الواجهة الرئيسيةشؤون دولية

ما الدوافع خلف حملة الاعتقالات ضد عناصر الإخوان في السودان؟

أعمال فوضى وتخريب قادها فلول النظام السابق.. وأصوات تتعالى بضرورة إعادة هيكلة الأجهزة الأمنية المخترقة إخوانياً

كيوبوست- عبدالجليل سليمان

بينما كان رئيس الوزراء السوداني منخرطاً في مشاوراتٍ مكثفة مع الحاضنة السياسية لحكومته “قوى إعلان الحرية والتغيير” -وهي تجمع سياسي ونقابي ومدني لعب دوراً كبيراً في إسقاط نظام الإخوان المسلمين في أبريل 2019- لاختيار حكومة جديدة تضم طيفاً واسعاً من القوى السياسية، انطلقت احتجاجات عنيفة في عدة مدن سودانية؛ مثل القضارف وبورتسودان شرقي البلاد، والأُبيِّض ونيالا غربيها؛ تخللتها أعمال سلب ونهب وحرق طالت بعض المقرات الحكومية وممتلكات المواطنين والمحلات التجارية، ما دفع الحكومة لفرض حالة الطوارئ وحظر التجوال، وتعليق الدراسة إلى حين استباب الوضع الأمني.

وقالت الحكومة السودانية الانتقالية إن المظاهرات اتسمت بعنفٍ وفوضى غير مبررَين، تقف وراءهما عناصر من النظام المعزول، التي استغلت التعبير الشعبي السلمي للاحتجاج على غلاء المعيشة، للقيام بأعمال تخريبية من أجل إسقاطها.

اقرأ أيضاً: السودان خارج قائمة الإرهاب.. فهل ستعبر الحكومة الانتقالية به إلى بر الأمان؟

وبالتزامن مع إعلان حالة الطوارئ في أربعة أقاليم سودانية، قامت الأجهزة الأمنية بحملة اعتقالات واسعة شملت العشرات في كوادر حزب المؤتمر الوطني المنحل -الذراع السياسية للإخوان المسلمين- والذي تتهمه السلطات بالتخطيط لأعمال تخريبية وإرهابية خطيرة من أجل إضعاف الحكومة والإطاحة بالمرحلة الانتقالية؛ من أجل العودة إلى الحكم مرة أخرى.

جماعة الفوضى والفتنة:

وفي تعليقٍ على الأحداث الأخيرة التي صاحبتها حملة اعتقالات واسعة، وسط كوادر جماعة الإخوان المسلمين بالسودان، تحدثت الصحفية والمحللة السياسية ريتا مدني، إلى “كيوبوست”، قائلةً: ما تفعله جماعة الإخوان هذه الأيام من تخريب وحرق للأسواق، لهو عمل ممنهج ومخُطط له لخلق حالة من الفوضى والانفلات الأمني وممارسة المزيد من الضغوط على المواطنين، عبر إحداث حالة من الخوف والهلع؛ من أجل تقويض الحكم المدني.

ريتا مدني

تضيف مدني: لا تزال عناصر حزب المؤتمر الوطني تحلم بالعودة إلى السلطة، وإن كان ذلك يبدو ضرباً من المستحيل؛ فالشعب السوداني لن يسمح بعودتهم مرة أخرى بعد ثلاثين عاماً من القهر والفقر والحرب والتخلف.

واتهمت مدني ما سمَّتها باللجنة الأمنية لنظام البشير، التي لا يزال بعض كبار قادتها من ضباط الشرطة والأمن يشغلون مناصب عليا، بالوقوف وراء الأحداث الأخيرة، مشيرةً إلى تقاعس الشرطة في حماية المواطن وممتلكاته، معتبرةً أن هذا أوضح دليل على تآمرها على الوضع القائم.

اقرأ أيضاً: السودان يسحب الجنسيات من 3548 شخصاً غالبيتهم إخوان

تستطرد مدني: نعم، الوضع الاقتصادي خانق، والغلاء مستفحل ولا يُطاق، لكن ما حدث بشكل متزامن في عدة مدن سودانية كبرى من أعمال تخريبية، ووقوف الأجهزة الأمنية حياله موقف المتفرج والساخر، يشي  بتواطؤها مع عناصر النظام البائد في خلق حالة من الفوضى العارمة، ومن ثمَّ استغلالها لإسقاط المرحلة الانتقالية برمتها.

ولفتت مدني إلى مشاركة كوادر ما يُسمى بجهاز الأمن الطلابي الإخواني التابع للنظام السابق، في خلق هذه الحالة؛ من أجل إكمال مخططهم لإفلات قادتهم المعتقلين من المحاسبة.

أما قرار القبض على الأعضاء النافذين في حزب المؤتمر الوطني ومحاسبتهم، فقد جاء متأخراً جداً رغم أنه كان مطلباً ثورياً منذ البداية؛ لكن الشراكة التي تمت مع الجانب العسكري الذي يضم كوادر من الإخوان المسلمين أدَّت إلى تقاعس كبير في القضاء على ذيول التنظيم الإرهابي البائد.

إحراق مقرات حكومية بمدينة نيالا- غرب السودان- وكالات

النيابة في الخط

وفي السياق ذاته، أصدرت النيابة العامة نحو (77) أمر قبض؛ تنفيذاً للبلاغ  رقم 1977/ 2021 المدوَّن من قِبل لجنة تفكيك نظام البشير، وإزالة التمكين في مواجهة عناصر الإخوان المسلمين المتورطين في أحداث النهب والحرق والفوضى الأخيرة، والهادفة إلى عرقلة عملية الانتقال الديمقراطي.

كما أصدرت لجنة تفكيك نظام الثلاثين من يونيو 1989 واسترداد الأموال العامة، التابعة لمجلس السيادة السوداني، تعميماً بذلك موجهاً إلى ولاة الولايات ورؤساء لجان تفكيك نظام الثلاثين من يونيو، للعلم والإحاطة واتخاذ ما يلزم من تدابير مع الجهات المختصة.

النائب العام السوداني

وفي هذا الصدد، أكد مصدر مقرب من الحكومة الانتقالية، وجود أدلة وإثباتات قاطعة على تواطؤ الأجهزة الأمنية؛ خصوصاً الشرطة، في الأحداث الأخيرة. وأشار الصحفي منعم سليمان، في صفحته الرسمية على موقع التواصل الاجتماعي، إلى أن المعلومات الأمنية -للجنة إزالة التمكين- تفيد أن ما يحدث من سيولة أمنية في البلاد مخطط له من قِبل الحزب المنحل، بقيادة عنصر الإخوان الهارب، وزير الخارجية وقائد قوات الدفاع الشعبي في نظام البشير “علي كرتي”، وبتواطؤ مع منسوبي الجماعة داخل قيادة الشرطة في المركز والولايات، وأن الأجهزة الأمنية تبحث عنه؛ من أجل توقيفه وتقديمه للعدالة.

اقرأ أيضاً: الرئيس المصري في جنوب السودان.. زيارة مهمة في وقت لافت

هيمنة إخوانية على الأجهزة الأمنية

من جهته، اعتبر نائب رئيس تحرير صحيفة “السوداني”؛ المحلل السياسي ياسر عبدالله، في إفادته التي خصّ بها “كيوبوست”، أن الاعتقالات الأخيرة لكوادر النظام البائد لن تكون ذات جدوى ما لم يتم إصلاح الأجهزة الأمنية، لافتاً إلى أن بطء خطوات تحقيق العدالة أدى إلى وجود بعض أعضاء حزب المؤتمر الوطني المنحل في المعتقلات منذ سنتين، دون تقديمهم إلى محاكمات، وعدّ ذلك من كبرى الثغرات التي يتسلل منها عناصر النظام البائد لخلق حالة من الفلتان الأمني، كما حدث في بعض الولايات.

ياسر عبدالله

يضيف عبدالله: “أمر آخر مهم في هذا السياق؛ وهو أن الوثيقة الدستورية الحاكمة للمرحلة الانتقالية أقرَّت بوجوب إعادة هيكلة الأجهزة الأمنية؛ خصوصاً أن أكثر من 95% من قادتها الحاليين يتبعون للنظام السابق، ويدينون له بالولاء الأيديولوجي، لكن للأسف لم يتم ذلك حتى الآن، وها هي النتيجة”.

اقرأ أيضاً: وزير الخزانة الأمريكي في الخرطوم.. كلمة السر في اتفاقيات أبراهام!

هذا الجهاز، حسب عبدالله، يحتاج إلى إعادة صياغة بالكامل، ورغم أنه تم إعفاء بعض قياداته؛ فإنه لا يزال موالياً -بقضه وقضيضه- للنظام السابق. وقد تحدثت شخصياً إلى بعض ضباطه في الانفلات الأمني الأخير، فكانوا يرددون دائماً: لقد طالب الشعب بالحكم المدني، وها هو، فليتحملوا نتيجة ذلك؛ طالما حصروا مهمتنا في جمع المعلومات وتحليلها فقط؛ ما يشير إلى تواطؤ واضح لا ريب فيه ولا شك.

يختم عبدالله: ما حدث في بعض المدن السودانية تتحمل الأجهزة الأمنية الحالية مسؤوليته المباشرة، ويجب أن تخضع للمحاسبة؛ لقد تأخرت خطوات العدالة، ما أتاح لعناصر النظام البائد التحرك بقوة ووضع العراقيل أمام الحكومة الانتقالية والتحول الديمقراطي ودولة المؤسسات، فلا بد الآن، من وجهة نظري، من إعادة هيكلة الأجهزة الأمنية وإعادة تشكيلها على أُسس مهنية فقط.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

عبد الجليل سليمان

مراسل السودان

مقالات ذات صلة