الواجهة الرئيسيةشؤون خليجيةشؤون دوليةمقالات

ما بعد قمة جدة: الثقة مفقودة والمصالحة مؤجلة

كيوبوست

عادل مرزوق♦

لم يكن لدى الرئيس الأمريكي جو بايدن الكثير ليُقدمه إلى قادة دول الخليج في “قمة جدة للأمن والتنمية”. ظروف الزيارة، ومجمل المراهنات السياسية، والتفاعلات الإعلامية التي رافقت القمة حتى نهايتها، كانت ترتبط بالتساؤل عما إذا كان من الضروري لهذه الزيارة أن تحدث؟ وإن حدثت، فكيف لها أن تكون؟

إدارة التفاصيل كانت أهم من الخوض في العناوين الكبرى: اجتياح روسيا لأوكرانيا، ارتفاع أسعار النفط، أزمة الغذء المتصاعدة. رغم ذلك، فالحلول كانت دائماً موجودة؛ عوض المصافحة والخوض في تأويل دلالاتها، وجد مستشارو الرئيس جو بايدن أن تلامس قبضات الأيدي يفي بالغرض.

اقرأ أيضاً: زيارة بايدن إلى المملكة العربية السعودية في حقيقة الأمر تتعلق بروسيا

التصويب على الهدف: كلانا يحتاج الآخر

يعلم الرئيس بايدن أن علاقات بلاده مع دول الخليج، وبالخصوص السعودية، لا تحتمل المزيد من مثالية سياسي تقليدي  يسعى للوفاء بوعوده الانتخابية. تعلم دول الخليج أيضًا، أن أرباح ومكاسب العلاقات المتنامية، والتفاهمات السياسية، والشراكات الاقتصادية مع بكين وموسكو، لا يمكنها تعويض خسارة واشنطن. يمكن القول، إن الهدف الأهم الذي خرجت به هذه القمة، وهو ما سعى له الطرفان على حد سواء، هو كسر حاجز المواجهة والتأكيد، بما لا يدعو للشك، على أن أياً من الطرفين لا يريد خسارة الآخر.

الاتفاقيات التي وقعتها الرياض مع واشنطن، تأكيد البيان الختامي على أهمية الشراكة الاستراتيجية بين الدول الخليجية والولايات المتحدة والتزام واشنطن بأمن الخليج في مواجهة إيران -وهو ما يقلق دول الخليج- والحد من تنامي نفوذ الصين وروسيا -وهو ما يقلق الولايات المتحدة- كلها نتائج لم تكن حاسمةً لأيٍ من الطرفين، بعبارة أكثر دقة، لم تخرج القمة بأي برامج أو آليات عمل محددة يمكن البناء عليها لتحقيق ما تضمنه البيان الختامي من تعهدات.

الرئيس الأمريكي جو بايدن- وكالات

بواقعية، كيف يمكن لدول الخليج الوصول لتفاهمات صلبة وموثوقة مع الولايات المتحدة بالتوازي مع محاولات الأخيرة الحثيثة للوصول إلى إتفاق نووي جديد مع طهران، أو دفعها السعودية للقبول بالحوثيين على حدودها كأمر واقع، وأخيراً الدفع بملف حقوق الإنسان باعتباره ملفاً محورياً وذا أولوية في علاقات واشنطن مع الرياض. المفارقة، هي أن السعودية لم تكن لتوافق على تصدير ملف حقوق الإنسان كأولوية في علاقاتها مع واشنطن وهي في أوج الحالة “الوهابية” للدولة، فكيف تقبل بذلك بعد كل ما قامت به من إصلاحات؟!

في الجهة المقابلة، كيف لواشنطن أن تقبل بصدر رحب خلال الأشهر الماضية ما شاهدته من تفاهمات صلبة وملتزمة بين دول الخليج وروسيا في إطار “أوبك بلس” أو معدلات النمو المطردة لحجم التبادلات التجارية والشراكات الاقتصادية بين دول الخليج والصين. غنيٌ عن البيان أن واشنطن لم تلتفت إلى أن خروجها من بيوت الخليجيين لا يعني أن تبقى أبواب ونوافذ بيوتهم مغلقة.

اقرأ أيضاً: تركي الفيصل: بايدن يصل إلى المملكة “رئيساً مبتذلاً”

وعلى أي حال، لم يكن في مقدور واشنطن أن تذهب بعيداً في القمة التي شارك فيها إلى جانب قادة دول الخليج قادة الأردن ومصر والعراق. وكما أن هناك توافقاً وقناعة تامة، لدى الطرفين، على أن العلاقات الأمريكية الخليجية لا يمكن لها أن تستمر بهذا التجافي فإن الوصول إلى تفاهماتٍ كبرى لا يزال صعب المنال، وفي عهد الرئيس جو بايدن خاصة.

تضارب الأولويات

لاشك أن ما أثير حول قيام “حلف عسكري شرق أوسطي” يضم دول الخليج وإسرائيل في مواجهة إيران قد رفع سقف التوقعات من قمة جدة، لكن دول الخليج كانت متنبهة -بما يشمل دول الخليج التي طبعت علاقاتها مع إسرائيل- إلى خطورة المشاركة في هذا الحلف الذي يؤمن لتل أبيب مكسباً وازناً بتمكينها من نقل أرض المواجهة مع إيران وأذرعها من حدودها السورية واللبنانية إلى سواحل دول الخليج التي ستكون مسرحاً لأي مواجهة عسكرية بين طهران وتل أبيب. لا شك أن دول الخليج اليوم، أصبحت أكثر وعياً وفهماً -ولعل إيران كذلك- بأن ضمان أمن واستقرار المنطقة لن يكون إلا عبر علاقات مستقرة مع طهران. وأن ما لم تستطع واشنطن على إنجازه مع طهران، لن يكون في مقدور تل أبيب القيام به.

رغم ذلك، فلا تزال إيران تمثل خطراً جاثماً والأولوية المطلقة على قائمة أولويات دول الخليج. ولئن كانت الولايات المتحدة تدرك ذلك، فإنها ترى في نفوذ الصين وروسيا المتصاعد في الخليج ما هو أهم وأجدر بالالتفات والمواجهة.

السعودية كانت قد وقعت مؤخراً 35 اتفاقية مع الصين بقيمة 28 مليار دولار.. الأمر الذي يدفع بكين إلى تحقيق التوازن والاستقرار في المنطقة

لا تشكِّل علاقات دول الخليج مع الصين وروسيا تهديداً لواشنطن على المستويين القريب والمتوسط، لكنها، بكل تأكيد، تمثل تحدياً بعيد المدى بالإضافة إلى أنه جر دول الخليج إلى أن تلعب أدواراً خارج السياق. وهو ما حدث فعلاً في إصرار الرياض على الوفاء بالتزاماتها وتفاهماتها المشتركة مع روسيا، ضمن اتفاق “أوبك بلس”، ورفض الرياض لعب دور البديل الجاهز لتعويض نقص إمدادات النفط الروسي جراء العقوبات الأمريكية. وهو ما حدث أيضاً مع الإمارات التي حافظت على علاقات وازنة مع الصين رغم أنها كانت أحد أسباب تعطيل صفقة طائرات F35 التي انتظرتها طويلاً.

مؤخراً، تدخلت واشنطن في 3 دول خليجية، وطلبت من هذه الدول مراجعة عقود كبرى استثمارية وعسكرية مع الصين، وهو ما يضع النقاط على الحروف في أن كبح جماح نفوذ الصين وروسيا يمثل أولوية الولايات المتحدة في الخليج، وليس مواجهة إيران.

اقرأ أيضاً: جو بايدن والشرق الأوسط الجديد

على الأرض، ومذ قررت الولايات المتحدة الانكفاء عن منطقة الشرق الأوسط، والانسحاب من العراق وأفغانستان، وجدت دول الخليج نفسها مضطرة لمواجهة مختلف التحديات والمخاطر المحيطة بها منفردة. وهو ما أدخلها في حال من الفوضى والصراعات التي امتدت بين بعضها البعض. اليوم، لا تزال دول الخليج غير واثقة من أن واشنطن ستعود للعب دورها التاريخي في المنطقة منذ 1969 أو أنها جادة في التزامها بأمن دول الخليج واستقرارها. الأخطر من ذلك، هو أن دول الخليج لا يمكنها الثقة بوعود رئيس كان جعل السعودية “دولة منبوذة” عنواناً رئيسياً في حملته الانتخابية، فضلاً على أنه يعاني من مشكلات داخلية عميقة في بلاده.

القمة لم تكن لتنتهي خالية من تسجيل النقاط الهامشية، فرغم أن السعودية قد سجلت أعلى مستوى إنتاج للنفط عند 12.1 مليون برميل/ يومياً، ورغم تأكيدها أن الوصول لسقف إنتاج يقدر بـ 13 مليون برميل/ يومياً لن يحدث قبل العام 2027، تعهدت الرياض بأنها سترفع طاقتها الإنتاجية إلى 13 مليون برميل/ يومياً.

ولئن كان هذا السقف من الإنتاج متعذرا الوصول إليه أو المحافظة عليه، فإنه قد يساعد في كبح ارتفاع سعر النفط الذي هو في الأساس نتيجة مخاوف سياسية وتزعزع الثقة في سوق النفط لا نتيجة نقص في الإمدادات. تماماً كما هي أزمة علاقة واشنطن بدول الخليج، أزمة ثقة متزعزعة ومخاوف متزايدة لا يبدو أن في مقدور أحد تجاوزها قبل العام 2024 حين يسكن البيت الأبيض رئيس جديد.

♦رئيس تحرير البيت الخليجي للدراسات والنشر

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

عادل مرزوق

رئيس تحرير البيت الخليجي للدراسات والنشر

مقالات ذات صلة