الواجهة الرئيسيةشؤون دولية

مالي بين انقلاب العسكر وحراك “5 يونيو”.. لصالح من تميل الكفة؟

رغم تأكيد قادة الانقلاب استعدادهم لاحترام الاتفاقيات الموقعة.. فإن الضبابية التي تكتنف فكر وأيديولوجيا الانقلابيين تدفع الجزائر وفرنسا إلى التدخل دبلوماسياً لإنقاذ ما يمكن إنقاذه وإبعاد المنطقة عن الفوضى

كيوبوست- علي ياحي

تحركت الرمال من تحت أقدام الرئيس المالي أبو بكر كيتا، بعد إقدام شخصياتٍ من الجيش على تنفيذ عملية انقلابية وضعت البلاد ومنطقة الساحل على صفيح ساخن. وفي حين تُعتبر دول الجوار المتضرر الأول، تبقى الجزائر وفرنسا المعنيين بالأحداث.

لذلك سارع وفد من المجموعة الاقتصادية لغرب إفريقيا لزيارة باماكو، وكانت المجموعة العسكرية الحاكمة في استقباله، ويقود الوفدَ الرئيس النيجيري الأسبق غودلاك جوناثان، الذي يرافقه رئيس مفوضية المجموعة جان كلود كاسي برو، ووزير خارجية النيجر كالا أنكوراو؛ لبحث تداعيات ومستقبل العملية السياسية في مالي.

وأمام نُصب الاستقلال في باماكو، استقبلت الحشود بفرح، يوم الجمعة، مالك دياو، الرجل الثاني في “اللجنة الوطنية لإنقاذ الشعب” التي شكَّلها الانقلابيون، والتي ستشرف على مرحلة انتقالية مدنية تفضي إلى تنظيم انتخابات رئاسية وتشريعية، لم يُحدد موعدها بعد.

قادة الانقلاب خلال إعلانهم تشكيل لجنة وطنية لخلاص الشعب تشرف على مرحلة انتقالية مدنية
إدريس آيات

وأكد الضباط أن جميع الاتفاقيات الدولية التي وقَّعت عليها مالي سيتم احترامها، وأنهم على استعداد للتعاون والتنسيق مع بعثة حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة، ومع القوات الفرنسية التي تشرف على عملية “برخان” لمحاربة الإرهاب، والقوة العسكرية المشتركة لمجموعة دول الساحل الخمس. كما أكدوا التزامهم باتفاق السلام الموقع في الجزائر بين الحكومة المالية والحركات المسلحة.

اقرأ أيضاً: بين فرنسا وتركيا.. أيهما تدعم الجزائر في ليبيا؟

سقوط النظام

ووَفق أستاذ العلوم السياسية بجامعة الكويت، النيجيري إدريس آيات، فإن ما حدث في دولة مالي هو سقوط النظام. وأكد، في تصريحٍ أدلى به إلى “كيوبوست”، وجوب عدم ارتكاب أخطاء السودان ومصر، وعلى القوى المدنية ترتيب كل شيء لحكومة مدنية لا تكون حليفة لفرنسا، مضيفاً أنه “يخشى من سرقة معاناة وتعب ومسيرات الشعب الذي عانى دفاعاً عن مالي والإمام محمود ديكو”، قائلاً: إنه مع بداية الحراك، كانت الأصوات تطالب بتبديل رئيس الوزراء بآخر، وحل البرلمان والمحكمة الدستورية، ولم يكن ضمنها إسقاط الرئيس؛ “لكن الرئيس كيتا فضَّل الاستماع إلى فرنسا بدلاً من شعبه، فانتهى بالسقوط”.

توقيع وزير خارجية تركيا مولود تشاووش أوغلو اتفاقيات عسكرية مع النيجر منذ شهر

وطرح الانقلاب عديداً من التساؤلات؛ خصوصاً أنه جاء بعد أقل من شهر على وجود استراتيجي لدولة تركيا في المنطقة، حيث وقَّع وزير خارجيتها مولود تشاووش أوغلو، اتفاقيات عسكرية مع النيجر، وسط حديث عن إقامة قاعدة عسكرية على الحدود مع ليبيا، وذلك خلال جولة شملت 3 دول إفريقية؛ هي توغو وغينيا الاستوائية، إضافة إلى النيجر التي حظي في عاصمتها نيامي، باستقبال الرئيس محمد يوسفو.

اقرأ أيضاً: مستقبل مرتزقة تركيا بعد هدوء الأوضاع في ليبيا يقلق الجزائر

علي ربيج

وفي السياق ذاته، أوضح أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية، علي ربيج، في حديث إلى “كيوبوست”، أن السياسة الخارجية التركية في عهد حكم “العدالة والتنمية”، عرفت تطوراً كبيراً، وباتت وَفق استراتيجية جديدة تبحث عن التموقع في عديد من مناطق العالم، وإفريقيا من بينها، فرغم وجودها بقوة في ليبيا؛ فإنها انتقلت إلى المتوسط لتحقيق مصالح اقتصادية، ومواجهة منافسَيها اليونان وفرنسا، لافتاً إلى أنها اتجهت بعيداً باقتحام مناطق السيطرة والتحكم المباشر لفرنسا، و(أخص بالذكر منطقة الساحل).

وحذَّر ربيج من أن استمرار غياب الاتحاد الإفريقي، وأيضاً دول الجوار الفاعلة؛ مثل الجزائر، يفتح المجال أمام مثل هذه الدول لرسم مستقبل المنطقة، متوقعاً أن يشتد الصراع الفرنسي- التركي بمنطقة الساحل، “فهما بصدد تصفية حساباتهما التاريخية والأيديولوجية والاقتصادية والسياسية على حساب معاناة الشعوب”، مضيفاً أن تركيا تضغط على فرنسا من خلال ما تقوم به من أجل الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، أو أنها في حالة رد فعل على رفض انضمامها.

منطقة الساحل في مواجهة حركات التمرد وانتشار الأسلحة ونشاط المهربين والجماعات الإرهابية

متغيرات جيوسياسية

ويضع الوضع في مالي منطقة الساحل أمام تحديات كبيرة، مع حركات التمرد وانتشار الأسلحة ونشاط المهربين، وخطورة التنظيمات الإرهابية؛ الأمر الذي يجعل اتفاقية الجزائر للسلم والمصالحة بين الماليين، وأيضاً عملية “برخان” العسكرية الفرنسية لمحاربة الإرهاب في الساحل، أمام مفترق طرق.

اتفاق الجزائر للسلم والمصالحة بين الماليين

ورغم تأكيد قادة الانقلاب استعدادهم لاحترام الاتفاقيات الموقعة؛ فإن الضبابية التي تكتنف فكر وأيديولوجيا الانقلابيين تدفع الجزائر وفرنسا إلى التدخل دبلوماسياً لإنقاذ ما يمكن إنقاذه وإبعاد المنطقة عن الفوضى، خصوصاً أن الشعب المالي خرج منذ مدة إلى الشوارع في مظاهرات يقودها الداعية الإسلامي محمد ديكو، تطالب بتنحية الرئيس أبو بكر كيتا، ورحيل القوات الفرنسية، وإعادة الاعتبار إلى القبائل والمناطق الشمالية التي تعاني التهميش.

الأمين العام لتحالف الإعلاميين والحقوقيين الأفارقة، بكي بن عامر، يعتبر، في تصريح أدلى به إلى “كيوبوست”، أن ما حدث في مالي لم يكن انقلاباً عسكرياً، وإنما تمرد أشعله جنود قاعدة “كاتي” الذين انتفضوا من أجل تحسين الوضع وصرف التعويضات وإقرار علاوات وُعِدوا بها، لافتاً إلى أن تزامن التمرد مع اعتصامات حركة “5 يونيو” حوَّله إلى انقلاب في صيغة إجبار الرئيس على الاستقالة وحل المؤسسات؛ لذلك يعتبره زعماؤه “انتفاضة شعبية”، وليس انقلاباً عسكرياً.

اقرأ أيضاً: زيارة “ليفي” إلى غرب ليبيا تفضح مخططات تركيا و”الوفاق” وتشوش على مبادرة “الجزائر- تونس”

وختم ابن عامر، قائلاً: إن الوضع مرتهن بجانبَين؛ الأول داخلي ويتعلق بحراك “5 يونيو” بقيادة الداعية محمود ديكو، الذي قد يعود إلى اعتصاماته في حال قرر المجتمع الدولي إعادة نظام الرئيس كيتا إلى الحكم، بينما يرتكز الجانب الآخر على الخارج؛ خصوصاً المجموعة الاقتصادية لغرب إفريقيا، ثم الأمم المتحدة وفرنسا والاتحاد الإفريقي.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة