الواجهة الرئيسيةترجماتثقافة ومعرفةمجتمعملفات مميزة

ما الذي يجذب الناس نحو نظريات المؤامرة؟

هل تؤمن بنظريات المؤامرة؟!

ترجمة كيو بوست –

نشرت صحيفة “يو أس إيه توداي” الأمريكية مقالة تتحدث فيها عن الأسباب النفسية التي تدفع الكثير من الناس إلى تصديقِ نظريات المؤامرة “مهما كانت حماقتها”؛ وأهمها “التحيّز المعرفي” الذي يجعل الفرد فريسة سهلة لتصديقها. وتستند الصحيفة في مقالتها إلى بحوثٍ علمية عدة في هذا المجال، وتؤكد أن علماء النفس لم يطلقوا العنان لأبحاثهم في هذه الظاهرة سوى منذ سنوات معدودة.

وفقًا لكثيرٍ من الإحصائيات الحديثة، هنالك “شبكات” من أناسٍ انفعاليين وعاطفيين وملتزمين في جميع أنحاء العالم، يعملون على تخريبِ بعض معتقداتنا العميقة جدًا، ويسعون إلى تخريبِ النظام العالمي المتوارث. يُطلق على هؤلاء الناس اسم “منظّري المؤامرة”. هؤلاء الأفراد يمشون بيننا، ويعيشون معنا، وربما يكونون أصدقائنا، أو جيراننا، أو حتى من أحبابنا، وقد نكون نحن منهم كذلك.

وبالرّغم من تفشّي نظريات المؤامرة وتغلغلها في مجتمعاتنا، إلا أن دراسة أسباب انجذاب الناس نحوها حقلٌ جديدٌ نسبيًا لدى علماء النفس. يقول جان ويليم فان برويجن، أستاذ مشارك في علم النفس الاجتماعي والتنظيمي في جامعة فو أمستردام، إن البحث في هذه الظاهرة لم ينطلق فعليًا إلا خلال السنوات السبع الماضية.

ووفقًا لأستاذيّ العلوم السياسية في جامعة شيكاغو، إيريك أوليفر وتوماس وود، فإن ما يقرب من نصف الأمريكيين يؤمنون بنظرية مؤامرةٍ واحدة على الأقل. وقد خلُصَت دراستهما التي أجرياها في عام 2014 إلى أن 19% من الأمريكيين يؤمنون بأن الحكومة الأمريكية هي من خططت لهجمات 11 سبتمبر، بهدف شنّ حربٍ في الشرق الأوسط؛ و24% من الأمريكيين يعتقدون بأن الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما لم يولد في الولايات المتحدة؛ و25% يعتقدون بأن المصرفيين في “وول ستريت” تآمروا للتسبّب في أزمة مالية حصلت عام 2008. وبالطبع، أعدادٌ كبيرة جدًا من هؤلاء يدركون عدم وجود أيّة أدلّة على أيٍّ من هذه النظريات.

ووفقًا لاستطلاعٍ أُجري عام 2013، فإن 61% من الأمريكيين لا يصدّقون النتائج الرسمية التي أصدرتها لجنة “وارن” بخصوص اغتيال الرئيس جون كيندي، والتي أفادت بأن “لي هارفي أوزولد” نفّذ الاغتيال منفردًا، دون أن يكون جزءًا من مؤامرة محلية أو أجنبية. وحتى في السنوات الأربع الماضية، لم تنخفض النسبة عن 50% في مختلف الاستطلاعات.

وحتّى الرئيس ترامب، فقد عبّر شخصيًا عن اعتقاده بمؤامرتين على الأقلّ من المؤامرات المذكورة أعلاه؛ فهو من أشدّ مناصري الادّعاء -العاري عن الصّحة- بأن أوباما لم يُولد في الولايات المتحدة. وفي حملته الانتخابية عام 2016، ألمَحَ ترامب إلى أن والد السيناتور “تيد كروز” كان على علاقة بـ”لي هارفي أوزولد” واغتيال الرئيس كينيدي. وبالإضافة إلى ذلك، قال ترامب في وقتٍ سابق إن تغيّر المناخ “خدعة صينية” تهدف إلى تدمير الولايات المتحدة.

 

“الجميع مشتبه بهم”

قد يكون منظّرو المؤامرة محافظين أو ليبراليين أو من أي طيف سياسي آخر، ذكورًا أو إناثًا، فقراء أو أغنياء، متعلمين أو أمّيّين.

يقول “فان برويجن” إن الدّماغ البشريّ يميل إلى الإيمان بنظريات المؤامرة الجذابة؛ إذ يتحمّس الناس إلى استخلاصِ النتائج، والتنبّؤ بالعواقب بناءً على البيانات الحسّية والمراقبة. ولكن في بعض الأحيان، تؤدي العمليات ذاتها إلى تبسيطٍ مفرط وإدراكٍ خاطئ من خلال ما يسمّيه علماء النفس “التحيّز المعرفي”.

ومن بين التحيّزات المعرفية التي تساهم في الانجذاب نحو نظريات المؤامرة، وفقًا لعلماء النفس، ما يلي: “التحيّز التأكيدي”: استعداد الناس لقبول التفسيرات التي تتناسب مع ما يؤمنون به مسبقًا؛ “التحيّز التناسبي”: الميل إلى الاعتقاد بأن الأحداث الكبيرة يجب أن يكون لها أسباب كثيرة؛ “إدراك النمط الوهمي”: الميل إلى رؤية علاقاتٍ سببية في الأحداث غير المرتبطة أصلًا.

وحسب دراسةٍ حديثة في جامعة ايلينويز، فإن الناس الذين يتمتعون بخبرةٍ في وسائل الإعلام الإخبارية أقلّ احتمالًا للاعتقادِ بنظريات المؤامرة. ووفقًا لمؤلفة البحث ستيفاني كرافت، من شأن معرفة أساسيات هيكل ومحتوى وتأثيرات الإعلام الإخباري أن تساهم في إنقاذ الفرد من الوقوع فريسة لنظريات المؤامرة، حتى وإن كانت تتماشى مع ميوله السياسية.

ويؤكّد “أوليفر” أن المؤشّر الأكبر لاحتمال قبول الفرد لنظريات المؤامرة هو درجة اعتماده على الحدس والتفكير التحليلي، فبهذا، “يطلق العنان لمشاعره الفيّاضة، ويعتمد عليها بشكلٍ أساسي، ويكون عرضةً للاستعارات والمجازيات، ويصبح فريسةً لأية نظرية مؤامرة تتماشى مع معتقداته السابقة”.

ومن بين الأسباب الأخرى التي دفعت الكثيرين إلى الانجذاب نحو نظريات المؤامرة، وفقًا لـ”فان برويجن”، هو أن هذه النظريات تخدم عملًا نفسيًا هامًا للأشخاص الذين يحاولون التعامل مع أحداثٍ كبيرة ومجهدة مثل الهجمات الإرهابية. وحسب دراسة حديثة، يميل الناس إلى تصديرِ قلقهم من خلال إلقاء اللّوم على مجموعاتٍ مختلفة، والنتيجة هي نظرية مؤامرة. وفي هذا السياق، يشير “فان برويجن” إلى أن القلق من “حدثٍ كبيرٍ” يدفع المرء نحو الاعتقاد “بأن هنالك مجموعة من الفاعلين يتآمرون سرًا من أجل الوصولِ إلى أهدافٍ شريرة وخبيثة”.

ووفقًا لدراسة في مجال علم النفس الاجتماعي أجريت عام 2017، ينجذب الناس نحو نظريات المؤامرة لحاجتهم إلى الشعور “بالتميّز” و “الانفراد”؛ ليمنحهم شعورًا بامتلاك المعرفة السريّة.

 

مؤامرات حقيقية

هنالك بعض المؤامرات تتحوّل إلى حقيقة واقعة في بعض الأحيان، مثل محاولةِ الرئيس نيكسون التّسترّ على “ووتر غيت”، وقيام إدارة ريغان ببيع أسلحةٍ لإيران بهدف تمويلِ متمردي كونترا في نيكاراغوا بشكل غير قانوني.

ولكن هذا ليس مبررًا للاعتقاد بنظريات مؤامرة لا يمكن أن نراها إلا في أفلام هوليوود، مثل فلميّ “المرشّح المنغولي” أو “اختلاف المنظر”. ففي هكذا أفلام، يوظّف المخرجون سيناريوهات تحاكي نظريات المؤامرة تمامًا، مثل قيام حكومةٍ أجنبيةٍ بتجنيد مئات المقاتلين المدربين الذين لا يخطئون أبدًا، على غرار جيمس بوند، ويقومون باغتيال رئيس بلدٍ ما. وهذا ما عجّت به نظريات المؤامرة إزاء اغتيال الرئيس جون كينيدي، إلا أن لجنة التحقيق وجدت في نهاية المطاف أن شخصًا واحدًا تورّط في الجريمة دون اشتراك أي جهة أجنبية أو محليّة.

 

مواقع التواصل الاجتماعي تجعل الأمور أسوأ

يتضح لنا وفقًا لآخر البيانات أن أعداد منظّري المؤامرة ازدادت بشكلٍ هائلٍ في مختلف دول العالم في أعقاب ظهور مواقع التواصل الاجتماعي، وبات من السهل تبادل وجهات النظر “التآمرية” وانتشارها بين الأفراد عبر هذه المنصّات. وهذا يبعث علينا القلق إزاء مستقبل أبنائنا العقلي تجاه ما يحصل من مختلف الأحداث.

وفي النهاية، يعتقد “فان برويجن” أن من شأن نظريات المؤامرة أن تقوّض الديمقراطية بشكلٍ كبير، وأن تؤدي إلى انعدام الثقة بين الناس، وفي نهاية المطاف، اشتباه البعض بالبعض الآخر، واعتبارهم “أعداء”.

 

وأنت، هل تؤمن بنظريات المؤامرة؟ هل تعتقد أن ما ذكر في المقالة صحيح؟ شاركنا الإجابة عبر التعليقات.

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة