الواجهة الرئيسيةشؤون دولية

ما الآثار المحلية والخارجية المدمرة للفساد التركي؟

انتقل أردوغان في عام 2014 من رئاسة الوزراء إلى رئيس الجمهورية.. وتراجعت معه البلاد في نفس العام خمس درجات إلى الخلف في مؤشر الفساد

كيوبوست

في عام 2016، تسبَّب انقلابٌ غير ناجح في تركيا في مقتل أكثر من 300 شخص وجرح أكثر من 2100، كما تعرَّض عدد من المباني الحكومية المهمة؛ كالبرلمان والقصر الرئاسي، إلى قصف جوي. في تلك الليلة المضطربة، قال فصيل من الجيش إنه “استولى على السلطة لحماية الديمقراطية من الرئيس رجب طيب أردوغان”. كما كان “تجاهل حقوق الإنسان”، و”تصاعد الإرهاب”، و”الفساد والسرقة” من بين عدة مبررات أخرى للانقلاب.

وفي حين أن بعض المحللين السياسيين يقولون إن محاولة الانقلاب كانت مجرد تمثيلية دبَّرها أردوغان للتخلص من خصومه، فإن كلتا الروايتَين تفوح منهما رائحة الفساد؛ إذ إن كان الانقلاب حقيقياً فهو لم يأتِ من فراغ، بل بسبب الفساد المُستشري فعلاً تحت رئاسة أردوغان، وإن كان الانقلاب مجرد مسرحية فهذا يجعل من أردوغان أكثر فساداً واستبداداً.

الفساد في أبسط تعاريف هو إساءة استخدام السلطة لتحقيق مكاسب شخصية. على سبيل المثال لا الحصر، كشف تسجيلٌ مسرَّب زعم أنه لحوار بين أردوغان وابنه بلال في عام 2014 عن امتعاض أردوغان، الذي كان حينها رئيساً للوزراء، من مبلغ الرشوة القليل الذي عرضه عليه رجل أعمال يُدعى سديكي أيان، والبالغ 10 ملايين دولار.

اقرأ أيضاً: غسيل الأموال في تركيا وتهديد الأمن الدولي

انتقل أردوغان في عام 2014 من رئاسة الوزراء إلى رئيس الجمهورية، وتراجعت معه البلاد في نفس العام خمس درجات إلى الخلف في مؤشر الفساد مقارنة بعام 2013، واستمرت في التراجع، أي أصبحت أكثر فساداً، في معظم السنوات اللاحقة، وبمستويات مختلفة حسب تقارير منظمة الشفافية الدولية.

يقوِّض الفسادُ الثقةَ في الحكومات ويضعف الديمقراطية، تمثَّل بعضٌ من آثار ذلك في تركيا في قمع الاحتجاجات السلمية، كتلك التي حدثت في عام 2013، والتي عُرفت كأكبر حركة احتجاج في البلاد في التاريخ الحديث؛ حيث انضم نحو 2,5 مليون مواطن إلى التجمعات المناهضة للحكومة.

أحد المحتجين في عام 2013- قناة العالم

تقويض الحريات

تعتبر السيطرة على وسائل الإعلام أحد مظاهر قمع حرية التعبير والديمقراطية أيضاً، وقد قامت الحكومة بتسريع تحركاتها لفرض سيطرتها على وسائل الإعلام في السنوات الأخيرة، وفي بعض الأحيان إتاحتها للاستحواذ من قِبل شركات موالية للسياسات التركية؛ على سبيلِ المثال، استحوذت شركة قطرية غامضة في عام 2008 على “صباح إيه تي في”؛ وهي ثاني أكبر مجموعة إعلامية في تركيا، تمت عملية الاستحواذ من خلال شركة “كاليك القابضة”، وهي الشركة التي شغل صِهر أردوغان، بيرات البيرق، منصب الرئيس التنفيذي فيها من 2007 حتى 2013.

يشغل البيرق حالياً وزير الخزانة والمالية التركي، كما شغل منصب وزير النفط والموارد الطبيعية، وقد عُرف عنه التهرُّب الضريبي، وكذلك ارتباطه بتهريب الوقود إلى جماعات إرهابية في سوريا والعراق، وهو مثال على آلية عمل الفساد في الظل وكيفية إعاقته التنمية الاقتصادية؛ حيث غالباً ما يتم تمكين الفساد بمساعدة المصرفيين والمحامين والمحاسبين ووكلاء العقارات، والأنظمة المالية غير الشفافة والشركات الوهمية المجهولة التي تسمح لمخططات الفساد بالازدهار والفساد لغسيل وإخفاء الثروات غير المشروعة.

شاهد: فيديوغراف.. اقتصاد تركيا يتهاوى مع اقتراب الانهيار

ولعل فضيحة عام 2013 أحد أبرز الأمثلة على الفساد في تركيا وآثاره المحلية والخارجية؛ حيث كشفتِ الفضيحة عن تورط الكثير من المرتبطين بحزب العدالة والتنمية في الرشوة وغسيل الأموال وتهريب الذهب. كان أردوغان من بين من تحوم حولهم التُّهم والشكوك؛ حيث كشفت تسجيلات مُسرَّبة أخرى، زُعم أنها لمحادثةٍ بينه وبين ابنه، عن توجيهاته بالتخلص من ملايين الدولارات كانت مخبأة في منزله، في الوقت الذي يبحث فيه المحققون في منازل أقارب ثلاثة وزراء في حكومته، وذلك قبل توليه منصب رئيس الجمهورية.

ومن بين أشهر المتهمين في فضيحة 2013 كان كلٌّ من مدير بنك “خلق” التركي المملوك للدولة؛ سليمان أصلان، وتاجر الذهب الإيراني التركي رضا ضراب. تم إطلاق سراح أصلان وضراب في عام 2014، إلا أنه تم اعتقال رضا ضراب في الولايات المتحدة في عام 2016، واتُّهم، إلى جانب سليمان أصلان وآخرين، بالتآمر لاستخدام النظام المصرفي الأمريكي في إجراء تحويلات بمئات ملايين الدولارات بالنيابة عن حكومة إيران، وكيانات إيرانية أخرى، تشملها العقوبات الأمريكية، والكذب على المسؤولين الأمريكيين حول هذه التحويلات وغسيل الأموال والاحتيال على عدة مؤسسات مالية.

فساد عابر للحدود

لم تكن مساعدة إيران على الالتفاف على العقوبات الأمريكية سوى واحدةٍ من عدة صور للفساد التركي العابر للحدود، والمقوِّض للأمن المالي والسلم العالمي؛ ففي عام 2015، وكمثالٍ آخر صغير، واجهتِ الحكومة التركية دعوات بالاستقالة على إثر فضيحة سياسية عسكرية تتعلق بتزويد منظمة الاستخبارات الوطنية الأسلحةَ لجماعاتٍ إسلامية متشددة تقاتل في الحرب السورية. وفقاً للتقارير والشهادات القضائية، فإن شرطة الدرك التركية حاولت تفتيش عدة شاحنات كانت متجهة إلى سوريا أواخر 2013 وبداية 2014، إثر بلاغ أفاد أنها تحمل أسلحة بشكل غير قانوني، إلا أنه تمت عرقلة التفتيش واتهام العشرات من ضباط الدرك المنخرطين في التفتيش بتهم مثل التجسس العسكري ومحاولة الإطاحة بالحكومة.

الرئيسان التركي والإيراني- “رويترز”

إن الإنفاذ الفعال للقانون والحدّ من الإفلات من العقاب هو أول خطوة مهمة لمكافحة الفساد، وذلك بالإضافة إلى العديدِ من الخطوات الأخرى؛ مثل التعليم الشامل الذي يركِّز على غرس ثقافة الشفافية والمحاسبة والمساءلة بين الشباب، وحتى موظفي الخدمة المدنية والقادة السياسيين. تُدرك جميع الدول أهمية مثل هذه الخطوات لمكافحة الفساد؛ ولكن بعضها يتغاضى عنها، بل ويعرقلها؛ ولعل من بين التصرفات التركية غير الواضحة هو إقالة 2745 قاضياً، وإلغاء تراخيص 21000 مُعلِّم في المؤسسات الخاصة، وتعليق عمل 15000 من موظفي التعليم خلال حملة الاعتقالات الجماعية التي قادتها الدولة عقب انقلاب عام 2016. يعتقد بعض المراقبين أن تلك الخطوات لم تكن سوى لتمكين الفساد من خلال قمع جذور تعزيز النزاهة وتعطيل سيادة القانون.

اقرأ أيضاً: مستقبل النفوذ الإقليمي لتركيا وإيران في الوطن العربي

لا يؤدِّي الفساد سوى إلى إدامةِ الفقر وإعاقة الاقتصاد والاضطرابات السياسية وحتى الثورات، ويمكن أن يتخطى الفساد الحدودَ، كفساد التحايل على العقوبات وغسيل الأموال وتهريب الأسلحة، كما حدث بين تركيا وإيران وسوريا والعراق. وبالنظر إلى انخراط أنقرة في عِدة صراعات أخرى في ليبيا واليمن، فإن ما خَفِي من الفساد المدمّر يبدو أعظمَ بكثير مما تم كشفه وتداوله؛ وهو ما يهدد باضطراب تركيا والمِنطقة اقتصادياً وسياسياً وأمنياً.

اتبعنا على تويتر من هنا

 

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة