الواجهة الرئيسيةشؤون دوليةشؤون عربية

ما المنتظر من المحادثات الأمريكية- الحوثية؟

بالنظر إلى أسباب ومحفزات الصراع في اليمن فإن اقتراح وصفة ناجحة لحل الصراع لن يكون سهلاً على الإطلاق

كيوبوست- منير بن وبر

ذكرت وكالة الأنباء “رويترز”، مطلع مارس الجاري، أن مسؤولين أمريكيين كباراً عقدوا أول اجتماعٍ مباشر مع مسؤولين من جماعة الحوثي اليمنية في سلطنة عمان، وأن مستوى التمثيل السعودي في المفاوضات مع الحوثيين قد زاد مؤخراً. وتأتي هذه الجهود في وقتٍ تحشد فيه الإدارة الأمريكية الجديدة الجهود لإيقاف الحرب في اليمن.

وحسب “رويترز”، فإن المناقشات جرَت في مسقط بين المبعوث الأمريكي إلى اليمن تيموثي ليندركينج، وكبير المفاوضين الحوثيين محمد عبدالسلام. كما التقى ليندركينج مسؤولين من السعودية والأمم المتحدة في الرياض، وزار الإمارات العربية المتحدة والكويت وقطر خلال جولته بالمنطقة.

اقرأ أيضاً: هل ينهي بايدن الصراع في اليمن؟

وتأتي المناقشات الأمريكية الجديدة في وقتٍ يكثف فيه الحوثيون من هجماتهم على محافظة مأرب، أحد أهم معاقل الحكومة الشرعية اليمنية، ويُنظر إلى هذه التحركات على الأرض كوسيلةٍ مستميتة للحوثيين لزيادة مكاسبهم على الأرض، قبل الدخول في أي محادثات سلام.

بالنظر إلى أسباب ومحفزات الصراع في اليمن، فإن اقتراح وصفة ناجحة لحل الصراع لن يكون سهلاً على الإطلاق. كما أن الاعتماد الكبير على اللاعبين الخارجيين وحدهم لتقديم وتطبيق خطة ما، ليس مضمون النتائج أيضاً؛ وذلك لاختلاف المنظور والسياقات والمصالح التي تُوضع من خلالها تلك الحلول.

ضرورة وقف إطلاق النار

يُرجَّح أن تركز المحادثات والجهود الأمريكية الحالية على إيقاف فعَّال لإطلاق النار؛ وهي محاولة فشلت مراراً وتكراراً، إلا أنها في الحقيقة خطوة أساسية للمضي قُدماً. سيتوجب على الأمريكيين والحوثيين، واللاعبين الأساسيين الآخرين، التوصل إلى صيغة عملية لتجنب فشل هذه الخطوة الحاسمة من جديد.

من آثار الحرب في اليمن- وكالات

لإيقاف إطلاق النار، سوف يتمسك الحوثيون بمطلب رفع الحصار، والسماح بعودة الحركة الطبيعية في المطارات والموانئ والمنافذ البرية. بينما سيتمسك الجانب السعودي بسحب الأسلحة الثقيلة من الحوثيين، وقطع علاقاتهم التهديدية بإيران. وبالطبع، سيطلب الطرفان إيقاف الهجمات الجوية على بعضهما البعض.

اقرأ أيضاً: اليمن.. عشر سنوات على حلم التغيير الذي استحال كابوساً!

إن تحقيق جميع تلك المطالب، أو التوصل إلى حلول وسط، يستوجب ضمانات قوية، وهنا يأتي دور الضغط على الحوثيين من قِبل الأطراف الخارجية التي تمتلك تأثيراً عليهم، وفي مقدمتهم إيران، ودور الولايات المتحدة للضغط على تلك الدول.

في حالة نجاح وقف إطلاق النار، سوف تتمهل جميع الأطراف قبل اتخاذ أية خطوة جديدة؛ إذ يتطلب وقف إطلاق النار مراقبة دقيقة لفترة كافية من الزمن، حيث لن يرغب أحد في خراب كل ما تتم إعادة بنائه جراء استئناف الصراع.

بعد إثبات القدرة على إيقاف النار، من المرجَّح أن تركز الخطوات الأمريكية اللاحقة على العمل لإيجاد حكومة انتقالية تشمل جميع اللاعبين الأساسيين في اليمن، وذلك يشمل الحوثيين، والمجلس الانتقالي الجنوبي. ثم التركيز على معالجة وتحسين الأوضاع السكانية من خلال تكثيف المشروعات الإغاثية، ومن ثم بناء المؤسسات السياسية والاقتصادية. وأخيراً، الترويج لحوار وطني شامل لتحديد مستقبل اليمن السياسي، وطريقة إدارة وحكم البلاد.

اقرأ أيضاً: المصالحة الخليجية واليمن.. الموازنات الصعبة

من المحتمل أن تلاقي خطة من هذا النوع تأييداً دولياً قوياً، وقبولاً محلياً، إلا أنها في الواقع تحمل العديد من التحديات؛ من أهمها عامل الوقت، والذي يمكن أن يمتد إلى سنوات، وقبل ذلك مدى إمكانية فرض إيقاف نار فعال ومستدام.

تجارب سابقة

لضمان الإسهام بنجاح في تصميم وتطبيق استراتيجية ما، يجب الأخذ في الاعتبار الأسباب التي أفضت إلى الأزمة الجارية، كما يتوجب تطبيق نهج يجمع بين البناء التدريجي للدولة واستمرار المفاوضات والحصول على الضمانات المعقولة.

 بشكلٍ عام، يمكن القول إن الصراع ناتج عن خمسة أسبابٍ أساسية: حرمان سياسي واقتصادي واسع النطاق، وضعف شديد في إدارة مؤسسات الدولة، وفساد وانقسام كبيرَين في قطاعَي الأمن والجيش، وثقة شبه معدومة في الدولة المركزية، وأخيراً اختلافات ثقافية لم تتم إدارتها بفاعلية.

طفل يمني يحمل أسطوانة غاز طبخ وأغراض- وسائل التواصل الاجتماعي

لا يمكن إنكار الكثير من الجهود السابقة لفهم وحل المصاعب آنفة الذكر؛ لكن معظمها، إن لم يكن كلها، باء بفشل ذريع. على سبيل المثال، دعم المجتمع الدولي مؤتمر الحوار الوطني اليمني، خلال الفترة من 2013 إلى 2014؛ على أمل تحقيق مساواة سياسية عادلة لليمنيين لصناعة مستقبل أفضل، لكن المؤتمر فشل لأنه صور اهتمامات ومصالح النخبة والأحزاب المتنافسة على أنها إرادة عامة.

اقرأ أيضاً: الاقتصاد اليمني بين عجز الحكومة وطغيان المتمردين

وكمثالٍ آخر، ركزت الجهود الدولية على الأزمة الإنسانية دون أن تنجح في إيقافها؛ لأنها لم تبنِ قدرات المجتمعات، بل اكتفت بتقديم إعانات يتم سرقتها أو نهبها، أو حتى تقديمها لغير مستحقيها أو استغلالها لمصالح خاصة. كما أن الدول المانحة والمؤسسات الإغاثية لم تستوعب، أو ربما تجاهلت، أن الأزمة الإنسانية ليست بسبب نقص الغذاء أو الموارد أو الطاقة البشرية اللازمة؛ بل هي لما يتسبب به الصراع من تدمير للبنية التحتية، وتعطيل لحركة النقل والاقتصاد، وازدهار للفساد.

تفويت الفرص على مفسدي السلام

إن تنظيم دولةٍ ما، أو إعادة تشكيلها، يتطلب وقتاً لا محالة، ولسوء الحظ، ذلك الوقت هو الأنسب دائماً للمفسدين الذين يركزون على مكاسبهم لا على أوطانهم. يمكن التدليل على ذلك بوضوح من خلال الأزمة اليمنية؛ حيث أدى الحرمان الاقتصادي إلى ضعف الطبقة الوسطى. ثم، بعد الثورة وسقوط النظام، زادت الهوة بين الأغنياء والفقراء، وتزايد معها المفسدون والمستبدون؛ إذ أوجدت الأزمة مَن هو مستعد للدفع دائماً من أجل مصالحه الخاصة، ومَن هو مستعد للبيع.

ولتجنب تكرار أخطاء الماضي، ينبغي أن تركز خطوات إحلال السلام على بناء المجتمعات المحلية، وتقوية نسيجها الاجتماعي وقدرتها على الحكم الكفؤ؛ بما في ذلك قدراتها الأمنية القادرة على إنفاذ القانون وحماية مواطنيها ومنشآتها ومواردها.

اقرأ أيضاً: موسكو والعلاقات الاستراتيجية في جنوب اليمن

كما يجب إمعان النظر في ما يلائم طبائع وثقافات الجماعات السكانية المتباينة، وما يضمن تماسكها، ويحقق شرعية الدولة في نظرها، ويعبِّر عن إرادتها العامة بوضوح بعيداً عن المصالح الضيقة للأحزاب والنخب السياسية. تمثل الاختلافات بين الشمال والجنوب خطوط الصدع الأكثر بروزاً؛ لكن المجتمع الدولي لا يتقبَّل فكرة يمن منقسم، وإيجاد البدائل المناسبة ليس سهلاً ولا حتى مضمون النتائج، لكن قد يصبح التقسيم حتمياً إذا لم يستغل الحوثيون آخر الفرص المتاحة.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

منير بن وبر

باحث في العلاقات الدولية وشؤون اليمن والخليج

مقالات ذات صلة