشكوى بقوة من وضعهم، ومن حملةٍ مزعومة من السلطات في باكو.

وانفجر ذلك في شكل أعمال عنف في ما بين 1989 و1990 في كل من ناغورنو كاراباخ ومدينتَي باكو وسومقايت الأذريتَين؛ حيث أدتِ المذابح الموجهة ضد الأرمن إلى فرض الجيش السوفييتي الأحكام العرفية، لمحاولة وقف العنف؛ ولكن دون جدوى.

اقرأ أيضاً: كيف يرى الخبراء مستقبل المواجهات بين أذربيجان وأرمينيا؟

وبحلول عام 1991 ومع انهيار الاتحاد السوفييتي، كانت الحرب بين الدولتَين اللتين نشأتا حديثاً على الأراضي المتنازع عليها -والتي أعلنت من جانب واحد استقلالها عن أذربيجان- أمراً لا مفر منه؛ خصوصاً أن القادة رأوا الشوفينية طريقاً سهلاً لتعزيز سلطتهم. وكانتِ الحرب نفسها مأساوية وأحياناً هزلية. وأدى تفكك الجيش السوفييتي إلى ظهور أعداد هائلة من المرتزقة الروس الذين قاتلوا على الجانبَين، وفي بعض الأحيان كانوا يحولون اتجاهاتهم بين عشية وضحاها. وازدهر المجرمون وسط الفوضى.

رجال الميليشيات الأرمينية يطلقون النار على المواقع الأذرية بالقرب من قرية حاناتاغ في ناغورنو كاراباخ.. 1992- “أسوشييتد برس”

وكان اليوم الوحيد الذي أقلعت فيه الرحلات الجوية مرة أخرى بين باكو ويريفان، عندما توفي رجل عصابة أرميني عام 1993؛ حيث رغب زملاؤه الأذريون في تشييع جنازته. وبعد الانسحاب الأوَّلي سيطرت أرمينيا؛ ما أدى في النهاية إلى وقف إطلاق النار بوساطة موسكو عام 1994، والذي ترك أرمينيا تتمادى في السيطرة على معظم ناغورنو كاراباخ.

هل تحمَّلت أذربيجان الخسارة بشكل جيد؟

على الإطلاق، وتسببت خسارة الحرب في صدمة عميقة في أذربيجان؛ ليس فقط بسبب خسارة الأراضي ومعاناة الأذريين الذين طردتهم القوات الأرمينية؛ ولكن أيضاً بسبب الحجم النسبي وقوة البلدين -يبلغ عدد سكان أذربيجان ثلاثة أضعاف عدد سكان أرمينيا- وأدى ذلك إلى مجموعة كبيرة من نظريات المؤامرة حول الخسارة؛ بما في ذلك الاعتقاد السائد بأن الولايات المتحدة قد دعمت الجانب الأرميني سراً.

اقرأ أيضاً: نزاع ناغورنو كاراباخ ومؤشرات فنون الحرب الجديدة

وفي الواقع، كانت القوات الأرمينية ببساطة أفضل قيادةً وأقل فساداً وأكثر التزاماً، وقاتل المتطوعون الأرمن بحماس أكبر بكثير من المجندين الأذربيجانيين المحبطين. كما فضَّلت روسيا بشكل متزايد أرمينيا، وأرسلت شحنات من الأسلحة وقدمت التدريب العسكري.

أرمينيا (على اليسار) وهي دولة مسيحية منذ القرن الرابع.. هزها عدم الاستقرار السياسي والاقتصادي منذ استقلالها عن الاتحاد السوفييتي السابق- وأذربيجان ذات الأغلبية المسلمة (على اليمين) كانت تحت السيطرة الاستبدادية لعائلة واحدة منذ عام 1993- “أسوشييتد برس”

ويمكن الحكم على عمق المرارة من خلال قضية قتل سيئة السمعة. ففي عام 2004، أرسلت كل من أرمينيا وأذربيجان ضباطاً عسكريين لدورة اللغة الإنجليزية في بودابست بالمجر، التي يديرها “الناتو” للأعضاء من خارجه. وفي منتصف الليل، قتل الضابط الأذري راميل سفروف، أحد الضباط الأرمن في نومه، بفأس، ثم حاول قتل الآخر. ولم يخدم سفروف في حرب ناغورنو كاراباخ؛ ولكنه كان من بلدة تحتلها أرمينيا الآن.

اقرأ أيضاً: مواجهات ناغورنو كاراباخ تتصاعد.. دور تركي متزايد وحياد روسي- أمريكي غير مفهوم

وقد يكون هذا عملاً فردياً مجنوناً؛ ولكن بعد أن تمكنت أذربيجان من نقل سفروف من المجر إلى أذربيجان ليواجه ثماني سنوات من حكم بالسجن المؤبد بتهمة القتل، أصدر الرئيس عفواً عنه على الفور، ورفعه إلى رتبة رائد، ومنحه شقة وأجراً متأخراً. ووصفه وزير الخارجية بأنه “زُج به في السجن بعد أن دافع عن شرف بلاده وكرامة شعبها”.

لماذا لم يتم حل أي شيء في الماضي؟

ومن أجل الحفاظ على موقف أقوى في المفاوضات وتجنب مزاعم العدوان، حافظت أرمينيا على ناغورنو كاراباخ كجمهورية مستقلة اسمياً بدلاً من دمجها في أراضيها. وبالكاد يعترف أي شخص بالدولة العميلة، التي يطلق عليها رسمياً جمهورية أرتساخ. بينما لعبت كل من الولايات المتحدة وروسيا دوراً مهماً في محاولات طويلة الأمد؛ ولكن غير مجدية إلى حد كبير، لإيجاد حل دائم لهذه القضية.

الأرمن يودعون النعوش في أعقاب إسقاط مروحية عسكرية من قِبل القوات الأذرية.. 2016- “فرانس برس”

وعلى الجانب الأمريكي، يعتبر الأمريكيون الأرمنَ جماعةَ ضغط ذات نفوذ معتدل؛ لكن أذربيجان استثمرت بكثافة في العلاقات مع شركات النفط الأمريكية. ومن الناحية النظرية، اتفق الجانبان على مبادئ مدريد في منتصف العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، وبموجبها تتخلى أرمينيا عن محيط الأراضي التي تحتلها حول ناغورنو كاراباخ نفسها، ويعود النازحون إلى ديارهم، بينما تضمن كل من الدول والقوى الخارجية حقوق سكانها في المنطقة المتنازع عليها، وفي النهاية يتم حل وضع الإقليم.

ولكن أرمينيا ليست لديها رغبة في التخلي عن سيطرتها الفعلية، وليس لدى أذربيجان حافز للتخلي عن مطالبتها؛ خصوصاً أن القومية تلعب دوراً حاسماً في إبقاء القادة في السلطة في كلا البلدَين، حيث يعارض كلا الشعبَين بشدة فكرة التسوية. وهو ليس الصراع المجمد الوحيد في المنطقة؛ حيث يقع خلف الانهيار السوفييتي العديد من الأراضي المتنازع عليها.

ما الذي تسبب في تفاقم الأمور هذا العام؟

حسناً.. إنه عام 2020 وكل شيء سيئ للغاية؛ ولكن كانت هناك بعض الأسباب الأكثر تحديداً وراء اشتعال الموقف؛ حيث شهد عام 2019 الكثير من الخطابات العنيفة من كلا الجانبَين حول ثبات مزاعمهما، وعظمة الأمة.. وما إلى ذلك. وهذا الصيف وبعد مناوشات دامية على طول الحدود -والتي يلوم كل طرف الطرفَ الآخر على إشعالها- بدأ الساسة يلفون أنفسهم بالعلم أكثر من المعتاد؛ خصوصاً وسط التوتر والفشل الاقتصادي الناجم عن جائحة فيروس كورونا.

اقرأ أيضاً: إبادة الأرمن على يد تركيا.. حراك في سبيل الاعتراف الدولي

وكلَّفت التراشقات الأولية أرواحاً على كلا الجانبَين؛ ولكن أيضاً -إذا تم تصديق لقطات المعركة الأرمينية -شهدت تدمير عتاد على الجانب الأذري أكثر بكثير من العتاد الأرمني. كما تحتل أرمينيا المرتفعات؛ مما يجعل من الصعب للغاية التقدم الأذري إلى الأراضي الجبلية الصعبة.

مواطنون يحضرون اجتماعاً لتجنيد متطوعين عسكريين بعد أن أعلنت السلطات الأرمينية الأحكام العرفية في أعقاب اشتباكات مع أذربيجان- أرمينيا.. 2020- “رويترز”

ولا تزال التقييمات المستقلة تضع الاستعدادَ العسكري لأذربيجان عند مستوى ضعيف. فالجيش غير سعيد وفاسد وغير فعال، مع معدل فرار يقترب من 20%، وجلبت الأرباحُ من النفط استثمارات ضخمة في المعدات الجديدة بين عامَي 2008 و2014؛ لكن الانهيار في الأسعار ترك البلاد تكافح مالياً وسط الاضطرابات السياسية والقمع الوحشي، بينما يفتقر الجيش إلى التدريب والعقيدة لاستخدام الأسلحة التي اشتراها بكفاءة.

اقرأ أيضاً: تعذر حل النزاع في كاراباخ ينطوي على مخاطر تطول كل المناطق المجاورة

وقد تؤدي زيادة مفاجئة لقوات أذربيجان إلى تدخل مباشر من قِبل موسكو، على الأرجح لفرض وقفٍ سريع لإطلاق النار. وعرضت كل من روسيا وإيران التفاوض على إنهاء هذه الجولة الجديدة من الأعمال العدائية. وهناك أيضاً احتمال مقلق لانتشار الصراع؛ فقد أعلنت تركيا، على سبيل المثال، بقوة تأييدها صالح باكو، وذلك بفضل العلاقات القوية بين الأذريين والأتراك وعداء أنقرة طويل الأمد تجاه الأرمن، الذين يواصلون إثارة مسألة تتعلق بالإبادة الجماعية التركية للأرمن عام 1915، والتي لا يزال ينكرها الأتراك.

وظلتِ الجوانب الدينية للصراع الأصلي أقل من قيمتها الحقيقية مقارنة بالحماسة القومية، ولم تصبح ناغورنو كاراباخ قط قضية جهادية بطريقة الشيشان على سبيل المثال؛ حيث قاتل نحو 2000 مجاهد سابق من أجل أذربيجان، ولكن لأسبابٍ تتعلق بالمرتزقة بالكامل.

وقد يتغير ذلك هذه المرة؛ لكن الاحتمال الأرجح قد يكون حرباً مؤلمة وصغيرة نسبياً يتبعها سلام مؤقت. ووفقاً لقوائم الضحايا حتى الآن، فإن معظم القتلى لم يكونوا قد وُلدوا حتى عندما بدأ الصراع لأول مرة.

♦نائب رئيس التحرير في مجلة “فورين بوليسي”.

المصدر: فورين بوليسي

اتبعنا على تويتر من هنا

 

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة