الواجهة الرئيسيةشؤون دوليةشؤون عربية

ما الذي تبحث عنه إيران في مالي؟

كيوبوست- عبدالجليل سليمان

لم تكن أسارير عبداللهي ديوب وزير خارجية مالي لتنفتح وتنبسط على جبينه، وتبدو على ملامحه علامات الفرح، لمجرد زيارة وزير خارجية دولة محاصرة مثل إيران لبلده، لولا أن المجلس العسكري الحاكم في باماكو يمر بذات التجربة، إذ يعاني عزلة دولية وإقليمية ضاربة.

إنها زيارة تبدو كـ”غناء العزلة للعُزلة”، فالمجلس العسكري في جمهورية مالي، لا يزال يراوح مكانه منذ استيلائه على السلطة، أغسطس 2020، وتشبثه بها، ورفضه تنظيم انتخابات وإعادة الحكم إلى المسار الديمقراطي الذي انقلب عليه، فيما تعاني البلاد فقراً مدقعاً، وتمدداً للحركات الجهادية المسلحة في شمالها، وعلى خواصر حدودها الرخوة مع الدول المجاورة، فيما إيران لا تبدو أفضل حالاً من حيث الحصار الدولي والإقليمي الذي يضرب أركانها منذ عقود، وها هي تجد في مالي موطئ قدمٍ لإعادة التموضع الشيعي في غرب إفريقيا الذي ابتدره رجل الدين الشيعي اللبناني عبدالمنعم الزين عندما حطّ رحالة منتصف 1969 في العاصمة السنغالية داكار؛ ومنها تمددت حركة التشييع إلى الدول المجاورة ولم تكن مالي استثناءً حيث يقدر عدد الطائفة الشيعية فيها بنحو 1% من إجمالي عدد السكان البالغ 11 مليون نسمة، ويتزعمهم رئيس جمعية حزب الرحمن محمد حيدرة.

 اقرأ أيضاً: مستقبل “مالي” بينَ مطرقة الجهاديين وسندان فاغنر

حط حسن أمير عبداللهيان رحاله في مالي كمحطة أولى لجولته في إفريقيا التي جاءت بدعوة رسمية من نظيره المالي عبداللهي ديوب، بحسب المتحدث باسم الخارجية الإيرانية “ناصر كنعاني” خلال مؤتمرٍ صحفي، الاثنين الماضي، لافتاً إلى أن جولة وزير الخارجية الإيراني “الإفريقية” تشمل مالي وتنزانيا وزنجبار.

الربح والخسارة

وفي مؤتمر صحفي مشترك بين وزيري خارجية البلدين، ندَّد أمير عبداللهيان بتدخل بعض الدول في الشؤون الداخلية لمالي، ودعمها الجماعات الإرهابية، مشيراً إلى أن ذلك سيؤدي إلى تعقيد الوضع الأمني في المنطقة، ويكرس حالة من عدم الاستقرار في جمهورية مالي، مضيفاً أن سياسة العقوبات ضد الدول لم تكن ناجحة، ولن تكون العقوبات ضد دولة مالي استثناءً.

مشهد من انسحاب آخر كتيبة من قوات برخان من مالي إلى النيجر المجاورة- وكالات

 من جهته، كشف وزير خارجية مالي، عبداللهي ديوب، عن التزام البلدين بتنفيذ مشاريع في إطار مصالحهما المشتركة، والعمل على تعزيز التبادل التجاري والاقتصادي والتكنولوجي بينهما، ورحب باقتراح إيران إنشاء مركز لنقل التكنولوجيا إلى مالي بمبادرة من عبداللهيان، كما تطرق إلى مشاريع مشتركة للتعاون في المجال الزراعي، وتربية الماشية، مؤكداً قدرة الجانبين على التوصل الى مستوى جيد من التعاون الثنائي في مجالات الصناعة والنفط وسائر القضايا ذات الاهتمام المشترك، وبما يقتضي تعزيز دور رجال الأعمال في هذا الصدد.

اقرأ أيضاً: مثلث الإرهاب.. عودة داعش إلى مالي والنيجر وبوركينا فاسو

إقامة في الخاصرة

محمود الدنعو

بالنسبة للباحث في الشؤون الإفريقية، محمود الدنعو، فإنّ زيارة عبداللهيان إلى مالي لم تكن مفاجئة، إذ بدأ الإعداد لها منذ 6 أشهر خلتْ، عقب زيارة قام بها نظيره المالي إلى طهران، إلَّا أن اختيار هذا الوقت بالتحديد بالتزامن مع انسحاب آخر جندي فرنسي إلى النيجر المجاورة يمثل “ضربة معلم” دبلوماسية بحسب تعبيره، حيث فيها رسالة قوية موجهة من طهران إلى باريس على وجه الخصوص، بأننا حاضرون وسنملأ الفراغ، ونقيم في خاصرتكم كما فعلت روسيا، حيث زار سيرجي لافروف وزير خارجيتها باماكو، مايو الماضي، وندَّد من هناك بما سماها العقلية الاستعمارية لفرنسا في الدول الإفريقية.

يواصل الدنعو، حديثه لـ”كيوبوست”، قائلاً: أهم ما في هذه الزيارة جاء على لسان وزير خارجية مالي، الذي صرح بوجود تقارب بين قيادتيّ البلدين في وجهات النظر في قضايا الأمن والسيادة الوطنية إزاء الضغوط الغربية التي تُمارس على البلدين، وفي ذلك إشارة واضحة إلى إمكانية أن يكون الهدف الرئيس من الزيارة هو التعاون العسكري والأمني، وهذا ما جاء في تسريباتٍ كثيرة ومتطابقة، أكَّدتْ أن إيران بصدد دعم الجيش المالي بالسلاح، والعمل على تدريبه وتأهيله.

اقرأ أيضاً: بعد الانسحاب الفرنسي.. كيف ستبدو خارطة الإرهاب في مالي والساحل؟

وهذا ما حدث مع روسيا أيضاً، حيث أكد لافروف إبان زيارته مالي، أن بلده مستعد لتوفير دعم لمالي من أجل رفع القدرات القتالية لقواتها المسلحة، وتدريب العسكريين وعناصر الشرطة، وأن موسكو ستواصل مدَّ مالي بالقمح والأسمدة العضوية والمنتجات النفطية، وهكذا يبدو أن المجلس العسكري الحاكم في مالي، وإن ظن إنه نجح في التخلص من عبء الوجود الفرنسي، فقد وقع تحت قبضة فاغنر والحرس الثوري، ولربما سينطبق المثل “كأنك يا أبا زيد ما غزيت” قريباً جداً، وقبل أن يرتد إليه طرفه، وفقاً لتعبير الدنّعو.

حاضرون رغم الحصار

وفي السياق، اعتبرت الصحافية والمحللة السياسية، أفراح تاج الختم، في حديثها إلى “كيوبوست”، زيارة عبداللهيان إلى باماكو، مخططة سلفاً بالتزامن مع انسحاب آخر جندي من قوة برخان الفرنسية من الأراضي المالية، لما تنطوي عليه من رسائل مصوبة بدقة نحو عدة جهات، أولها باريس والغرب عموماً، ثم الدول السنية الكبرى مثل السعودية وغيرها، مفادها نحن حاضرون رغم الحصار.

أفراح تاج الختِمْ

ويبدو -وفقاً لتاج الختم- أن تنسيقاً على مستوى عالٍ بين إيران وروسيا تم بخصوص هذه الخطوة التي هدفها الأساس هو إنقاذ المجلس العسكري الانقلابي في هذه الجمهورية الإفريقية الهشة من الانزلاق إلى الفوضى في ظلِّ الصراعات العرقية، وتمدد الحركات الجهادية المتمردة على خريطته، والعمل على دعمه وتقويته مقابل الحصول على مزايا وفرص غير مسبوقة في التنقيب عن الذهب واليورانيوم اللذين تزخر بهما مالي، وهذا ما تفعله مجموعة فاغنر الآن، بحسب المعلومات المتاحة.

اقرأ أيضاً: رحيل الرئيس المالي السابق “بوبكر كيتا”.. الرجل الذي ودع شعبه حقناً لدمائه

الزيارة أمنية وعسكرية في المقام الأولى، حيث أشار عبداللهيان إلى تعاون البلدين في مجال مكافحة الإرهاب، وقال إن مالي عانت من هذا الأمر، كما قدمت إيران العديدَ من الشهداء في مكافحة الإرهاب، ولديها خبرة كبيرة في هذا الشأن، وأشاد بالحكومة المالية الانتقالية، ووصفها بأنها تسير وفق سياسات وأجندة وطنية، وأن إيران ستدعم باماكو لتحقيق السلام والاستقلال، لكنها زيارة سياسية ودبلوماسية أيضاً، حيث أكد وزير خارجية مالي أنّ مصلحة البلدين تقتضي العمل معاً من أجل محاصرة التدخلات الخارجية، وأنهما سيدعمان ويعضدان المجالات المشتركة بينهما.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

عبد الجليل سليمان

مراسل السودان

مقالات ذات صلة