الواجهة الرئيسيةثقافة ومعرفةشؤون دولية

ما أسباب ارتفاع نسبة الاكتئاب في ألمانيا؟

إلهام الطالبي- برلين

“كنت أخشى الخروج، ولم أكن أستطع فتح الباب، لم أتمكن من إجراء مكالمة هاتفية”، هكذا تصف الممثلة الألمانية ومقدمة البرامج، ميلكا لوف فيرنانديس، تجربتها مع الاكتئاب.

“إنه الشعور بعدم القدرة على القيام بذلك مرة أخرى، الذهاب إلى التسوق أصبح أمراً مستحيلاً، إعداد فنجان القهوة إنه مستحيل، الاستحمام.. عندما يرن الهاتف، يكون الأمر صعباً، يا إلهي، شخص ما يريد التواصل معي”. يسرد الكاتب توبي كاتس معاناته مع الاكتئاب.

اقرأ أيضًا: أكثر 20 دولة في العالم عرضة للمشاكل الصحية

واحد من كل خمسة أشخاص بالغين في ألمانيا، عانى من الاكتئاب مرة واحدة على الأقل في حياته، النساء أكثر من الرجال، حسب قناة NDR الألمانية.

“أنا لست هنا والآن”

“من الصعب وصف الاكتئاب بالكلمات، من الصعب شرح ذلك، بالنسبة لي، الاكتئاب هو عندما يتوقف جهاز قراءة العالم، الذي لدينا جميعًا في عقولنا عن العمل بشكل صحيح”. يقول بنيامين ماك، الصحفي والمؤلف.

“كنت أخشى الخروج، ولم أكن أستطع فتح الباب، لم أتمكن من إجراء مكالمة هاتفية”، هكذا تصف الممثلة الألمانية ومقدمة البرامج، ميلكا لوف فيرنانديس، تجربتها مع الاكتئاب- مصدر الصورة (غيتي)

“لا يمكنني التحكم في الأفكار التي تجتاحني، كلها سلبية تقول سارة سبيكر، “أنا لست هنا، والآن أنا إما أعاني من أفكار الماضي، وإما أخشى المستقبل”.

تتحدث سارة عن نفسها “أنا سارة سبيكر، 37 عاماً، أعيش في ساورلاند، وأحب الطبيعة، ولهذا أحب العيش فيها”.

اقرأ أيضاً: هل أصبح المرض العقلي وباءً عالميًّا؟

يسأل الصحفيُّ سارة لماذا لم تقدم نفسها مستخدمة صفتها الوظيفية، كما يفعل كثيرٌ من الناس عادة، ترد، “لا تمثل الوظيفة تعريفًا بالنسبة لي، لهذا السبب أعتقد أنها دائماً شيء لا يجب أن أتحدث عنه في التعريف”.

“كان يمكنني حينها أن أرمي نفسي من الجسر على الفور”

تعمل سارة في مشروع الرقمنة في شمال الراين، ودرست علوم الكمبيوتر والتكنولوجيا. لحظة محورية في حياتها، تتذكرها قائلة: “كنت أخطِّط مع صديقي في ذلك الوقت للذهاب إلى منزل والدي في ساورلاند لتناول الطعام، ثم أتيحت لي بضع ساعات من الراحة خلال النهار، وهذا ما جعلني أشعر بالضيق حقاً، لم أكن أعرف ماذا أفعل بنفسي على الإطلاق”.

في الأسابيع التالية، تحكي سارة، إنها لا تستطيع التركيز على أي شيء، وهي لا تهدأ، تضيف في حديثها لدويتشه فونك كولوتوغ “ثم حصلت على موعد مع طبيب نفسي بسرعةٍ كبيرة، تحدث معي ثم عالجني بالأدوية”.

“إنه الشعور بعدمِ القدرة على القيامِ بذلك مرةً أخرى، الذهاب إلى التسوق أصبح أمراً مستحيلاً، إعداد فنجان القهوة إنه مستحيل، الاستحمام.. عندما يرنُّ الهاتف، يكون الأمر صعباً، يا إلهي، شخصٌ ما يريد التواصل معي”. هكذا يصف الكاتب توبي كاتس معاناته مع الاكتئاب- (صورة شخصية)

سيطرت على سارة حينها أفكارٌ سلبية، تقول في هذا الصدد: “في الواقع، كان يمكنني حينها أن أرمي نفسي من الجسر على الفور”. وتضيف في ذات السياق “كان هناك شعور بالإرهاق التام، حتى الأشياء البسيطة مثل تشغيل الغسالة أو الذهاب للتسوق كانت مرهقة”.

عادة ما يتم تحديد الاكتئاب من خلال ثلاثة أعراض رئيسية: الحالة المزاجية السيئة، والفتور، وفقدان الاهتمام.

“لا يستطيع الكثير من الناس تحمل المعاناة”

هناك أيضاً عددٌ من الأعراض الأخرى المصاحبة له؛ مثل اضطرابات النوم والتركيز، والتعب من الحياة، والتفكير بالانتحار، يمكن أن تستمر لبضعة أسابيع أو أشهر، ويمكن أن تعود في أي وقت.

اقرأ أيضًا: “اضطراب ثنائي القطب”.. المرض الأشد فتكًا في العالم

يعرّف أولريش هيغرل، رئيس منظمة الألمانية لدعم الأشخاص المكتئبين، الاكتئاب على النحو التالي: “من الأمراض الشائعة والخطيرة، والتي غالبًا ما تهدد الحياة، وحوالي ثمانية بالمائة من السكان البالغين في ألمانيا يعانون من الاكتئاب الذي يتطلب العلاج كل عام، الخطير أنه في الاكتئاب لا يستطيع الكثير من الناس تحمل المعاناة ومحاولة الانتحار أو الانتحار”، حسب تصريحه لموقع دويتشه فونك كولوتغ.

لكن كيف يمكن لشخصٍ مثل سارة، التي لم تعش أية صدمة في حياتها أو صراعات أن تصاب فجأة بالاكتئاب. يقول أولريش هيغيرل: “جميع أنواع التغييرات في الدماغ التي تتزامن مع المرحلة الاكتئابية من المرض”، ويتابع: “الكثير من التغييرات، حيث لا يعرف المرء بالضبط: ما هو السبب، وما هي العواقب؟”

يعرّف أولريش هيغرل، رئيس منظمة الألمانية لدعم الأشخاص المكتئبين، “الخطير أنه في الاكتئاب لا يستطيع الكثير من الناس تحمل المعاناة ومحاولة الانتحار أوالانتحار”، الصورة (بيتر إينديش)

يوضح هاينز شوت، أستاذ التاريخ الطبي المتقاعد في حواره مع دويتشه فونك كولتوغ، أن “الظواهر التي نربطها بالاكتئاب اليوم قديمة قدم التاريخ الطبي”. أول دليل مكتوب على هذا موجود بالفعل في العصور القديمة، وتحمل اسماً مختلفاً، “المصطلح الكلاسيكي هو الحزن، وهو مشتق من الكلمة اليونانية “ميلان”، الأسود، و”كولي”، الأصفر.

“كان لدى المرء اعتقاد أن ميلان كولي، عندما تسيطر على الدماغ فهي تؤدي إلى تعتيمه، ومن خلال السواد تأتي الأفكار السيئة أو الاكتئاب”.

حياة الفرد والاكتئاب

ويقول يورجن مارغراف، وهو أستاذ علم النفس والعلاج النفسي في جامعة الرور في بوخوم، “إن مناقشات الطبيب والمريض حول تشخيص الاكتئاب عرضة للأخطاء، لماذا؟ لأن المناقشة التشخيصية غالبًا ما تتناول فقط على فترة زمنية محددة”.

اقرأ أيضاً: ماذا تعرف عن الاكتئاب… وما هي أسرع الطرق لعلاجه؟

وحسب أستاذ علم النفس، في حواره مع دويتشه فونك كولتوغ، “عادة ما يرجع ذلك إلى قصة حياة الفرد الكاملة، الحقيقة هي أن ما يصل إلى 50 في المائة من الأشخاص الذين تم تشخيصهم في النهاية بالاكتئاب، يعانون من هذه المشاكل منذ سن 14”.

يمكن أن يساعد النظر إلى تاريخ الحياة والظروف المعيشية للأشخاص المصابين بالاكتئاب في تفسير المرض. وقدم علم النفس متعدد الثقافات، على وجه الخصوص، دليلاً على ذلك في السنوات الأخيرة.

تقول عالمة الاجتماع والأنثروبولوجيا الثقافية أمينة تريفيسان، “لقد كنت أتعامل مع الخلفيات الثقافية للأشخاص المصابين بالاكتئاب لسنواتٍ”. وتؤكد من خلال أبحاثها على دور الكراهية التي تعرض لها المهاجرون في سويسرا منذ الخمسينيات، بما في ذلك والداها.

سارة سبيكر: “نحن نعيش في نظام المنافسة، ونحن ندرك فقط أنه في اللحظة التي نفشل فيها بطريقةٍ ما، يمكنهم استبدالنا”- (د ب أ)

نظام المنافسة والاكتئاب

تقول أمينة تريفيسان في حوارها مع دويتشه فونك كولتوغ: “إن التعامل مع الجوانب العاطفية لتجارب العنصرية من منظور المتضررين أمر ضروري لفهم اكتئابهم، لا ينبغي تجاهل العنصرية أو حتى التقليل من شأنها كعامل خطر على الصحة العقلية”.

ضعف الشخصية، وإلقاء اللوم على الذات، الخطيئة، غالباً ما يبحث المصابون بالاكتئاب عن الأسباب في سوء سلوكهم أو عجزهم الشخصي.

تتمنى سارة سبيكر اليوم أيضاً أن تكون أكثر انفتاحاً، لكنها كانت دائما مشغولة، بعد تشخيص إصابتها بالاكتئاب، بدأت العلاج، وتعمل على نفسها، وتتابع مسيرتها المهنية.

اقرأ أيضاً: العلاقة بين العمل ليلاً والإصابة بالأمراض

تقول سارة: “كان هناك شعور كبير بالضغط من الخارج نتيجة لذلك، اكتسبت شعوراً داخلياً بالضغط لن ألوم أحداً على الإطلاق”.

وتضيف “لقد جئتُ من بيئة أكاديمية، حتى الأقارب البعيدين، هناك عدد كبير جداً منهم أكاديميون.. في مرحلةٍ ما، انهرت في العمل، ولم يعد بإمكاني التركيز على الإطلاق، ولم أعد أستطيع التفكير بوضوح”. تتابع سارة “نحن نعيش في نظام المنافسة، ونحن ندرك فقط أنه في اللحظة التي نفشل فيها بطريقة ما، يمكنهم استبدالنا”.

مشاكل في الصورة الذاتية

وفقاً لـ لمنظمة مساعدة المكتئبين في ألمانيا، يعاني واحدٌ من كل خمسة موظفين في ألمانيا من الاكتئاب.

تيل هوبر أستاذ زائر في جامعة هامبورغ، متخصص في تصوير الأمراض العقلية في الأدب، يعمل مع إيمانويل نوفر من جامعة كوبلنز-لانداو على مختاراتٍ حول هذا الموضوع. يقول في حديثه لدويتشه فونك كولتوغ: “إن الاكتئاب كان يزدهر في الأدب منذ حوالي 20 عاماً، يمكن العثور على مثال على هذه النظرة الداخلية الكئيبة في عمل بنيامين ماك”.

تناول الكاتب الألماني بنيامين ماك تجربته مع الاكتئاب في كتاباته- الصورة (د ب أ)

وحسب بنيامين ماك، يصعب تفسير الاكتئاب، حتى بالنسبة للمصابين به، يقول: “كل واحدٍ منا يروي قصة حياته، تستيقظ نوعاً ما في الصباح وتردد: مرحبًا، لدي أطفال، لدي وظيفة رائعة، وهذا أمر منطقي نوعًا ما، إنه لطيف، لدي أصدقاء… بمجرد ظهور الاكتئاب، يفقد الناس القدرة على ذلك”.

يقول بنيامين ماك، مثل سارة سبيكر، إنه أيضاً حاول دائمًا العمل في كل شيء، لقد أراد أيضاً أن يكون شخصاً يمكن للجميع الاعتماد عليه، ولا يتسبب في أية مشكلات.

يقول نوفر: “أعتقد أن هناك الكثير من هؤلاء المكتئبين المقبولين اجتماعياً الذين يعملون بجدٍّ بشكل لا يصدق لأن لديهم مشاكل في الصورة الذاتية أيضاً، لكن بعد ذلك ربما لن يكونوا سعداء حقًا أبداً”.

تشعر سارة سبيكر بنفس الطريقة “على أية حال، أشعر بخيبة أمل، الغضب، شعور بالخجل”.

اقرأ أيضًا: الجانب المظلم للإبداع: قلق واكتئاب ثم انتحار!

 أطلق عالم الثقافة البريطاني مارك فيشر على هذه الظاهرة اسم “خصخصة الضغط”. فيشر الذي عانى من الاكتئاب، وانتحر في عام 2017، رأى أن السبب الرئيسي يرجع إلى تمجيد المسؤولية الشخصية.

بالنسبة لألمانيا، تُظهر بيانات من شركات التأمين الصحي أن عدد حالات تشخيص الاكتئاب يزداد سنوياً، خاصة بين الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و19 عاماً. يقول الباحث الأدبي تيل هوبر: “في مرحلةٍ ما، يؤدي ذلك إلى هذه الذات المنهكة”.

لكن بدلاً من مقاومة هذا الضغط معاً، يحاول الجميع التعامل معه قدر الإمكان عبر دورات في إدارة الوقت، والتدريب المهني، والركض واليوغا ضد الشعور بعدم الكفاءة في مجتمعٍ يحدد الأفراد من خلال العمل، والإنجاز، والنجاح الوظيفي.

المصادر: القناة الألمانية NDR & موقع دويتشه فونك كولتوغ

اتبعنا على تويتر من هنا

 

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

إلهام الطالبي

كاتبة صحفية مغربية

مقالات ذات صلة