الواجهة الرئيسيةترجماتثقافة ومعرفة

ما بعد الكارثة الكبرى.. ما عدد الناجين الضروري لاستمرار الحياة؟

كيوبوست- ترجمات

باتريك بيستر♦

من حربٍ نووية كبرى إلى ضربةِ نيزكٍ عملاق، ليس من الصعب أن نتخيل نهاية الحياة البشرية على كوكب الأرض؛ ولكن لو افترضنا وجود بعض الناجين، فكم هو العدد اللازم للحفاظ على السلالة البشرية واستمرارها؟

الجواب المختصر هو أن ذلك يعتمد على نوع الكارثة؛ فالكوارث المختلفة تخلق ظروفاً مختلفة يجب على البشر الناجين التعامل معها. فالحرب النووية، على سبيل المثال، قد تسبب شتاءً نووياً يعاني خلاله الناجون صقيعاً شديداً حتى في الصيف، ومجاعة عالمية إلى جانب التلوث الإشعاعي؛ ولكن لو وضعنا هذه الظروف جانباً وركزنا على عدد البشر، فمن المرجح أن العدد سيكون صغيراً جداً بالمقارنة مع نحو 7.8 مليار شخص على قيد الحياة اليوم.

اقرأ أيضاً: سفينة نوح الثانية.. كيف يستعد العلماء لمواجهة الكوارث المدمرة؟

يقول كاميرون سميث؛ الأستاذ المساعد بقسم الأنثروبولوجيا في جامعة ولاية بورتلاند في أوريغون: “من الممكن استمرار الحياة البشرية لعدة قرون بوجود بضع مئات فقط. وقد تمكنت العديد من المجموعات البشرية الصغيرة من الاستمرار لعدة قرون، وربما آلاف السنين”.

أبحاث سميث في الحضارات البشرية واستعمار الفضاء قد أعطته انطباعاً جيداً حول احتمالات نجاتنا من كارثة كبرى. وهو يتوقع أن المدن الكبرى ستكون الأكثر تعرضاً إلى المشكلات إذا ما انهارت الحضارة البشرية؛ لأن هذه المدن تستجر معظم غذائها من الخارج، وتعتمد بشكل كبير جداً على الكهرباء. ولذلك فمن المرجح أن ينتشر الناجون بعيداً في البحث عن الموارد.

في مطلع العصر الحجري (الذي بدأ مع نهاية العصر الجليدي، قبل نحو 12.000 عام) عندما بدأ البشر بالزراعة، انتشرت في مختلف أنحاء العالم القرى الصغيرة التي يتراوح عدد سكانها بين بضع مئات ونحو ألف شخص. يقول سميث: “كانت هذه القرى مجتمعاتٍ مستقلة؛ ولكنني أعتقد أن سكان هذه القرى كانت لديهم علاقات تزاوج وروابط مع قرى أخرى. وأتخيل أن هذا السيناريو قد يتكرر في حال وقوع كارثة كبرى”.

عاش الناس في العصر الحجري في قرى صغيرة لا يزيد عدد سكانها على ألف شخص- أرشيف

ويرى سميث أن بضع مئات من الناجين سوف يحتاجون إلى طريقة للمحافظة على نظام التناسل؛ فالزواج بين الأقارب هو أحد التحديات الكبيرة التي تواجهها المجتمعات الصغيرة.

يمكن رؤية عواقب زواج الأقارب من خلال النهاية التي وصلت إليها أسرة هابسبورغ الإسبانية، التي حكمت إسبانيا خلال القرنَين السادس عشر والسابع عشر. حصرت الأسرة الزواج بين أفرادها حتى عام 1700 عند الملك تشارلز الثاني الذي كان عقيماً ومشوه الوجه.

اقرأ أيضاً: لوحة شمسية في الفضاء تجمع طاقة يمكن بثها إلى أي مكان على الأرض

ويمكن لسيناريو مشابه أن يحدث عند مجموعة بشرية صغيرة تعاني خياراتٍ محدودة في التناسل بعد كارثة كبرى، ما لم يكن لدى هذه المجموعة ما يكفي من التنوع الجيني لتجنبه. وسيكون من الضروري وجود عدد كافٍ من الأفراد في سن الإنجاب من الجنسين، أو ما يُعرف بالحجم السكاني الفعال؛ لضمان استمرار الحياة.

يمكن للبشر الاستعداد للكوارث الكبرى إذا ما رأوها قادمة. سيث باوم، المؤسس المشارك والمدير التنفيذي لمعهد مخاطر الكوارث العالمية، وهو مركز أبحاث غير حزبي يدرس مخاطر حدوث كوارث عالمية. وهو يفضل منع الكوارث المحتملة، وهذا يعني أنه في حالة الحرب النووية مثلاً، ضمان علاقات جيدة بين الدول التي تمتلك أسلحة نووية. ومع ذلك فإن بحث باوم يتضمن إمكانية بناء ملاجئ لحماية البشر في حال وقوع الكارثة الكبرى.

اقرأ أيضاً: سفينة يوم القيامة

يقول باوم: “إذا كانت الكارثة ستحدث، فمن الضروري اتخاذ بعض الإجراءات حتى يتمكن بعض البشر على الأقل من الاستمرار والحفاظ على بعض الحضارة البشرية”.

وكما يرى باوم، فإن أهم مواصفات الملجأ هي قدرته على حماية الناس من كل ما هو مؤذٍ. فعلى سبيل المثال، نجحت بعض الدول القائمة على جزر، مثل أستراليا ونيوزيلندا، في تحويل نفسها إلى ملاجئ كبيرة أثناء جائحة “كوفيد-19” ومنعت إلى حد كبير دخول الفيروس إليها.

ويرى أيضاً أن الخطوة الأولى يجب أن تكون إقامة ملجأ مخصص للكوارث في مكانٍ ما على الأرض، ويقارن هذا الملجأ الافتراضي، مع بنك البذور الدولي في سفالبراد في النرويج، الذي يحتفظ باحتياطي من بذور العالم بأمان في ملجأ داخل أحد الجبال. ويضيف باوم: “وبعد ذلك ستكون الخطوة الأكثر طموحاً هي إنشاء ملجأ (للبشر) خارج هذا الكوكب”.

مدخل بنك البذور الدولي في النرويج- “ناشيونال جيوغرافيك”

النجاة في الفضاء

إذن، في السيناريو الافتراضي الذي تمكن فيه البشر من الهروب إلى كوكب آخر للنجاة من كارثة كبرى، ما العدد الضروري للاستمرار في الفضاء؟

سيكون طاقماً مؤلفاً من 98 شخصاً كافياً لرحلة تستغرق 6300 عام (بالنظر إلى السرعات المتوفرة اليوم للمركبات الفضائية)؛ للوصول إلى كوكب بروكسيما سينتوري بي، وهو كوكب خارجي شبيه بالأرض يُحتمل أن يكون صالحاً للحياة يدور حول نجم بروكسيما سينتوري؛ وهو النجم الأقرب إلى الشمس، وفقاً لدراسة نشرتها مجلة الجمعية البريطانية عبر الكواكب التي يترأسها فريديريك مارين؛ عالم الفيزياء الفلكية في جامعة ستراسبورغ في فرنسا، والذي يدرس أنثروبولوجيا الفضاء.

يمكن لمجموعة من 49 زوجاً أن تؤمن استمرار الجنس البشري في مستعمرة فضائية- صورة تعبيرية

ولن يتكون طاقم بروكسيما سنتوريا بي من عينة عشوائية من 98 شخصاً؛ بل من 49 زوجاً من البشر غير المرتبطين بأية قرابة دم، والمستعدين لتمرير جيناتهم. وستبقى هذه المجموعة محافظة على تنوعها الجيني، وصحتها العامة، في ظلِّ شروط محددة. فعلى سبيل المثال؛ يجب مراقبة نظام تكاثر المجموعة وتقييده. علاوة على ذلك، فمن الممكن أن يكون طاقم مؤلفٌ بداية من 500 شخص خياراً أكثر أماناً؛ حيث من المرجح أن يكون قادراً على الاحتفاظ بتنوعه الجيني بفضل وجود عدد أكبر من الأزواج، وفقاً لدراسة لاحقة أجراها مارين وزملاؤه نُشرت في فبراير.

بينما يوصي سميث بالابتعاد عن استخدام الحد الأدنى من الأعداد في المغامرات الفضائية. ويقول: “الأمر أشبه بركوبك طائرة إلى نيويورك مثلاً؛ فأنت لا تريد أن يكون لدى الطيار ما يكفي من الوقود للوصول إلى نيويورك، بل سترغب في أن يكون لديه احتياطي أيضاً في حالة وقوع كارثة”.

♦كاتب في موقع لايف ساينس، يكتب في شؤون الحياة البرية، والأجناس المهددة بالانقراض، يحمل درجة الماجستير في الصحافة الدولية.

المصدر: لايف ساينس

اتبعنا على تويتر من هنا

 

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة