الواجهة الرئيسيةترجماتثقافة ومعرفةشؤون دولية

ما الذي يمكن لحركات المختلفين جنسياً في آسيا أن تتعلمه من اليابان؟

كيوبوست- ترجمات

برايان وونغ♦

في السابع عشر من مارس الماضي، قضت محكمة محلية في سابورو في اليابان، بأن فشل الحكومة في الاعتراف بزواج المثليين كان “غير دستوري”. كما رأت المحكمة أيضاً أن وجهة النظر الرسمية في الزواج باعتباره (اتحاداً حصرياً بين شخصَين من جنسَين مختلفين) يتعارض مع الالتزام الدستوري بالمساواة بين جميع اليابانيين.
اليابان هي الدولة الوحيدة بين دول مجموعة السبع التي لا يوجد فيها قوانين تمنع التمييز على أساس الميول الجنسية، فضلاً عن القوانين التي تسمح بزواج المثليين. ولكن حكم محكمة سابورو يمكن أن يغير هذا الأمر؛ حيث يبشر بتحول في المجتمع الياباني.

فخر قوس قزح في طوكيو- أرشيف

كما أنه يأتي بعد عقودٍ من المثابرة من الناشطين وحلفائهم من السياسيين. تعطي الاستراتيجيات والنجاحات والصبر الكبير لحركة المختلفين جنسياً أو مجتمع الميم (اصطلاح يشير إلى حركة مثليي الجنس ومزدوجي التوجه الجنسي والمتحولين والمغايرين جنسياً- المترجم) في اليابان لمحة قيمة عن كيفية ازدهار نشاط المختلفين في المجتمعات المحافظة اجتماعياً والمتماثلة ثقافياً في شرق آسيا.من هنا يمكن استخلاص ثلاثة دروس:

المقاربة التدريجية لمسألة حقوق المختلفين جنسياً ستؤتي ثمارها

أولاً، يمكن للمقاربة التدريجية المتصاعدة أن تعمل على بناء زخم سياسي قوي يدفع باتجاه التغيير. فبدلاً من العمل على تغيير المواقف والخطاب العام على المستوى الوطني دفعة واحدة، استهدفت الحركة في اليابان استراتيجياً المحاكم المحلية وحكومات المقاطعات، وضغطت عليها تدريجياً من أجل الحصول على تنازلات وإصلاحات.

اقرأ أيضاً: صمت إخواني على مسيرات المثليين في تركيا: هل تدعم الجماعة ما يخالف الدين؟

ففي فبرار 2015 على سبيل المثال، تم إقرار إجراء جديد في مقاطعة شيبويا في طوكيو يمكن من خلاله لشخصين من نفس الجنس التقدم بطلب الحصول على وثيقة إثبات شراكة توفر لحامليها الحصول على تسهيلات الاستشفاء وبعض المزايا الأخرى الممنوحة للأزواج. كان مهندس هذا الإجراء، المستشار المحلي كين هاسيبي، قد استقى إلهامه من حيوية حركة المختلفين جنسياً في سان فرانسيسكو، ومجتمع المتحولين جنسياً في طوكيو. وسرعان ما تردد صدى حركة شيبويا في مدن رئيسية أخرى في مختلف أنحاء البلاد؛ مثل سابورو وفوكوكا وأوساكا، وفي غيرها من المجتمعات الأصغر.
خلال السنوات الست
 الماضية أصبح الاعتراف بالشراكات المثلية قضية سياسية بارزة على المستوى الوطني، وقد ساعد في ذلك الأحزاب القديمة التي تسعى لأن تعيد تقديم نفسها بصورة أكثر عصرية. وقد عدل الحزب الديمقراطي الليبرالي الحاكم -الذي لم يكن صديقاً لقضية حركة المختلفين جنسياً- من مواقفه بشكل كبير على الرغم من اتهام البعض له بأنه لا يقدم أكثر من مجرد الكلام.

نشطاء يؤيدون قرار المحكمة المحلية في سابورو بأن عدم الاعتراف بزواج المثليين غير دستوري- صحيفة “التايمز”

فقد تعهد الحزب في بيانه الانتخابي عام 2016 “بتعزيز فهم التنوع الجنسي”. وكانت هذه استجابة للضغط الدولي على البلاد لتحسين الحقوق المدنية فيها تزامناً مع استعداداتها لاستضافة دورة الألعاب الأوليمبية الصيفية 2020، وكذلك للضغط الداخلي من الأعضاء المحبطين من عناد الحزب في المسائل الاجتماعية؛ ومن بينهم يوريكو كويكي، حاكمة طوكيو التي انسحبت من الحزب في عام 2017 وأسست حزباً سياسياً جديداً أدخل الأفكار التقدمية لحركة المختلفين جنسياً إلى منصة لطالما كانت تميل إلى كونها محافظة في المسائل الاجتماعية.

حركة المختلفين جنسياً تتقدم في قطاعات الصحة والتعليم والتوظيف

ثانياً، استفادت الحركة من تركيزها الهادئ على قطاعات معينة؛ حيث يمكن بناء توافق -قطاعات الصحة والتعليم والتوظيف- بينما تجنبت القضايا التي من المؤكد أنها ستنفر الناخبين المحافظين؛ مثل التأكيدات الأيديولوجية للهوية الجنسية والميول الجنسية.
فعلى سبيل المثال، قدم رواد الحركة في التسعينيات قضية حقوق المتحولين جنسياً كقضية صحة عامة، وتم تشريع جراحة تأكيد الجنس في أواخر التسعينيات باعتبارها “علاجاً” لاضطراب الهوية الجنسية. وفي أعقاب ذلك نجحت آيا كاميواكا، أول سياسية يابانية متحولة جنسياً منتخبة في اليابان، في الضغط من أجل السماح للمواطنين المتحولين جنسياً بتغيير جنسهم في الوثائق والسجلات الرسمية، على أساس أن ذلك سوف يتيح “اعترافاً ودعماً على نطاق أوسع” لمن خضعوا لتلك الجراحة.
في هذه الأثناء كان التنمر في المدارس والجامعات يمثل مشكلة مزمنة في البلاد؛ حيث تشكل حالات الانتحار في الجامعات دليلاً واضحاً على النقص في دعم الصحة العقلية للطلاب المعرضين للتنمر؛ ومن بينهم الطلاب المختلفون جنسياً. واستغل النشطاء موت أحد طلاب الدراسات العليا عام 2015 كدليل على الحاجة الملحة إلى سياسة عدم التسامح مطلقاً مع التنمر وخطاب الكراهية.

شاهد: فيديوغراف.. شعارات المثليين تظهر في الحراك اللبناني

في عام 2017، عدلت وزارة التعليم سياستها الوطنية تجاه التنمر لتمكين المدارس من معالجة التنمر على أساس الميول الجنسية، والهوية الجنسية. وتم إقرار قوانين عدم التشهير (قوانين تحرم فضح الهوية أو الميول الجنسية للشخص دون موافقته- المترجم) في عدد من المناطق؛ حيث وحدت قضايا الصحة العقلية للطلاب وسلامتهم السياسيين من مختلف الاتجاهات. حتى الحزب الحاكم المحافظ تقدم بمشروع قانون “فهم وتعزيز حقوق المختلفين جنسياً” عام 2019 الذي يهدف إلى الوصول إلى مجتمع متسامح يتقبل التنوع في الميول الجنسية والهوية الجنسية.
وقد تبنت الحركة
 تكتيكات مشابهة في الدفاع عن الحقوق العمل. فقانون “تكافؤ فرص العمل” حتى اليوم لا يقدم أية حماية للمختلفين جنسياً؛ ولكن وزارة الصحة والعمل والرعاية الاجتماعية قدمت بنداً جديداً إلى “قواعد التوظيف” النموذجية التي تُعطى لأرباب العمل، يحظر التنمر والتحرش على أساس الميول أو الهوية الجنسية.

المسيرة السنوية لنشطاء حركة المختلفين جنسياً في طوكيو في 7 مايو 2017- صحيفة “التايمز”

جاء هذا التغيير من خلال التواصل والتنسيق بين النقابات العمالية والمستشارين القانونيين والمستشارين السياسيين في الوزارة؛ بهدف جعل العمل في اليابان أكثر جاذبية للمواهب الأجنبية. وقد أدى طرح قضية اقتصادية كبيرة إلى تمكين الحركة من اكتساب قوة جذب بين شبكات الأعمال الرائدة وحتى بين العمال العاديين.

حقوق المختلفين جنسياً والقيم العائلية في اليابان

أخيراً، سعت الحركة إلى التوفيق بين حقوق المختلفين جنسياً والقيم العائلية التقليدية السائدة في اليابان.
كانت اليابان الإقطاعية (فترة حكم الأمراء الإقطاعيين 1185- 1603- المترجم) متسامحة مع المثلية الجنسية؛ ولكن حقبة ميجي (فترة انتقالية في تاريخ اليابان في القرن التاسع عشر- المترجم) وحقبة ما بعد الحرب العالمية الثانية شهدت انتشار المسيحية في البلاد؛ ما ساعد على انتشار الفكر المحافظ الذي لا يزال سائداً في اليابان حتى الآن. وقد وجد استطلاع للرأي في عام 2013 أن 54% فقط من السكان يوافقون على أن المثلية الجنسية يجب أن تكون سلوكاً مقبولاً في المجتمع، بينما رأى 36% عكس ذلك.
على هذه الخلفية 
كرست الحركة جهوداً كبيرة لإظهار التوافق بين قيم العائلة والتنوع في الميول الجنسية. وسعى الناشطون من خلال العمل مع الكنائس، والمجموعات الحقوقية، والمؤسسات المجتمعية، إلى تبديد الروايات الشعبية والنظرة العامة إلى المثليين، مستشهدين بشكل صريح بأهمية الزواج في تثبيت بناء الأسرة كأساس للمساواة في الزواج.

اقرأ أيضاً: ما حقيقة اغتصاب الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو أطفالاً في تونس؟!

لا تزال شرق آسيا منطقة غير مرحبة بشكل عام بالتقدمية الجنسية والاجتماعية، ولكن هذا الوضع يجب أن يتغير. فزواج المثليين وحقوق المتحولين والاعتراف بالهويات غير الثنائية، كلها قضايا يمكن أن تتقدم بما يتماشى مع القيم التقليدية. فعلى سبيل المثال، فإن الرأي القائل إن الآباء والمدرسين يجب أن يدعموا بقوة حماية المختلفين جنسياً؛ لأن ذلك يعالج مشكلة الصحة العقلية عند أقلية مهمة من الشباب، قد اكتسب دعماً قوياً في الصين وهونغ كونغ.
في المجتمعات
 التي تسود فيها الأعراف الثقافية المعادية للقيم التقدمية يجب على المدافعين عن هذه القضية اغتنام فرصة توضيح أنفسهم وآرائهم ليكتسبوا القبول في الرأي العام السائد. والطريق أمام حركة المختلفين جنسياً في اليابان ليست واضحة بأية حال من الأحوال؛ ولكنها تجسد العديد من الفضائل التي يمكن للآخرين في شرق آسيا الاقتداء بها.

♦مرشح لدرجة الدكتوراه في النظرية السياسية من جامعة أكسفورد، وباحث من هونغ كونغ.

المصدر: صحيفة التايمز

 

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة