الواجهة الرئيسيةترجماتشؤون دولية

ما الذي تفعله الصين في حديقة موسكو وأنقرة الخلفية؟ بكين في البحر الأسود والبلقان

كيوبوست

النظام العالمي يتغير، لم تعد القواعد الليبرالية التي أُسس عليها من بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، وانتهاء الحرب الباردة، محل إجماع من جميع فاعليه، والمقصود بالليبرالية هنا هي إحدى المدارس النظرية في العلاقات الدولية التي تشرعن النظام عبر تشجيع العمل عبر المؤسسات لحل الخلافات، وتسهيل انتقال رساميل الأموال والأفكار والبشر والبضائع عبر الحدود، واعتبار النظام في النهاية قائماً على قوة القانون الدولي، وليس قوة الإكراه العسكري والسياسي، هذه العقيدة الغربية بدأت بالتصدع في السنوات الأخيرة؛ لأسبابٍ عدة منها بزوغ قوة غير غربية استفادت مطولاً من النظام الدولي الليبرالي، وتعمل الآن بدأب لترسيخ مصالحها عبر الالتفاف حول قواعده.

اقرأ أيضاً: استراتيجية الصين الكبرىالاتجاهات والمسارات والتنافس طويل المدى

ولعل تحركات الصين الأخيرة في منطقة البحر الأسود والبلقان هي خير دليل على ذلك؛ وهي التحركات التي استدعت نشر تقرير من مركز “غلوبسيك” للأبحاث، والمتعاون مع جهاتٍ عدة؛ منها الأمانة العامة للاتحاد الأوروبي، لرصد التحركات الصينية، وتنبيه الأوروبيين لما يجب فهمه وعمله.

التحديات التي تواجه الاقتصاد الصيني متعددة

هناك تسليم بأن صعود الصين حتمي، وامتداد نفوذها في أقاليم أوروبا الأفقر حتمي أيضاً؛ فالصين في هذه اللحظة تتحكم بـ12% من إجمالي التجارة العالمية و15.5% من إجمالي ناتج الدخل العالمي، وهي تمتلك أكبر قاعدة صناعية في العالم؛ وهو الامتياز الذي ظل غربياً بشكلٍ حصري منذ اندلاع الثورة الصناعية في القرن التاسع عشر.

ورغم تباطؤ النمو السنوي للاقتصاد الصيني في السنوات الأخيرة؛ فإن الحزب الشيوعي نجح في تسخير موارد البلاد نحو ضمان مكان أكبر لها تحت شمس التنافسات الجيوسياسية في الخارج. ويشير التقرير إلى المعضلة التي تواجه الاتحاد الأوروبي في التعامل مع بكين؛ حيث إن الصين هي ثاني أكبر شريكٍ تجاري لدول الاتحاد من بعد الولايات المتحدة، مع استفادة أكبر تسجل لبعض الدول على حساب دولٍ أخرى؛ ولكن الاتحاد يصنف الصين كذلك بوصفها منافساً سياسياً واقتصادياً وأمنياً.

 اقرأ أيضاً: أصدقاء الصين قليلون.. ولا يعتمد عليهم!

وتجدر الإشارة إلى الدأب والنفس الطويل الذي يتحكم باستراتيجية الوجود الصيني في منطقة البحر الأسود والبلقان؛ حيث حرصت بكين على دمج دول المنطقة بقوة في مبادرة “حزام واحد- طريق واحد” إلى الحد الذي جعل التقرير يصف البحر الأسود والبلقان بـ”حصان طروادة” صيني ينوي اختراق الجسد الأوروبي.

الصين تسعى لبناء شراكات استراتيجية مع دول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا- وكالات

وعلى الرغم من دقِّ جرس المخاوف، فإن التقرير ينصح صناع القرار الأوروبيين بالتريث وانتظار مصائر اللعبة الجيوسياسية؛ حيث إن التمدد الصيني في هذه المناطق سوف يثير أولاً انتباه وقلق الدولتَين الأكثر قوةً بهما؛ ألا وهما روسيا وتركيا، اللتان لا تتمتعان بعلاقاتٍ دافئة مع الاتحاد الأوروبي في اللحظة الراهنة.

الصين وروسيا في البحر الأسود
حتى هذه اللحظة يتسم الوضع بمحدودية في التفاعل بين موسكو وبكين في إقليم البحر الأسود؛ وذلك نتيجةً للحذر الصيني من إثارة حفيظة روسيا، وبالذات في حال تكثيف التعاون مع أوكرانيا أو جورجيا، ومن الأرجح أن الحال ستبقى كما هي؛ حيث إن الصين لا ترغب الآن في نشر عباءتها العسكرية في هذه المناطق، كما أن روسيا تحاول قدر الإمكان المحافظة على نفوذها التقليدي هناك دون إعطاء أية إشارة إلى ضعف في قدراتها أو نيَّاتها؛ إذ إن ميزان القوى بينها وبين الصين آخذ في التمايل لصالح بكين بسرعة.

اقرأ أيضاً: كيف تنزلق الولايات المتحدة والصين نحو “دوامة أيديولوجية” وحرب باردة“؟

ورغم ذلك؛ فإن حضور الناتو بجوار هذه المناطق واحتمال تمدد عضويته هناك، قد يغير سياسة البلدين ويدفعهما نحو توسيع تعاونهما؛ حيث إن الصين سوف تفسر أي تمدد عسكري للناتو على أنه موجه ضد مبادرة “حزام واحد- طريق واحد”.

الصين أصبحت تهدد سيطرة أمريكا على عرش التجارة العالمية

أما روسيا فمن بعد ضمها شبه جزيرة القرم الأوكرانية، فإنها في موضع تحاول الموازنة فيه بين الغرب والصين؛ حيث لا تريد استطالة المواجهة الاقتصادية والسياسية مع الدول الغربية، وفي الوقت نفسه لا ترغب في توسع نفوذ بكين في منطقةٍ تعتبرها الحديقة الخلفية، رغم حاجتها إلى رؤوس الأموال الصينية.

اقرأ أيضًا: أنقرة تستنفر قواتها في “المتوسط” بعد اتفاق الترسيم المصري- اليوناني

ما يوحد البلدين هو رغبتهما في استقرار المنطقة؛ وذلك لتأمين النفوذ السياسي والأمني الروسي، أما الصين فهي تريد الآن توسيع شبكة الاتصالات والنقل التي تربط مبادراتها الاستثمارية مع هذه المنطقة؛ حتى يتحقق مخططها الكبير بالاتصال بأوروبا الغربية عبر سهوب أوراسيا دون الاضطرار إلى المرور تحت رقابة سفن البحرية الأمريكية المتمركزة في البحار والمحيطات.
لكن هناك قوة إقليمية أخرى على الصين أيضاً أن تحسب حسابها، وتأخذ حذرها تجاهها، وهي تركيا.

اقرأ أيضاً: الصين والولايات المتحدة في الشرق الأوسط بين التبعية والتنافس  (1)

الصين وتركيا في البلقان
أنقرة، وهي وريثة تقاليد عثمانية عريقة في صنع السياسة الخارجية، حاولت بذكاء أن تستخدم موسكو وبكين؛ كي توازن بهما الاتحاد الأوروبي والناتو في منطقة البلقان؛ لكن العائق الكبير الذي يُصعِّب ذلك هو الخط الشعبوي الذي اتخذه الرئيس التركي أردوغان بخصوص قضية الأويغور المسلمين في الصين؛ وهو ما أثار ضيق بكين، رغم فهمها استغلال أردوغان دعائياً هذه المسألة، وعدم جديته جيوسياسياً على الأقل.

أحد حقول الغاز في المتوسط – رويترز

موقف أنقرة من قضية الأويغور لم يمنع الحكومة التركية من طلب المزيد من الاستثمارات الصينية في مجالات البنية التحتية، النقل والمواصلات والطاقة والمعادن، سواءً داخل تركيا أو في المشروعات التي تقوم بها تركيا في البلقان. لكن الصين لا تزال حذرةً؛ حيث إن عضوية تركيا في حلف الناتو وتجذر وجودها في المؤسسات الغربية يثيران خوف بكين من احتمال أن تكون أنقرة تلعب على تناقضات المعسكرَين الصيني والغربي -إن صح التعبير- كي تخرج بأكبر قدر من المكاسب دون أن تتقيد بالكامل بالتزاماتها تجاه الصين.

كما أن الصين حتى الآن لا تزال تعتمد على الأراضي الروسية، كوصلة نقل رئيسية في مبادرتها للوصول إلى أوروبا، وهذا يخدم مصلحة التوسع الصيني التجاري في منطقة آسيا الوسطى من ناحية، وكذلك الاستمرار في إضعاف روسيا عندما يأتي الأمر لميزان التعاملات التجارية بين البلدين؛ وهو الوضع الذي تأمل الدول الغربية أن يستمر، حيث قد يؤدي ذلك إلى إحداث توتر بين بكين وموسكو مستقبلاً.

اقرأ أيضًا: إعلان أردوغان حول غاز البحر الأسود يخفق في إنقاذ الاقتصاد التركي

توصيات غربية
ويختتم التقرير بتوجيه عدة توصياتٍ؛ من بينها ضرورة قيام دول الاتحاد الأوروبي، وأمريكا بالذات، بتكثيف استثماراتها في مجال الطاقة في هذه الأقاليم التي تعاني عجزاً فيه، كما أن على الأوروبيين تطوير استراتيجيتهم الاقتصادية الخاصة بهم لمنافسة المبادرات الصينية، ولتسهيل دمج تلك الأقاليم في منظومة السوق الأوروبية، ولا غنى عن الجانب العسكري كذلك؛ حيث إن استراتيجية أمنية أوروبية يجب أن تأخذ بعين الاعتبار أن هذه الأقاليم قد تكون ساحات حربٍ مستقبلية،كما كان الوضع أثناء الحربَين العالميتَين.

المصدر: مركز “غلوبسيك” للأبحاث

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة