الواجهة الرئيسيةترجماتصحة

ما الأضرار النفسية للعزل الاجتماعي في زمن الكورونا؟

الشعور بالوحدة يختلف عن العيش وحيدًا

كيوبوست – ترجمات

خلال مؤتمر صحفي عُقد في البيت الأبيض مؤخرًا، سأل بيتر ألكسندر، مراسل شبكة “إن بي سي نيوز”، الرئيس ترامب، عن الخسائر النفسية الناجمة عن أزمة تفشِّي فيروس “كوفيد-19″، قائلًا: “هناك ما يقرب من مئتَي قتيل، و14 ألف مريض، وملايين الخائفين كما شهدنا، فماذا تقول للأمريكيين الذين يشاهدونك الآن وهم يشعرون بالخوف؟”. فرد ترامب قائلًا: “أقول إنك صحفي سيئ، هذا ما أقوله. أعتقد أنه سؤال بغيض جدًّا، وأعتقد أنه إشارة سيئة للغاية تطرحها على الشعب الأمريكي”.

اقرأ أيضًا: أزمة “كورونا” العالمية في عصر ما بعد الحقيقة!

وعلى مدى أسابيع بدا الرئيس غافلًا عن حجم تهديد فيروس كورونا، والآن يبدو متحجر القلب تجاه القلق المتصاعد بين الأمريكيين وجاهلًا عن فسيولوجيا الخوف بعد انقضاء أسبوع لم يسبق له مثيل في التاريخ الأمريكي؛ حيث أُغلق قسم كبير من البلاد، وتوقَّف الاقتصاد، وقيل للملايين إن عليهم أن يبقوا في منازلهم.

وفي يوم السبت، اعترف حاكم نيويورك، أندرو كومو، بالضغوط النفسية والاجتماعية “الكبيرة” التي تفرضها هذه الأوقات المتقلبة. وقال: “الناس يعانون مع المشاعر بقدر ما يعانون الاقتصاد”. وناشد الأطباء النفسيين وعلماء النفس والمعالجين الراغبين في التطوع للمساعدة في إنشاء شبكة لتقديم المساعدة في مجال الصحة العقلية للذين يشعرون بالقلق أو المنعزلين.

مخاطر نفسة وجسدية

وقد اجتاح فيروس كورونا الجديد الكرة الأرضية في وقت حيث أصبح عدد الناس الذين يعيشون وحدهم أكثر من أي وقت مضى في تاريخ البشرية؛ إذ أصبح هذا الاتجاه ملحوظًا في أوائل القرن العشرين، بين الدول الصناعية؛ وقد تسارعت تلك الوتيرة في فترة الستينيات. وفي الولايات المتحدة، تضاعفت تلك الأرقام تقريبًا على مدى نصف القرن الماضي. ووَفقًا لموقع الأبحاث “أور وورلد إن داتا”، ارتفعت نسبة الأُسر التي تتكون من شخص واحد إلى 28% بعد أن كانت تلك النسبة 23% عام 1980. وقد تمثِّل ستوكهولم ذروة هذا الاتجاه. ففي عام 2012، كانت 60% من الأُسر في المدينة السويدية تتكون من شخص واحد.

البقاء في المنزل لتقليل أخطار انتشار فيروس كورونا

وإذا كان بوسعنا جميعًا محاكاة شخصية توم هانكس في فيلم “كاست أواي”، الذي نجا فيه لمدة 4 سنوات بينما كان عالقًا في جزيرة نائية مع كرة طائرة لها وجه رسمه بالدماء التي كانت تلطخ يدَيه ولقَّبها باسم “ويلسون”، فإن العلم يُظهِر لنا أن القلق والعزلة يؤثران تأثيرًا فيزيائيًّا على القوى العقلية.

اقرأ أيضًا: دراسة أمريكية تؤكد أن العاملين بالتمريض أكثر عرضةً للانتحار من غيرهم

ويؤكد المتخصصون أن الوحدة تزيد من خطر التعرض إلى الإصابة بالأمراض، عن طريق التسبب في ارتفاع ضغط الدم ومعدلات ضربات القلب، والهرمونات والإجهاد والالتهاب بين الأشخاص الذين قد لا يمرضون في الظروف الطبيعية. ويمكن أن يزيد الشعور بالوحدة لفترات طويلة من معدلات الوفيات. ففي عام 2015، نشرت جوليان هولت لونستاد، وهي عالمة أعصاب وإخصائية نفسية في جامعة بريجهام يونج، تحليلًا لسبعين دراسة شملت 3.4 مليون شخص، بحثت تأثير العزلة الاجتماعية والوحدة والعيش وحيدًا.

اقرأ أيضًا: “كورونا” في إيطاليا.. هل ما زلنا قادرين على التضحية؟

وكانت النتائج جديرة بالذكر في ضوء الوباء المتفشِّي اليوم؛ حيث خلصت الدراسات إلى أن الشعور بالوحدة زاد من معدل الوفيات المبكرة بنسبة 26%، كما أدَّت العزلة الاجتماعية إلى زيادة معدل الوفيات بنسبة 29%، والعيش وحيدًا بنسبة 32%، وذلك بغض النظر عن عمر الشخص أو جنسه أو موقعه الجغرافي أو ثقافته. ولعل تداخل التحديات المتعددة في أثناء أزمة كورونا في مجالات الصحة والتوظيف والمنزل والقدرة على الوصول إلى الموارد قد أدى إلى حدوث تقارب شديد في الظروف التي تزيد بشكل كبير من خطر الاكتئاب والاضطرابات النفسية الناجمة عن الصدمات، أو المرتبطة بمناطق الحرب أو العنف البدني.

أطفال يلعبون مرتدين الكمامات

وتشير الدراسات إلى أن العواقب الصحية للوحدة لفترات طويلة تعادل تدخين 15 سيجارة في اليوم، ويمكن أن تؤدي هذه الحالة إلى الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية والسكتة الدماغية أو السمنة أو الوفاة المبكرة. بينما خلصت دراسة أجرتها كلية الطب بولاية فلوريدا عام 2018 إلى أن الوحدة تزيد من خطر الإصابة بالخرف بنسبة 40%، كما أنها تزيد أيضًا من خطر الإصابة بالاكتئاب، الذي ينطوي على مخاطر أخرى خاصة به.

اقرأ أيضًا: الشعر كوسيلة للتواصل وتحسين الحالة النفسية والصحية  

كائنات بطيئة التعلم

وفي قارات العالم المختلفة، أظهر الناس براعةً في إجراء الاتصالات الافتراضية عبر منصات “زووم” و”سكايب” و”فيسبوك”، فضلًا عن منصات رقمية أخرى، منذ انتشار فيروس كورونا عالميًّا في فبراير الماضي. وهناك مواقع ألعاب؛ حيث يمكن للأصدقاء التنافس بعضهم مع بعض بشكل افتراضي من خلالها، وكذلك نوادٍ افتراضية؛ حيث ينشر الأشخاص مقاطع فيديو يرقصون فيها على الأغنية نفسها.

اقرأ أيضًا: ماذا تعرف عن الاكتئاب.. وما أسرع الطرق لعلاجه؟

ولكن على المدى الطويل، فإن اللجوء إلى الأجهزة لموازنة الضغط الناجم عن التباعد الاجتماعي والعزلة ستصبح نتائجه ضئيلة؛ حيث قال أحد الأطباء النفسيين: “سوف يتجلَّى ذلك فينا على صورة توتر؛ إذ نصبح مرضى بأشياء أخرى، أو نصبح سريعي الغضب، أو ربما لا تنجح تلك الأجهزة معنا بعد الآن”، مشيرًا إلى أن البشر لديهم حاجة ماسة إلى التواصل، وأن أدمغتنا قد تعلمت من دروس التطور الوحشية أن “العزلة الاجتماعية هي حكم بالإعدام”.

استخدام التكنولوجيا كحل بديل عن اللقاءات المباشرة

وقد يكون هناك نتاج فرعي إيجابي واحد للوباء كما يقول إمي روكاش، عالم النفس السريري بجامعة يورك في كندا: “أعتقد أنها نعمة أن تُصاب البشرية في العالم الغربي بهذا المرض”. فخلال القرن الماضي، تركزت حياة الإنسان بشكل متزايد على المال والممتلكات المادية؛ الأمر الذي أدى، لا سيما مع التكنولوجيا، إلى إهمال العلاقات الإنسانية. وأضاف: “الآن وقد علقنا في المنزل فجأة، فإن أفضل وسيلة للنجاة، نفسيًّا وبيولوجيًّا، هي التفاعل مع الناس بأية وسيلة متاحة”.

شاهد: فيديوغراف…”كورونا” يواصل حصد الأرواح ولا علاج حتى الآن

ويؤكد روكاش أن “الوحدة تجربة لا نختارها، وهي دومًا مؤلمة”؛ لكنه لا يعتقد أن شيئًا سيتغيَّر بعد أن تنتهي العزلة الاجتماعية ونخرج من مأزق كورونا؛ حيث يقول: “نحن جنس بطيء التعلم رغم أن تقوية علاقتنا بالآخرين من خلال التواصل البشري الحقيقي يمكن أن تساعد في حماية صحتنا وإنقاذ عقلنا”.

المصدر: نيويوركر

اتبعنا على تويتر من هنا

 

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة