الواجهة الرئيسيةترجماتشؤون دولية

ما هي بالضبط سياسة أمريكا تجاه الصين؟

كيوبوست- ترجمات

أندرو ناثا♦

إن سعي الصين لتحدي الموقع المتميز للولايات المتحدة في آسيا هو أمر لا شك فيه؛ ولكن هل تنوي الصين أن تحل محل الولايات المتحدة باعتبارها القوة العالمية المهيمنة، وأن تعيد تشكيل النظام الدولي الليبرالي القائم، وأن تهدد الحرية والديمقراطية في العالم؟

أستاذ العلوم السياسية أندرو ناثان، يطرح هذا السؤال في مقال مطول نشره موقع “فورين بوليسي”، ويقول: إذا كان الأمر كذلك، فهل تمتلك الصين الموارد اللازمة لذلك؟ ثم يناقش معالم الاستراتيجية الأمريكية تجاه الصين؛ حيث يرى أن هذه الاستراتيجية يجب أن تعتمد على التقييم الصحيح لطموحات بكين الاستراتيجية وقدراتها على تحقيق هذه الطموحات، الأمر الذي يرى فيه ناثان معضلة بالنسبة إلى الولايات المتحدة؛ نظراً لغموض تصريحات بكين حول طموحاتها العالمية. وقد أدى هذا الغموض إلى تذبذب كبير في سياسات الولايات المتحدة تجاهها.

اقرأ أيضاً: يجب على بايدن إرضاء السعودية.. وإلا ستكسب الصين

قام الرئيس الأمريكي السابق ترامب، بأكبر تحول في السياسة تجاه الصين؛ إذ اعتبرها تشكل تهديداً وجودياً للنظام الدولي وأسلوب الحياة الأمريكي، أما إدارة بايدن فقد اتخذت موقفاً أقل تشدداً؛ إذ تعاملت مع الصين على أنها تحد عسكري إقليمي ومنافس على النفوذ العالمي.

على مدى أكثر من نصف قرن وحتى وصول ترامب على الرئاسة، كانت الولايات المتحدة ترى في الصين شريكاً محتملاً، وبلداً يسعى للوصول إلى الأسواق العالمية ورأس المال والتكنولوجيا والعلم. وبمقابل ذلك يقبل هذا البلد بالطوق العسكري الأمريكي والتبادل الثقافي؛ ولكن الصين مع نمو اقتصادها لم تكن لتقبل أن تبقى دولة ضعيفة عسكرياً إلى أجل غير مسمى. وبحلول عام 2008، كان الجيش الصيني قادراً على استهداف حاملات الطائرات والقواعد البحرية الأمريكية في غرب المحيط الهادي. وقام الرئيس الصيني شي جين بينغ، منذ توليه السلطة، بتعزيز قواته البحرية والجوية وبتوسيع نفوذ الصين المالي والدبلوماسي من خلال مبادرة الحزام والطريق، وبدأ بالاستثمار في وسائل الإعلام العالمية؛ لإيصال وجهة نظر الصين.

هل ستختلف سياسة بايدن تجاه الصين عن سياسة سلفه؟- “ذا إيكونوميست”

دفع هذا التطور واشنطن إلى العمل على تشكيل ما سمَّته وزيرة الخارجية آنذاك هيلاري كلينتون، “محور آسيا”؛ ولكن انشغال إدارة أوباما بالحروب في العراق وأفغانستان ومفاوضات الاتفاق النووي مع إيران، جعل هذا المحور لا يتعدى الوجود الدبلوماسي المكثف في المنطقة. جاء التغير الحاسم في ظل إدارة ترامب؛ حيث كان الرأي السائد أن الصين تشكل تهديداً وجودياً أساسياً للولايات المتحدة وأسلوب عيشها. وذهبت شخصيات رئيسية مقربة من ترامب إلى مقارنة الصين بالاتحاد السوفييتي وألمانيا النازية. هذه التقييمات الجديدة دفعت إدارة ترامب إلى اتخاذ مواقف أكثر صرامة من الصين؛ حيث شنت واشنطن حرباً تجارية ورفعت مستوى تعاملها الدبلوماسي مع تايوان، وكثفت من دورياتها البحرية في بحر الصين الجنوبي. ولكن سياسات ترامب هذه لم تسفر عن أي تغيير واضح في الانتشار العسكري الصيني أو سياسات الصين التجارية أو التجسس الاقتصادي أو مواقفها الأيديولوجية أو استراتيجياتها الدبلوماسية. ومع وصول بايدن إلى البيت الأبيض حافظ على نفس سياسات سلفه المتشدد على عكس ما كان متوقعاً، فعلى الرغم من وجود اختلافات كبيرة في تقييم الإدارتَين للصين؛ كانت مقاربة بايدن أكثر جدية وعمقاً وتأثيراً، مع أن نتائجها لم تظهر بشكل واضح بعد.

إلى جانب تصنيف إدارة بايدن للصين على أنها تهديد عسكري إقليمي، فهي ترى فيها تهديداً في المجال الاقتصادي؛ حيث حققت الصين تقدماً هائلاً في قطاعات التكنولوجيا والاتصالات والذكاء الاصطناعي وتكنولوجيا النانو والطاقات البديلة، يتيح لها السيطرة على الأسواق وبناء تطبيقات متطورة للمعدات العسكرية ومعدات التجسس. وفي مجال السياسة الدولية، ترى إدارة بايدن أن هنالك أوجه شبه كثيرة بين نظرة بكين إلى تايوان ووجهة نظر موسكو تجاه أوكرانيا. وعلى الرغم من أن رؤية واشنطن للصين لن تعود بأية حال من الأحوال إلى ما كانت عليه في ما مضى كشريك عالمي مأمون الجانب، فإن إدارة بايدن تسعى إلى تشكيل شروط يمكن معها التعايش مع بكين.

اقرأ أيضاً: لماذا لا يهتم الشباب الصيني بالديمقراطية؟

وعلى الرغم من تفاوت تقييمات مستوى الأخطار التي تشكلها الصين بين صانعي القرار في إدارة بايدن؛ فقد حافظت هذه الإدارة على سياسة متسقة وثابتة تجاه الصين عنوانها المنافسة، إذ يرى بايدن أنه يجب على الولايات المتحدة أن تبني بشكل أفضل، واتخذت إدارته تدابير لحماية القطاعات الاقتصادية الرئيسية، وطالبت بزيادة الأموال الفيدرالية لتسريع قطاع البحث والتطوير في تكنولوجيا القرن الحادي والعشرين. وبالتوازي مع ذلك، عملت إدارة بايدن على إصلاح الضرر الذي ألحقه ترامب بالعلاقات مع الحلفاء في آسيا وعلى العودة إلى المنظمات الدولية. وفي الوقت نفسه، حافظت واشنطن على تعاون محدود مع بكين بشأن المشكلات العالمية؛ مثل تغير المناخ والانتشار النووي ومحاربة الأوبئة.

وللحكم على ما إذا كانت سياسة بايدن تجاه الصين ترقى إلى المستوى المطلوب فلا بد من معرفة توجهات الصين الاستراتيجية الحقيقية. ولسوء الحظ لا تقدم تصريحات الرئيس الصيني الغامضة الكثير من الإضاءة على نيَّاته؛ ولكن شي طرح في خطاب له في الأمم المتحدة في يناير 2017 ما بدا وكأنه توجهات غير عدوانية عندما أطلق شعار “العمل معاً لبناء مستقبل مشترك للبشرية”. وسرعان ما تم تبني هذا الشعار في دستور الدولة ودستور الحزب الشيوعي الصيني، وأصبح بمثابة المبدأ التوجيهي الرسمي للسياسة الخارجية للبلاد. وفي الخطاب نفسه قال شي: “لا ينبغي لأية دولة التدخل في الشؤون الداخلية للآخرين”، مضيفاً أنه “يجب على جميع الدول تسوية القضايا الدولية بالحوار وليس بالحرب”، وأنه “يجب على الدول الكبيرة أن تعامل الدول الصغيرة على قدم المساواة”، وأن “على دول العالم أن تتعامل مع تنوع الحضارات على أنه محرك يدفع الحضارة البشرية وليس مصدراً للصراعات”.

الرئيس الصيني شي جين بينغ- أرشيف

وقد فسر كثيرون هذه التوجهات على أنها تهديد لنفوذ الولايات المتحدة في الشؤون الدولية ومحاولة من الصين لرسم معالم المستقبل المشترك للدول الأخرى. واعتمد آخرون على مؤلفات وتصريحات بعض الأكاديميين الصينيين الذين تحدثوا عن عالم جديد تقوده الصين للخلاص من الهيمنة الأمريكية أو تنشر فيه الصين القيم الكونفوشيوسية وتلعب فيه دور القائد؛ ولكن كاتب المقال يلفت إلى أن هؤلاء الأكاديميين ليسوا صناع قرار سياسي أو مخططين استراتيجيين؛ بل إن الغرض من تصريحاتهم هو تلميع صورة الصين وطمأنة شركائها بحسن نيتها. ويذكر الذين يتطلعون إلى الأكاديميين الصينيين لفهم أهداف الصين الاستراتيجية بقول الفيلسوف الداوي القديم لاوزي: “إن الذين يعرفون لا يتكلمون، والذين يتكلمون لا يعرفون”.

ثم ينتقل كاتب المقال إلى الإضاءة على الصعوبات التي تعوق طموحات الصين، والتي تتمثل في الديموغرافيا والجغرافيا والاقتصاد والسياسة العالمية. فعلى الصعيد الداخلي، تعاني الصين في سبيل ضمان ولاء 55 أقلية معترفاً بها في البلاد، وتشترك الصين في حدود برية وبحرية مع 20 دولة يسعى معظمها إلى تحقيق توازن في مواجهة النفوذ الصيني من خلال علاقاتها مع الولايات المتحدة واليابان. كما أن الممرات البحرية التي يعتمد عليها اقتصاد الصين معرضة للاعتراض من قِبل الولايات المتحدة وغيرها، وتواجه الصين خمسة مراكز قوى مختلفة؛ هي الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والهند واليابان وروسيا.

اقرأ أيضاً: هل شركة ماكنزي سلاح بيد الصين ضد أمريكا؟

من المؤكد أن صعود الصين يمثل تغيراً تاريخياً في النظام العالمي؛ لكن الخيارات الواقعية المتاحة للتعامل مع هذا الصعود محدودة للغاية، فالتوصل إلى صفقة كبرى يتم فيها تقاسم مناطق النفوذ مع الصين يعني تخلي الولايات المتحدة عن كثير من مصالحها في آسيا، وربما تؤدي إلى تفكك تحالفاتها فيها وفي مناطق أخرى من العالم، كما أن صفقة كهذه لن ترضي أياً من البلدَين. وفي المقابل، فإن محاولة الإطاحة بالنظام القائم في الصين أو تحطيم اقتصادها هو أمر يتجاوز إمكانات واشنطن وسوف تؤدي إلى عواقب وخيمة.

ويخلص الكاتب إلى أنه لا ينبغي قياس نجاح استراتيجية بايدن من حيث احتواء الصين في وضعها الحالي أو التفاوض على صفقة كبرى؛ بل ينبغي اعتبار استراتيجيته ناجحة إذا تمكنت من منع الصين من الاستيلاء القسري على تايوان، وإذا تمكنت الولايات المتحدة من الحفاظ على وجود عسكري قوي لها في آسيا والحفاظ على تحالفاتها وقيادتها تقنيات القرن الحادي والعشرين الرئيسية ونفوذها في المنظمات الدولية.

♦أستاذ العلوم السياسية في جامعة كولومبيا، ومؤلف كتاب “بحث الصين عن الأمن” بالمشاركة مع أندرو سكوبيل.

المصدر: فورين بوليسي

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة