الواجهة الرئيسيةشؤون دوليةشؤون عربية

ما المصالح التركية في المصالحة مع مصر؟

كيوبوست – أحمد عدلي 

تمهيد

عكست التصريحات الصادرة عن المسؤولين الأتراك؛ ومنهم ياسين أقطاي مستشار رئيس حزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا، حول العلاقات مع مصر، الرغبة التركية المتزايدة في إعادة العلاقات الدبلوماسية المقطوعة منذ ست سنوات على خلفية انتقادات الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، للنظام المصري بعد ثورة 30 يونيو، ووصفه بالنظام الانقلابي على الشرعية.

وقطعت مصر العلاقات الدبلوماسية مع تركيا في نوفمبر 2013، وقامت باستدعاء السفير المصري من أنقرة وطرد السفير التركي باعتباره شخصاً غير مرغوب فيه على خلفية تصريحات أردوغان التي طالب فيها بالإفراج عن الرئيس المعزول محمد مرسي[1].

اقرأ أيضاً: فايز السراج.. وقيادة ليبيا نحو المجهول

لكن الموقف التركي المتعنت تجاه النظام المصري بعد 30 يونيو، بدأ في التراجع منذ أكثر من عام مع تصريحاتٍ تمهِّد لرغبة تركية في عودة الحوار مع مصر؛ وهو ما يتوافق مع السياسة التركية تحت قيادة أردوغان التي تتحرك وَفق ما يخدم أجندتها بشكل مباشر، خصوصاً مع تزايد القضايا المشتركة بين القاهرة وأنقرة؛ وفي مقدمتها الملف الليبي، وترسيم الحدود البحرية في منطقة شرق المتوسط[2].

أحد حقول الغاز في المتوسط – رويترز

أسباب تركيا للسعي من أجل التقارب مع مصر

استقرار النظام المصري: يبدو النظام المصري واحداً من أكثر أنظمة الحكم في شمال إفريقيا استقراراً خلال الفترة المضطربة الحالية؛ فالقاهرة تبدو وحدها القادرة على اتخاذ إجراءات مصيرية من دون الدخول في سجالات واسعة واشتباكات داخلية على غير ما حدث في تونس[3] والجزائر بأكثر من قضية، فضلاً عن اهتمامها بالقضايا الإقليمية بشكل أكبر، استناداً إلى دور تاريخي وموقع جغرافي ودبلوماسية راسخة دولياً؛ حتى إن تعثرت لفترة فإن مواطن قوتها لا تزال موجودة، واستطاعت في السنوات الأخيرة أن تعيد تحالفاتها الإقليمية بشكل جيد.

 اقرأ أيضًا: هل يستجيب أردوغان لدعوات التقارب مع مصر؟

وعلى الرغم من وصف الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، النظام المصري بـ”الانقلابي”[4] وعدم اعترافه بنتائج انتخابات رئاسية جرت مرتَين في 2014 و2018 بعد الإطاحة بحكم جماعة الإخوان المسلمين التي يدعمها؛ فإن قناعات أردوغان تغيَّرت تدريجياً، فالرئيس التركي اضطر إلى الجلوس على مائدة حوار ومناقشة قرارات مصيرية مع الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي، في أكثر من فاعلية دولية؛ كان آخرها مؤتمر برلين بداية العام الجاري.

وسيسهم التوافق المصري- التركي حال حدوثه في الأزمة الليبية على سبيل المثال في تجنيب تركيا عملية استنزاف قدرتها العسكرية؛ خصوصاً مع إرسالها قيادات عسكرية [5] وأسلحة إلى قوات الوفاق من أجل حماية حلفائها عسكرياً، خلال الفترة الماضية. فعلى الرغم من إرسال أكثر من 12 ألف مرتزق وآلاف القطع العسكرية والخبراء والعسكريين الأتراك؛ فإنهم لم يتمكنوا من تحقيق نصر حاسم على الأرض، بل بدأت الخلافات بين الميليشيات المدعومة من تركيا بتهديد المكتسبات التي حققتها في الفترة الماضية.

الرئيس المصري متوسطاً قادة عسكريين بالمنطقة الغربية على الحدود – أرشيف

ترسيم الحدود البحرية: تسعى تركيا لاستغلال ثروات النفط والغاز الكامنة في البحر المتوسط[6]، هذا الاستغلال يأتي لمحاولة توفير موارد للاقتصاد التركي الذي يتراجع بوتيرة سريعة نتيجة نقص الموارد والإمكانات مقارنة بمعدلات الإنفاق والتدخلات السياسية في الأداء الاقتصادي؛ حيث يرغب أردوغان في سرعة البدء بالعمل لتقليص الإنفاق على استيراد الطاقة.

وفي الوقت الذي يدخل فيه بصدام مباشر مع اليونان وقبرص ومحاولات مستمرة للتهدئة، يدرك الرئيس التركي أن عملية التنقيب في بعض المناطق؛ خصوصاً التي تلامس الحدود البحرية المصرية وَفق الاتفاقيات التي وقعتها القاهرة مع كل من قبرص واليونان خلال الفترة الماضية، ستكون أمراً محفوفاً بالمخاطر، ولن تقبل مصر به على الإطلاق، وهو ما ظهر واضحاً في التصريحات الرسمية الصادرة عن الخارجية المصرية، اعتراضاً على أعمال المسح التي قامت بها سفينة تركية في المنطقة المصرية.

اقرأ أيضًا: أنقرة تستنفر قواتها في “المتوسط” بعد اتفاق الترسيم المصري- اليوناني

وعلى الرغم من وجود اتفاقية غير معترف بها بين تركيا وحكومة السراج[7] بشأن ترسيم الحدود البحرية، بما ينتهك الحقوق المصرية واليونانية والقبرصية؛ فإن أنقرة لا تمانع اليوم، إذا أبدت القاهرة موافقة مبدئية على التفاوض، أن تتم تنحية هذه الاتفاقية جانباً؛ وهو ما ظهر في أكثر من تصريحٍ رسمي تركي في الأسابيع الأخيرة.

اقرأ أيضًا: مناورات مصرية وأوروبية في المتوسط.. رسالة تحذير أخيرة لأنقرة

ستحصل تركيا حال إتمام اتفاقية ترسيم الحدود البحرية مع مصر على مناطق خالصة للتنقيب عن الغاز، كما ستشكل هذه الاتفاقية أساساً قوياً للتفاوض مع جيرانها الأوروبيين؛ خصوصاً قبرص واليونان، في خطوةٍ ستسهم في تقليل الضغوط الدولية على تركيا، وستحسن صورة أنقرة باعتبارها تسعى للحصول على حقوقها القانونية دون تجاوز حقوق الآخرين؛ فحتى الآن لم تنجح أنقرة في عقد أي اتفاق معترف به سوى مع جمهورية قبرص الشمالية غير المعترف بها دولياً سوى من تركيا وحكومة الوفاق الليبية التي لا تملك صلاحية توقيع اتفاقيات دولية من دون موافقة البرلمان الذي لم يناقشها حتى اليوم.

أهم حقول الغاز المكتشفة في المتوسط

التطورات في ليبيا: تدرك تركيا جيداً أهمية ليبيا بالنسبة إلى مصر في الوقت الحالي. وفي ظل وجود مصالح تركية مباشرة ليس فقط بدعم وجود جماعة الإخوان المسلمين سياسياً؛ ولكن في ما يتعلق بعملية إعادة الإعمار المرتقبة مع استقرار الأوضاع خلال الفترة المقبلة ووقف الاقتتال، تجد أنقرة نفسها بحاجة إلى تنسيق مصري أو على الأقل عدم ممانعة في وجودها ضمن الدول المهتمة بعملية إعادة الإعمار.

اقرأ أيضاً: خلافات السراج ومعتيق تكشف عن تعمق الفساد في ليبيا

وتسعى أنقرة في الوقت الحالي لطيّ صفحة تدخلها العسكري لدعم قوات السراج في الشهور الماضية، وما تبعها من إرسال للمرتزقة والسلاح؛ خصوصاً مع غموض الرؤية بشأن ما يمكن أن يحدث في المستقبل القريب من توافق سياسي سيدفع الليبيين لرفض الوجود التركي على أراضيهم.

وستكتسب تركيا في هذا الملف بشكل مباشر تهدئة في إحدى جبهات الصراع بالمنطقة؛ خصوصاً أن مصر نجحت في الفترة الماضية في التنسيق مع غالبية الأطراف الليبية، وهو ما يمكن رصده عبر إعلان القاهرة في يونيو الماضي[8]، في الوقت الذي اكتفت فيه تركيا بتحالفها مع السراج الذي يواجه ضغوطاً داخلية وخارجية عديدة.

تسلل “داعش” إلى ليبيا وعبرها من أبرز التحديات- وكالات

تراجع دور الإخوان: راهنت تركيا على جماعة الإخوان المسلمين بشكلٍ رئيسي خلال السنوات الماضية؛ وهو ما لم يرتبط فقط باستضافة قياداتها الهاربين على أراضيها ودعمهم مالياً؛ ولكن في تبنِّي الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، مطالبهم بشكل واضح والدفاع عنهم باعتبارهم معرضين للاضطهاد في مصر؛ بسبب النظام العسكري الذي أطاح بحكم الجماعة بعد انتخابها.

لكن هذا الدور تراجع كثيراً وبصورة غير مسبوقة في السنوات الأخيرة؛ خصوصاً بعدما أصبحتِ الجماعة تعاني خلافات وانشقاقات، وفقدت القيادات[9] فيها السيطرة على الشباب؛ وهو ما ظهر بشكل واضح بعد إلقاء السلطات المصرية القبض على القائم بأعمال المرشد محمود عزت، واختيار إبراهيم منير قائماً بالأعمال مؤقتاً؛ وهو ما لاقى اعتراضات كبيرة من الشباب، وظهر بشكل واضح على مواقع التواصل الاجتماعي.

التراجع التركي عن دعم الإخوان سيدعم المصالح السياسية الخارجية لتركيا؛ ليس فقط مع مصر التي تصنف الإخوان باعتبارها جماعة إرهابية؛ ولكن أيضاً مع باقي دول الخليج، خصوصاً أن المصلحة الوطنية لتركيا الآن باتت في التخلص من الجماعة التي تسببت في أضرار لتركيا أكبر مما في الوطن العربي، وأكبر من المكاسب التي حققتها[10].

تراجعت شعبية وقوة جماعة الإخوان بشكل كامل

سيناريوهات العلاقات المصرية- التركية

  • بقاء الوضع دون تغيير: وهو السيناريو الأقرب إلى الواقع؛ خصوصاً أن مصر تجاوزت على المستوى الدولي مسألة شرعية النظام الحاكم بعد 30 يونيو، بالإضافة إلى أن نجاح الضربات الأمنية والملاحقات المستمرة لجماعة الإخوان المسلمين، وجميع الأنشطة التي تقوم بها جعل الجماعة غير مؤثرة في الشارع؛ الأمر الذي انعكس على عدم التفاعل مع دعوات التظاهر التي دعمتها مؤخراً يوم 20 سبتمبر.
  • زيادة نقاط الخلاف بين البلدين: لم يؤثر الخلاف السياسي بين البلدين على العلاقات الاقتصادية التي شهدت نمواً متزايداً في السنوات الأخيرة وصل إلى 2,39 مليار دولار في 2019[11]؛ وهو الرقم الذي تراجع في النصف الأول من العام الجاري متأثراً بأزمة فيروس كورونا[12]، بينما يتوقع استمرار العلاقات الاقتصادية من دون تأثير.
  • تقارب مصري- تركي: يُعتبر هذا السيناريو هو الأصعب؛ لاتساقه بالتحالفات الإقليمية الموجودة بالشرق الأوسط، فتركيا تتحالف مع قطر بشكل رئيسي، ومصر ضمن الرباعي العربي الذي يضم السعودية والإمارات والبحرين المناهض للسياسات القطرية- التركية في المنطقة، ومن ثمَّ فإن حدوث التقارب بين القاهرة وأنقرة سيكون رهناً بإحداث تقدم على الأقل في المفاوضات مع الدوحة.

 اقرأ أيضاً:الثورة على “الوفاق” في ليبيا.. عوامل فجرت غضب الشارع

الخلاصة

اختارت تركيا التوقيت الحالي؛ لشعورها بالحاجة إلى أصدقاء في المنطقة بعدما كثُر أعداؤها عربياً وأوروبيا[13]، واختارت أن تبدأ من القاهرة؛ باعتبار أن النقطة الخلافية الجوهرية سبب الأزمة والمرتبطة بإزاحة جماعة الإخوان المسلمين عن الحكم باتت من الماضي الذي لا يمكن إعادته، فضلاً عن إمكانية تحول مصر لتكون بوابة أمام إعادة علاقاتها مع الدول العربية.

المصادر

[1] https://cutt.us/onGXW

[2] https://f24.link/BuHP5

[3] https://2u.pw/CdB9p

[4] https://2u.pw/ZSSdg

[5] https://2u.pw/ZSSdg

[6] https://2u.pw/129UR

[7] https://2u.pw/idSnz

[8] https://2u.pw/WNuxk

[9] https://2u.pw/bmQ4j

[10] https://2u.pw/LkRjG

[11] https://2u.pw/Dl6pE

[12] https://2u.pw/JOHTb

[13] https://2u.pw/ddQcf

اتبعنا على تويتر من هنا

 

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة