الواجهة الرئيسيةترجماتشؤون دولية

ما جذور الإبادة الثقافية في شينجيانغ؟

تشمل تدمير الرموز الثقافية والتهجير والدمج القسري

كيوبوست – ترجمات

شون آر روبرتس

أعلن وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو، في التاسع عشر من يناير، وقبل يوم واحد من ترك منصبه، أن الإجراءات التي اتخذتها الصين ضد أقلية الأويغور تشكل “إبادة جماعية وجرائم ضد الإنسانية”. وقد اتفق أنتوني بلينكن، خليفة بومبيو، في وقتٍ لاحق مع هذا الوصف في جلسة إقرار تعيينه.

وقد تبدو فكرة حدوث إبادة جماعية في القرن الحادي والعشرين غريبة؛ خصوصاً في بلد ينتج غالبية المنتجات الاستهلاكية في المنازل الأمريكية؛ ولكن أياً كانت حيثيات هذا المصطلح، فإن الأدلة على الفظائع التي ارتكبتها الصين ضد الأويغور لا يمكن إنكارها. ويوجد أكثر من مليون من الأويغور، وغيرهم من المسلمين، في منطقة شينجيانغ الواقعة غرب الصين في معسكرات اعتقال جماعية وسجون، وغيرها من المؤسسات العقابية؛ حيث يتعرضون إلى ضغوطٍ نفسية وتعذيب، وكما أفادت هيئة الإذاعة البريطانية مؤخراً، عمليات اغتصاب ممنهجة.

اقرأ أيضاً: الإبادة الثقافية للمسلمين في شينجيانغ: كيف تستهدف الصين الفنانين والكتاب الإيغوريين؟

والأويغور هم مجموعة السكان الأصليين الرئيسة في شينجيانغ. ومعظمهم من المسلمين ويتحدثون لغتهم الخاصة وهي التركية، وقد حافظوا على ثقافةٍ متميزة عن ثقافة غالبية سكان الصين من قومية الهان. ووفقاً لأرقام الحكومة الصينية، فهناك 12 مليوناً من الأويغور في شينجيانغ؛ وهو ما يعد قطرة في دلو إذا ما وضعوا في مقابل إجمالي سكان الصين البالغ عددهم 1.4 مليار نسمة. ورغم هذا فقد استقطبت هذه الطائفة كامل قوة جهاز الأمن الصيني، الذي يبدو عازماً على سحق الأقلية؛ لإرغامها على الخضوع.

إن سلوك الصين الوحشي في شينجيانغ لا يعكس فقط التحول الاستبدادي المتزايد الذي شهدته البلاد في عهد الرئيس شي جين بينغ أو أيديولوجية الحزب الشيوعي الصيني؛ بل إن قمع الأويغور نابع من علاقة استعمارية جوهرية بين بكين والإقليم الذي احتلته منذ زمنٍ يعيد، لكنه لم يندمج بشكل كامل في الصين الحديثة، ولم يُسمح له باستقلال ذاتي حقيقي. وفي الثمانينيات، بدا للحظة أن بكين قد تتوصل إلى تسوية أكثر تسامحاً مع الأويغور.

الاستعمار بخصائص صينية

لكن الصين اختارت في النهاية سحق هوية شينجيانغ المتميزة. وعندما تناشد الجهات الخارجية بكين تغيير سياساتها في المنطقة، فإنهم في واقع الأمر يطالبون الصين بأن تكون دولة مختلفة تماماً عن تلك التي اختارت؛ فالإجراءات التي اتخذتها الصين ضد شعب الأويغور على مدى السنوات الأربع الماضية تعيد إلى الأذهان عمليات الإبادة الجماعية الثقافية التي قامت بها القوى الاستعمارية الاستيطانية الأخرى في عصورٍ سابقة.

عمال من الأويغور في مصنع للأحذية يلوحون بالأعلام الصينية- موقع الاتحاد الدولي للصحفيين الاستقصائيين

وواجه الأويغور، شأنهم في ذلك شأن الشعوب الأصلية في الأمريكتَين وأستراليا، السجن الجماعي والاعتقال، وتدمير المواقع والرموز الثقافية، والتهجير، والتفكك الأسري، والدمج القسري. وقد تم غزو شينجيانغ، التي ينظر إليها الأويغور على أنها وطنهم والتي تعني “حدوداً جديدة” باللغة الصينية، من قِبل أسرة تشينغ في منتصف القرن الثامن عشر، وتم استيعابها في الإمبراطورية كمقاطعة في أواخر القرن التاسع عشر. وعندما سقطت أسرة تشينغ عام 1911، ورثت جمهورية الصين الجديدة هذه المنطقة باعتبارها ملحقاً استعمارياً، وحكمتها من خلال زعماء الهان الذين حافظوا على ارتباط ضعيف بسلطة الدولة المركزية.

شاهد: فيديوغراف.. إجبار نساء الإيغور على تقاسم الفراش مع مراقبين

وعلى النقيض من نظيراتها في الاتحاد السوفييتي، فإن “مناطق الحكم الذاتي” العرقية في الصين لم تكن تتمتع بالاستقلال الذاتي: فلم يكن لها الحق النظري في الانفصال، ولم يحصل سوى عدد قليل جداً من أعضاء الحزب من السكان الأصليين على مناصب ذات سلطة مجدية في الحكومة. وعلاوة على ذلك، وبحلول عام 1959، تبنى الحزب الشيوعي الصيني وجهة النظر القائلة إن شينجيانغ جزء تاريخي من الصين؛ وهو الموقف الذي يتمسك به بشدة حتى يومنا هذا، وينكر الطابع الاستعماري لدخول المنطقة إلى الصين.

تأسست أول جمهورية لتركستان الشرقية في كاشغر في شينجيانغ الحالية في 12 نوفمبر 1933- أرشيفية

وبحلول عام 1960، لم يكن لدى الحكومة في منطقة شينجيانغ الأويغورية ذاتية الحكم، سوى القليل جداً من الحكم الذاتي أو مواطنين من الأويغور منخرطين فيها. فقد قامت الصين بالفعل بتفريغ القيادة الإقليمية من الكوادر المحلية في أواخر الخمسينيات، وبدأت في تشجيع هجرة الصينيين من قومية الهان إلى المنطقة؛ مما سهل حدوث تحول ديموغرافي ملحوظ. ففي عام 1953، كانت قومية الهان تشكل 6% فقط من سكان شينجيانغ. وبحلول عام 1982 وصلت النسبة إلى 38%.

اقرأ أيضاً: هل بدأت تركيا المتاجرة بأقلية الإيغور الصينية المسلمة؟

وعلى الرغم من هذا التحول الديموغرافي، ظل وطن الأويغور على هامش الحكم الشيوعي الصيني في السبعينيات. واستقر معظم المهاجرين من قومية الهان في شمال المنطقة، وعاشوا بعيداً عن المراكز السكانية الأويغورية في الجنوب؛ مثل كاشغر وخوتان. وكان لحملات ماو تسي تونغ المتنوعة للهندسة الاجتماعية، والتي انتشرت في هذه المنطقة كما انتشرت في كل مكان في الصين، تأثير محدود في تحويل الأويغور إلى ماويين مخلصين. ففي الثمانينيات، كانت شينجيانغ لا تزال مختلفة تماماً؛ ثقافياً ولغوياً وفي مظهرها الخارجي عن بقية الصين؛ خصوصاً في الواحات الجنوبية في المنطقة، والتي ظلت مأهولة بأغلبية ساحقة من الأويغور.

تأجيل إنهاء الاستعمار

كانت فترة الإصلاح تحت حكم دنج شياو بينج، والتي اكتسبت زخماً قوياً في أعقاب وفاة ماو في عام 1976، تحمل قدراً كبيراً من الوعود بالنسبة إلى الأويغور. وتبنت بكين مبدئياً استراتيجية إنهاء الاستعمار الجزئي في شينجيانغ، وقاد هو ياوبانغ، وهو من المقربين من دنج، والأمين العام للحزب الشيوعي الصيني في الفترة من 1982 إلى 1987، إصلاحات التحرير في المنطقة، كما فعل في أماكن أخرى من الصين.

نساء الأويغور يقدمن عرضاً راقصاً هو شكل من أشكال الأوبرا تم إنتاجه خلال الثورة الثقافية في الصين- أرشيفية

ودعا العديد من المهاجرين من قومية الهان في شينجيانغ إلى العودة إلى مسقط رأسهم، كما دعوا إلى إصلاح ثقافي وديني وسياسي غير مسبوق. وسمحت الحكومة بإعادة فتح المساجد التي كانت مغلقة في السابق، وبناء مساجد جديدة. وزاد النشر والتعبير الفني بلغة الأويغور بشكلٍ كبير للغاية؛ حتى إن “هو” اقترح جعل المنطقة أكثر استقلالاً في إطار نظام الحكم الصيني، فأمر بأن يكون زعماء المنطقة من المجموعات العرقية الأصلية وأن يُـسمَح لهم بغرس ثقافتهم ولغتهم في مؤسسات الدولة المحلية.

إلا أن أمل “هو” في إقامة منطقة أويغور تتمتع بقدرٍ أكبر من الحكم الذاتي، وفي إقامة صين تتمتع بقدر أكبر من الديمقراطية، لم يتحقق قط. ففي عام 1987، قام المحافظون في الحزب بالقضاء على “هو” وألقوا اللوم على سياساته الليبرالية بأنها كانت السبب في إذكاء غضب الطلاب في جميع أنحاء البلاد. والواقع أن حملة القمع التي استهدفت الاحتجاجات الطلابية الحاشدة في ميدان تيانانمن في عام 1989 -والتي نشأت جزئياً كرد فعل على الإطاحة بـ”هو”- كانت بمثابة إشارة إلى نهاية حقبة الإصلاح السياسي.

الزعيم الثوري ماو وشعب شينجيانغ خلال حصاد موسم العنب الشهير في مدينة توربان- أرشيفية

وطوال فترة التسعينيات، نشر الحزب الشيوعي الصيني العديد من حملات مكافحة النزعات الانفصالية التي تهدف إلى القضاء على أية بوادر للاضطراب. واعتبرت الدولة أن التدين الإسلامي أقرب إلى الدعوة لتقرير المصير، واستهدفت المتدينين. كما اعتقلت العديد من الفنانين والكتاب العلمانيين. وشملت هذه الحملات العدوانية عنفاً كبيراً من قِبل الدولة؛ اعتقالات جماعية وتعذيب وإعدامات.

سراب الإرهاب

أتاحت هجمات الحادي عشر من سبتمبر الإرهابية على الولايات المتحدة، وإعلان واشنطن اللاحق “حرباً عالمية على الإرهاب” الفرصة لبكين لإعادة صياغة قمعها للأويغور. وزعمت الصين أن أعمالها كانت مجرد رد على تهديد إرهابي خطير. وفي محاولةٍ لدرء الانتقادات الدولية لسياساتها في شينجيانغ، زعمت أن المسلحين الأويغور مرتبطون بتنظيم القاعدة.

اقرأ أيضاً: انتهاكات جماعية لحقوق الإنسان: الصين ترسل مسلمي الإيغور إلى معسكرات سياسية

وابتلعت الولايات المتحدة الطُّعم. وفي صيف عام 2002، زعمت واشنطن أن حركة تركستان الشرقية الإسلامية، وهي جماعة أويغورية صغيرة لم تكن معروفة من قبل في أفغانستان، متحالفة مع تنظيم القاعدة. وصنفت الولايات المتحدة الجماعة باعتبارها منظمة إرهابية، مُستشهدة بمزاعم صينية كان المسؤولون الأمريكيون قد أنكروها قبل أشهر فقط. وفي نهاية المطاف، أزالت الحكومة الأمريكية الجماعة من قوائم الإرهاب في نوفمبر 2020، واعترفت بأنها لم تكن موجودة منذ أكثر من عقد.

ألقى المسؤولون الصينيون باللوم في الهجوم على ميدان تيانانمين على الانفصاليين من شينجيانغ عام 2013- “رويترز”

إلا أن التصنيف الأصلي قد ألحق ضرراً دائماً؛ وهو ما شجع القمع الصيني في شينجيانغ. وتحت ستار مكافحة الإرهاب، كثفت الصين من قمعها للمعارضة، وقمع الدين في وطن الأويغور. ولفترةٍ من الوقت، استمر المسؤولون الصينيون في مغازلة النخب الأويغورية لدعم سياسات الحكومة، في حين ركزوا القمع فقط على الأويغور المتدينين.

اقرأ أيضاً: كم يبلغ عدد المسلمين حول العالم؟ وأين يوجدون؟

لكن بكين اتخذت موقفاً أكثر تشدداً منذ عام 2017؛ حيث إنها في واقع الأمر تشتبه في تواطؤ جميع السكان الأصليين في المنطقة مع الإرهاب أو النزعة الانفصالية العسكرية. وفي السنوات الأربع الأخيرة، قامت السلطات الصينية بسجن أو إيداع أكثر من عُشر السكان الأصليين المحليين في معسكرات الاعتقال الجماعية. وقد أخضعوا بقية السكان لمراقبة غير مسبوقة، وتتبعوا سلوكهم وارتباطاتهم واتصالاتهم بحثاً عن أية علامة تدل على عدم الولاء والتي قد تؤدي إلى سجنهم.

ونتيجة لذلك، فإن هؤلاء الذين يعيشون خارج المؤسسات العقابية يُرغمون على الامتثال للحملات الحكومية الرامية إلى تحويل السكان المحليين؛ بما في ذلك برامج العمل القسري، والتدريب الإلزامي على اللغة الصينية، والتعقيم القسري، وحملات التهجين العرقي القسري، وتدمير المعالم الثقافية المحلية أو تفريغها للأغراض السياحية.

لقطات مسربة تُظهر السجناء الأويغور مقيدين ويتعرضون إلى ممارسات عنف ممنهج في الصين 2019- “الجارديان”

وقد أوضحت إحدى الوثائق الحكومية العامة التي استعرضتها وكالة “فرانس برس” في عام 2018 استراتيجية الحزب الشيوعي الصيني بوضوحٍ كبير؛ حيث قالت إن الهدف الشامل لهذه السياسات تجاه الأويغور هو “كسر نسبهم، وكسر جذورهم، وكسر روابطهم، وكسر أصولهم”.

ولا تسعى هذه الاستراتيجية إلى التصدي لتهديد إرهابي حقيقي أو متصور؛ بل إن الهدف الحقيقي لبكين هو الإبادة الثقافية، وهي تأمل في تنظيف هذه المنطقة من طابعها الأويغوري، وسحق التضامن العرقي لشعب الأويغور، وتحويل وطنهم إلى مركز تجاري صيني، لدعم مبادرة الحزام والطريق.

الضرر الناجم

إذن الصين لن تغير مسارها بسهولة، ومن المرجح أن تواصل إدارة الرئيس الأمريكي جو بايدن، الانتقادات الصريحة التي وجهتها الإدارة الأمريكية السابقة إلى الإجراءات الصينية الأخيرة في شينجيانغ. وقد أقر الكونجرس تشريعاً يفرض عقوبات على المسؤولين والشركات الصينية المتورطة في أعمال قمعية في شينجيانغ، وتجري دراسة المزيد من التشريعات لحظر المنتجات المصنوعة من العمل القسري في المنطقة.

متظاهرون من الأويغور في الذكرى السبعين لتأسيس جمهورية الصين الشعبية في بروكسل- بلجيكا 2019- موقع راديو آسيا الحرة

وهذه الإجراءات لها ما يبررها؛ نظراً لحجم الأزمة الإنسانية، لكنها لا تستطيع ممارسة الضغط اللازم على بكين طالما أنها تبدو للآخرين مجرد جزء من منافسة القوى العظمى بين الصين والولايات المتحدة؛ كما أظهرت الصين بالفعل في مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة -حيث وقعت 45 دولة عضواً في عام 2020 على رسالة تدافع عن الإجراءات الصينية في شينجيانغ- لذا فإن العديد من الدول مستعدة للوقف إلى جانب بكين في مثل هذا النزاع.

اقرأ أيضاً: معاناة مسلمي الإيغور على طاولة الأمم المتحدة

ويجب أن يحظى الضغط من أجل تغيير سياسات بكين بدعمٍ دولي واسع، وأن تُمارس ضغوط اقتصادية مستمرة. والأمر الأكثر أهمية هو أن الضغوط الخارجية ليست قادرة على تحقيق الكثير؛ ولن يأتي التغيير الحقيقي إلا من داخل الحزب الشيوعي الصيني. إن ممارسة الضغوط الدولية الفعَّالة من شأنها أن تهدف إلى إقناع صناع القرار المهمين في الصين بأن معاملة البلاد للأويغور سوف تُخلف عواقب اقتصادية وسمعة سيئة.

ويتعين على بكين أن تحذو حذو دولٍ أخرى؛ بما في ذلك العديد من الدول في أمريكا الجنوبية والدول الإسكندنافية، والتي منحت الشعوب الأصلية قدراً محدوداً من السيادة على الأقل، كما كان يعتزم الحزب الشيوعي الصيني ذاته أن يفعل في فترة الثمانينيات. لكن التصرفات الصينية لا تنذر بأي عودة إلى رؤية أكثر شمولاً للدولة التي تقبل الأويغور بشروطهم الخاصة.

♦أستاذ مشارك في الشؤون الدولية، ومدير برنامج دراسات التنمية الدولية في كلية إليوت للشؤون الدولية بجامعة جورج واشنطن. وهو مؤلف كتاب «الحرب على الأويغور.. حملة الصين الداخلية ضد الأقلية المسلمة».

المصدر: فورين أفيرز

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات