الواجهة الرئيسيةشؤون دوليةشؤون عربية

ما الذي يدفع شباب تونس إلى “قوارب الموت” في المتوسط؟

تساؤلات عن مصير 504 تونسيين مفقودين منذ عام 2011 في إيطاليا

تونس- وفاء دعاسة

لا تزال أكثر من 500 عائلة تونسية منذ عام 2011، تنتظر الكشف عن مصير أبنائها المفقودين في موجة الهجرة غير النظامية. وبينما تقدر السلطات الإيطالية وصول أكثر من 30 ألف مهاجر غير نظامي إلى أراضيها في عملية هجرة جماعية غير مسبوقة، فإن نحو 504 تونسيين لا يزالون مفقودين منذ 2011.

وتبدو دول الاتحاد الأوروبي في حالة من التخبط في التعامل مع هذا الوضع؛ حيث إن التونسيين المفقودين منذ سنة لم تشملهم اتفاقية الحكومة التونسية مع السلطات الإيطالية بمنح بعض المهاجرين إقامة بستة أشهر، ولم تشملهم أيضاً عمليات البحث. وأهالي المفقودين يتهمون السلطات التونسية بالتقصير، بعد ثبوت وجود بعض المفقودين في السجون الإيطالية، بينما لم تحرك تونس ساكناً للبحث عنهم أو المطالبة بهم. 

ورغم خوض هذه العائلات سبلاً مختلفة للمطالبة بالكشف عن مصير فلذات أكبادها، وفتح تحقيق جدي لملفاتهم من قِبل السلطات التونسية؛ فإن هذه المساعي باءت بالفشل، وبقي ملف المفقودين عالقاً دون أي حلول تُذكر.

اقرأ أيضاً: ما الذي يحدث في تونس؟ كل ما تحتاج إلى معرفته

15  ألف تونسي يدخلون الأراضي الإيطالية خلال شهر

 وبوتيرة شبه يومية، تحبط السلطات التونسية محاولات هجرة غير شرعية إلى سواحل أوروبا، ومؤخراً تم ضبط مئات الأشخاص، إثر تعطل مراكبهم بالبحر المتوسط خلال الرحلة بين ليبيا وإيطاليا.

ودعت منيرة شقرة، رئيسة جمعية “المصير لشباب المتوسط”، خلال ندوة صحفية انعقدت منذ أيام، الرئيس التونسي قيس سعيّد، إلى استحداث لجنة تتبع وزارة الخارجية؛ للبحث عن التونسيين المفقودين.

وأوضحت شقرة أن هذه اللجنة يجب أن تقوم بتسهيل عملية البحث بالأراضي الإيطالية، إلى جانب الاستماع إلى رسائل أمهات المفقودين. وأكدت أن عدد التونسيين الذين دخلوا إلى الأراضي الإيطالية، منذ بداية أكتوبر 2021، حتى 20 نوفمبر الماضي، يناهز 15 ألف شخص؛ منهم 2073 قاصراً، و170 امرأة.

قيس سعيد خلال مجلس وزاري- (صفحة رئاسة الجمهورية)

عائلات ملتاعة 

قد يكون الزمن كفيلاً بالنسيان وتضميد الجروح بالنسبة إلى الكثيرين؛ لكن الأعوام المتوالية لم تكن لتفي بالغرض وتجفف دموع الأم فاطمة الكسراوي، التي قالت لـ”كيوبوست”: “عشر سنوات مضت ولا أزال أترقب كل يوم سماع أي خبر حول ابني الذي غادرنا منذ 1 مارس 2011″، وتتابع فاطمة: “خرج رمزي مع مجموعة من أبناء حيه وأصدقائه، وكان عددهم 22 شاباً اختاروا المجازفة بحياتهم بين الأمواج… لم أكن أعلم بمخططه للهجرة، كان يعلم جيداً أني سأعارضه ولن أقبل تكرار تجربة شقيقه الذي فشل قبله في اجتياز الحدود التونسية، واعتقاله من قِبل الخفر البحري في عملية هجرة غير نظامية”.

اقرأ أيضاً: بعد إغلاق حدود إيطاليا.. سيل الهجرة يغرق إسبانيا

مجهودات فردية لعائلات المفقودين

وبعد الضغوطات المتزايدة من مئات العائلات التونسية، تكونت لجنة وزارية مسؤولة عن هذا الملف منذ سنوات عدة؛ لكنها لم تعطِ أية نتائج ملموسة، فلم يعد أمام أهالي المفقودين غير تدبر أمورهم بأنفسهم، وأسست مجموعة نساء تونسيات جمعية “أمهات المفقودين”.

وتمكنت 11 امرأة تونسية بين 2 و7 أكتوبر الماضي، من الوصول إلى جزيرتَي صقلية ولامبيدوزا؛ من أجل البحث عن أقاربهن المفقودين في البحر، وللتنديد أيضاً بسياسات الهجرة، وذلك بالتعاون مع جمعية “caravane migranti” الإيطالية، وبدعم من منظمة “سي آي” الألمانية، وَفق ما أفادت به رئيسة الجمعية فاطمة الكسراوي لـ”كيوبوست”.

أمهات المفقودين في إيطاليا- (موقع التواصل الاجتماعي للجمعية)

وأضافت الكسراوي أنهم قاموا بإجراء اختبارات الحمض النووي في إيطاليا؛ للبحث عن جثث أبنائهم، وتطوَّع فريق من المحامين الإيطاليين للعمل على الملف، وذلك بالتنسيق مع محامي المفقودين في تونس.

في جانب آخر، اتهمت فاطمة الكسراوي رؤساء الحكومات المتعاقبة منذ 2011 بالتورط في ملف أبنائهم؛ خصوصاً في عهد كاتب الدولة السابق للهجرة حسين الجزيري، وحكومة حمادي الجبالي. وكشفت أن هناك متاجرة بالمهاجرين غير الشرعيين؛ من أجل تشغيلهم في المزارع الإيطالية.

فاطمة الكسراوي

“لربما هو على قيد الحياة”

بكلمات تخفي مقداراً كبيراً من الألم والحسرة، تقول نجلاء الشيخ، أم مفقود من مدينة رفراف شمال البلاد التونسية: “ما زال الندم يحاصرني؛ لأني لم أُعلِم الشرطة بخروج المركب الذي كان على متنه ابني وأصدقاؤه، لربما لحق بهم الخفر البحري وأعادوهم إلى بر الأمان”.

وتضيف نجلاء، في حديث إلى “كيوبوست”: “كنت قد حذَّرت ابني من التواصل مع أحد منظمي رحلات هجرة غير نظامية من أبناء المدينة، ووعدني أنه سيعدل عن فكرة الهجرة نهائياً.. لكن بدلاً من أن أحتفل بعيد ميلاده الـ18، غادرنا نحو المجهول، تاركاً وراءه أباً مريضاً وأماً ملتاعة”.. “فمنذ 18 مارس 2017 لم أنعم بالراحة؛ بل إني لا أنام إلا بعد تعاطي الأقراص المنومة”.

اقرأ أيضاً: مصير تونس مهم لأوروبا

وأشارت إلى أن “هناك فيديوهات تصل إلى عائلات المفقودين بين الحين والآخر، وتنقل رسائل من الشباب في السجون الإيطالية أو ملاجئ؛ لكن لم نلقَ أي تجاوب أو تحرُّك من جهات رسمية؛ للتحقيق في مصدر هذه الفيديوهات أو إيقاف مروجيها”.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

وفاء دعاسة

كاتبة صحفية تونسية

مقالات ذات صلة