الواجهة الرئيسيةترجمات

ما الفرق بين العبقرية والذكاء؟

ما الذي يصنع العبقرية؟ أعظم العقول في العالم تتشارك شيئًا واحدًا

ترجمة- كيو بوست

يقول مدير تحرير مجلة تايم الأمريكية والتر ايزاكسون أن هنالك فرق بين العبقرية والذكاء؛ الناس الأذكياء هم بالعشرات أو المئات وكثير منهم لا يرتقون إلى هذا الوصف. ما يهم فعليًا هو الإبداع والقدرة على تطبيق الخيال في أي موقف كان.

لنأخذ بنيامين فرانكلين على سبيل المثال، فقد كان يفتقر إلى قوة المعالجة التحليلية لهاميلتون، وإلى العمق الفلسفي لماديسون. ولكن مع القليل من التعليم الرسمي، علّم فرانكلين نفسه ليصبح أفضل مخترع في عصر التنوير الأمريكي، وأصبح كذلك دبلوماسيًا وعالمًا وكاتبًا ومخططًا استراتيجيًا في قطاع الأعمال. لقد أثبت فرانكلين -من خلال تطيير طائرة ورقية- بأن البرق عبارة عن كهرباء، واخترع مواد احتراق نظيفة، واخترع أيضًا خرائط للمجاري المائية ونظارات ثنائية البؤرة وآلات موسيقية ساحرة، وكان له الفضل في إيجاد النمط الأمريكي الفريد في الفكاهة البسيطة.

أما ألبرت آينشتاين، فقد اتبع مسارًا مماثلًا لفرانكلين. فقد كان بطيئًا في الاستيعاب والنطق وتعلم اللغة عندما كان طفلًا، ووالداه لجآ لاستشارة الطبيب، حتى أن خادمة العائلة أطلقت عليه لقب “البليد”، فيما أطلق عليه أحد أقربائه لقب “المتخلف”. لقد أبدى آينشتاين تمردًا صفيقًا تجاه السلطة، الأمر الذي دفع أحد المدرسين لإرساله في مهمة تعبئة المواد، ودفع مدرسًا آخرَ للسخرية من مادة التاريخ. هذه الصفات جعلت من آينشتاين شفيعًا لطلاب المدارس مشتتي الذهن في كل مكان.

ازدراء آينشتاين للسلطة قاده إلى التساؤل عن الحكمة التي تلقاها في المدرسة بطرق لم يفكر بها المعلمون المختصون أبدًا. تطوره البطيء في تعلم النطق واللغة سمح له بمراقبة وتأمل ظواهر يومية لم يفكر بها الآخرون الذين اعتبروها أشياءً مسلّم بها ومفروغ منها. قال آينشتاين ذات مرة: “الرجل العادي لا يزعج نفسه أبدًا بمشاكل المكان والزمان. أما أنا فقد تطورت ببطء شديد، وبدأت بالاستغراب والتساؤل حول المكان والزمان بعد أن نضجت بما فيه الكفاية”. آينشتاين أحدث ثورة في فهمنا للكون من خلال التوصل إلى ركيزتين أساسيتين في الفيزياء المعاصرة: النظرية النسبية ونظرية الكم، وقد فعل ذلك برفض إحدى الفرضيات الأساسية التي قدمها إسحاق نيوتن في كتاب “المبادئ”. واليوم يعتبر اسم آينشتاين رديفًا لكلمة عبقري صاحب العيون الخارقة.

ستيف جوبز

ثم هناك ستيف جوبز، مثله مثل آينشتاين، فقد واجه بعض المتاعب خلال سعيه وراء النظريات، محاولًا فهم الانسجام داخل هذا الكون. اعتقد جوبز بأن الجمال مهم، وأن الفنون والعلوم والإنسانيات تتصل ببعضها البعض اتصالًا وثيقًا.

بعد أن ترك الكلية، انضم إلى دروس فنون الخط اليدوي والرقص قبل سعيه نحو التنوير الروحي في الهند، مما يعني أن كل المنتجات التي قدّمها جوبز –من ماكنتوش إلى آيفون– حظيت بجمال روحي بطبيعته، على عكس منتجات منافسيه.

 

 

لقد دفعني البحث المتعمق في هؤلاء الأشخاص إلى دراسة ليناردو دافنشي أيضًا، وحسب وجهة نظري، فإنه أعظم عبقري إبداعي في التاريخ. ومرة أخرى، هذا لا يعني بأنه الشخص الأذكى في العالم؛ فلم تكن لديه القدرة العقلية النظرية الخارقة كتلك التي تمتع بها نيوتن أو آينشتاين، ولم يتمتع كذلك بمهارات الرياضيات كتلك التي تمتع بها زميله لوكا باتشولي. ولكنه اعتاد على التفكير كفنان وعالم، الأمر الذي منحه شيئًا أكثر قيمة: القدرة على تصوير المفاهيم النظرية. ربما عمل باتشولي على توسيع نظريات إقليدس بهدف إنتاج دراسات مؤثرة على المنظور الرياضي والنسب الهندسية، ولكن الشروحات والرسومات التوضيحية التي قدمها دافنشي -للصلب الأرخميدي ولعشرات الأشكال الهندسية متعددة الأوجه– بعثت فيها الحياة وجعلت منها علمًا يمكن فهمه، وهو الأمر الأكثر قيمة وأهمية في نهاية المطاف.

 

البيرت أينشتاين

ومثله مثل فرانكلين، كان دافنشي عصاميًا إلى حد كبير وعّلم ذاته بذاته. فقد ولد لدى أبوين خارج إطار الزوجية، الأمر الذي منعه من الانضمام لأي مدرسة من المدارس اللاتينية التي كانت تعلم الشباب ذوي المظهر الحسن، الكلاسيكيات والإنسانيات في بداية عصر النهضة. وأيضًا مثل آينشتاين، كان لدى دافنشي مشكلة مع السلطة، وكثيرًا ما كان يدافع عن كينونته “رجلًا أميًّا” كما وصف نفسه بسخرية ذات مرة، ولكنه حظي بقليل من الصبر على “الناس الحمقى” الذين اعتادوا التفكير بقدر قليل، أقل منه بكثير. وقد كتب في أحد دفاتره: “هم يتغطرسون ويتفاخرون بأعمال مزينة ومزخرفة ليست من أعمالهم، بل من أعمال غيرهم”.

لقد تحدى دافنشي الحكمة التقليدية، وتجاهل المدارس وعقائد القرون الوسطى، ولم يتمسك بالتعاليم التقليدية الغابرة التي تراكمت عبر مئات السنين منذ تراجع العلم الكلاسيكي، وقال ذات مرة أنه: “تلميذ الخبرة والتجربة”. مستوى نهج دافنشي في حل المشاكل لم يكن أقل من مستوى النهج العلمي الثوري المبشر الذي وضعه فرانسيس بيكون وغاليليو غاليلي بعد أكثر من قرن من الزمان.

ومثله مثل آينشتاين، تميّز دافنشي بالسمة الأهم وهي الفضول. آلاف الصفحات من دفاتره تعج بالأسئلة الملحة التي وضعها قيد المتابعة والبحث. أراد أن يعرف ما الذي يجعل الناس يتثاءبون، وكيف يمشي الناس على الجليد، وكيف تعالج العين الضوء وتأثير ذلك على الرسومات. لقد أمر دافنشي نفسه بتعلم المزيد حول مشيمة العجل وفك التمساح وعضلات الوجه وضوء القمر وحواف الظلال، وحتى لسان نقار الخشب. الدافع وراء طموح دافنشي الكبير والنبيل هو معرفة كل شيء صالح لأن يكون معرفة، بما في ذلك الكون الذي نعيش فيه، وكيفية تأقلمنا داخله.

الكثير من فضوله شمل مواضيع لم نستطع نحن ملاحظتها أو التفكر بها، مثل السماء زرقاء اللون، نحن نراها كل يوم تقريبًا، لكننا لم نتفكر بلونها الأزرق عندما كنا أطفالًا، لكن دافنشي فعل ذلك. لقد كتب في دفاتره، صفحة تلو الأخرى، مستكشفًا كيف يؤدي الضوء الساقط على بخار الماء إلى سديم متنوع وظلال ضبابية بلون أزرق.

لم يتوقف دافنشي عن المراقبة والملاحظة أبدًا، فعندما زار الخنادق المحيطة بقلعة ميلان، نظر إلى يعسوب ولاحظ كيف يحرك أجنحته بالتناوب، كل زوجين من الأجنحة يتحركان على حدة. وعندما سار في أنحاء البلدة، راقب تعبيرات وجوه الناس الذين يتحدثون وربطها بمشاعرهم. وعندما سكب الماء في وعاء راقب كيف سار الماء على شكل تيارات.

ومثله مثل فرانكلين الذي أبحر إلى إنجلترا في سن المراهقة، وقاس درجة حرارة تيارات المحيط، ليصبح أول شخص يرسم التيارات المائية بشكل دقيق، دافنشي كذلك لم يقاوم رغبته بمطاردة ودراسة زوابع الهواء عندما كان في نزهة.

هذه الملاحظات قادت دافنشي إلى أعظم اكتشافاته الرائعة، من تموجات النهر حول كاحلي يسوع في معمودية المسيح إلى رسومات الطوفان القوية. وتمكن أيضًا من شرح كيف يؤدي دوران الدم في القلب باتجاه معاكس إلى انسداد الصمام الأبهري.

بعض الناس عباقرة في مجال معين، مثل ليونارد يولر في الرياضيات أو فولفغانغ أماديوس موزارت في الموسيقى، ولكن بالنسبة لي، العباقرة الأكثر إثارة للاهتمام هم أولئك الذين يرون أنماطًا في مفاتن وأوجه جمال الطبيعة اللامتناهية. لقد امتد تألق دافنشي إلى تخصصات متعددة ولم يكتفِ بمجال واحد؛ فقد قّشر اللحم عن وجوه الجثث ورسم العضلات التي تحرك الشفاه، ومن ثم رسم ابتسامة لا يمكن للعالم أن ينساها. لقد درس الجماجم البشرية وقدّم رسومات مفصلة للعظام والأسنان والهيكل العظمي. أبحر في الرياضيات البصرية واستكشف كيف تضرب أشعة الضوء القرنية، وأنتج الخيالات السحرية للوجهات البصرية المتغيرة في العشاء السري الأخير.

وبالطبع، هنالك الكثير من الباحثين متعددي الثقافة والمجالات؛ فعصر النهضة أنتج رجال نهضة آخرين، ولكن لا أحد منهم رسم الموناليزا، بل وفعلوا أقل من ذلك بكثير. لقد شهد ذلك الوقت رسومات تشريح غير مسبوقة أبدًا، وأنتجت فيه مخططات لتحويل مجاري الأنهار، وشرح فيه انعكاس الضوء من الأرض إلى القمر، وتصميم الأدوات الموسيقية، واستخدام الأحافير لمناظرة قصة الطوفان في الكتاب المقدس، ومن ثم رسم الطوفان. لقد كان دافنشي عبقريًا فذًا، ليس لأنه كان ذكيًا فحسب، بل لأنه كان مثالًا للعقل الجامع الشامل؛ الشخص الأكثر فضولًا لمعرفة الأشياء في التاريخ.

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات