الواجهة الرئيسيةشؤون دولية

ماليزيا بين الأحزاب الإسلامية والإنجاز الاقتصادي

كيوبوست – فؤاد العسيري

يُشَكِّل المسلمون 61% من سكان ماليزيا، والإسلام هو الدين الرسمي للاتحاد الماليزي؛ ولكن التشريعات والقوانين تعتمد على القانون الإنجليزي العام (Common law legal system of England and Wales)، ولا تطبق على المسلمين سوى مسائل الأسرة وبعض الشعائر الدينية. ذلك كان دائمًا يفتح تساؤلًا لم يُحسم حتى الآن عن هوية ماليزيا؛ هل هي إسلامية أم علمانية؟ وبين ما تدَّعيه وتدعو إليه الأحزاب الإسلامية والتيارات الدينية وبين التنوع الديموغرافي في ماليزيا. بدأ نشاط الجماعات الإسلامية في ماليزيا عام 1980، وكان دورها محصورًا في الدعوة؛ ولكن من الواضح أن ماليزيا مثلها مثل عديد من الدول قلَّلت من تقدير تطور أجيال هذه الجماعات الإسلامية على الرغم من التطور الاقتصادي التي حققته خلال العقود الماضية. لكن ربما لأن شعب الملايو؛ خصوصًا المناطق الريفية، لم يحظَ بنفس الدرجة من التطور والتنمية مثل المدن الكبرى حتى بعد السياسة الاقتصادية التي أعادت توزيع الفرص نحو مجتمع الملايو ذي الأغلبية والمحروم اقتصاديًّا. هذا التوجه لإعادة التوازن بين العرقيات الإثنية في البلاد دون النظر إلى الكفاءة شكَّل بداية استقطاب بين الهوية الإسلامية المالاوية والمجتمعات الصينية والهندية للأقلية غير الإسلامية؛ خصوصًا بعد الدعم الذي تلقته الهوية المالاوية من قِبَل حزب المنظمة الوطنية الماليزية المتحدة “أمنو UMNO”.

اقرأ أيضًا: قمة كوالالمبور الإسلامية تعكس حجم الطموحات التركية والماليزية

نجحت سياسات مهاتير محمد الاقتصادية، خلال الثمانينيات والتسعينيات، في رفع نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي إلى 10,800 دولار بحلول 2015؛ ولكن هذه السياسة لم تكن ناجحةً تمامًا أو قادرةً على الصمود، فقد تأثَّرت بالأزمة المالية عام 1997، والتي أدَّت إلى صراع بين مهاتير ونائبه أنور إبراهيم، انتهى بسجن الأخير حتى عام 2004، كما أن الفضائح السياسية التي أحاطت برئيس الوزراء نجيب، منذ الانتخابات الفيدرالية عام 2013، أسهمت في تجزئة الهوية المالاوية وإضعافها. بعدها بدأ الإسلام السياسي يأخذ طورًا جديدًا؛ فقد لعب “UMNO” بالورقة العنصرية، وعززت الأيديولوجية العنصرية المالاوية للحزب واستغلت الاختلافات العرقية والدينية بين الأيديولوجيات العلمانية في الحزب الديمقراطي التقدمي الصيني، والتزام المتحالفين الإسلاميين مع “UMNO” بتعزيز حدود الشريعة على المستوى الفيدرالي. غير أن الصراعات والفضائح في “UMNO” جعلته يخسر الشرعية الأخلاقية والسياسية التي كان يقدمها عن الإسلام المعتدل، فنشأت تيارات متشددة تطالب بتطبيق نسخة متشددة بعيدة عن الاعتدال “المزعوم” على لسانها، وتجلَّى ذلك بأن طالب حزب الملايو الإسلامي الأكثر تشددًا (Pan-Malayan Islamic Party PAS) صراحةً بتطبيق الشريعة بحذافيرها في كل الاتحاد؛ وهو الذي سيطر تاريخيًّا على الحكومات المحلية في الولايات الشمالية من الاتحاد الماليزي.

الإسلاموية العالمية موجودة في ماليزيا منذ زمن -على الأقل بين التيارات الدينية وليست بالضرورة منتشرةً في الشعب المالاوي- وقد شارك كثير من الماليزيين كمجاهدين في أفغانستان في الثمانينيات، كما شارك المئات منهم في الدول الإسلامية في العراق والشام “داعش”، كما ورد في تقرير “USAID” لعام 2016 المتعلق بإندونيسيا وماليزيا. كل ذلك لم يؤثر على علاقة ماليزيا بالولايات المتحدة التي تتمحور حول تحالف اقتصادي وأمني قوي. فقد حرصت ماليزيا -خارجيًّا على الأقل- على تأكيد مصداقيتها في مكافحة الإرهاب، بينما يعتقد أن نفس المجهود لا يُبذل داخليًّا في بعض شرائح مجتمع الملايو، وذلك ربما لاعتبارات داخلية تتعلق بالمنافسة السياسية الداخلية؛ وهو ما لا تهتم له الإدارة الأمريكية كثيرًا باعتبارها حليفًا قويًّا لماليزيا ما دام لا يتعارض مع مصالح الولايات المتحدة الأمريكية العسكرية والاقتصادية في شرق آسيا، وذلك ضمن الصراع السياسي في مواجهة الصين. على الرغم من الأداء القوي نسبيًّا لـ”PAS” في الانتخابات الماليزية؛ فإن احتمال وصول أي حزب إسلامي راديكالي مثل “PAS” إلى السلطة ضئيل؛ بسبب زيادة الوعي بين السكان المسلمين عمومًا في جنوب شرق آسيا، خصوصًا بعد الحملة العالمية على الإرهاب ومحاربة “داعش”، وبسبب تشكيلة البرلمان ذي الـ222 مقعدًا المؤلف من أحزاب أخرى غير إسلامية؛ حيث يشكِّل حزب “PAS” 18 مقعدًا فقط، و39 مقعدًا من نصيب “UMNO”، بينما بقية الـ155 موزعة بين أحزاب أخرى قومية وعلمانية؛ وهي معارضة للتوجهات الإسلامية، نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر حزب السكان الأصليين الماليزي المتحد “Malaysian United Indigenous Party”، بنصيب 26 مقعدًا، وحزب غاجاسان سيجاهتيرا “Gagasan Sejahtera”، بنصيب 18 مقعدًا. من الأرجح أن يبقى دور تلك الأحزاب الإسلامية محصورًا في السيطرة على بعض الحكومات المحلية وبل ربما تبقى غير سياسية مستقبلًا وينحصر دورها اجتماعيًّا فقط. وتبقى العوامل الاقتصادية هي المحرك الأهم بين التيارات السياسية والعلاقات مع الدول الخارجية في ماليزيا.

اقرأ أيضًا: هل سيُحلّل مهاتير محمد “أخونة” ماليزيا ويقضي على التعددية فيها؟

اقتصاديًّا، حافظت ماليزيا على نمو اقتصادي بنسبة 4.6% في المئة في عام 2019، مدعومًا بالنمو القوي المستمر في الاستهلاك الداخلي، وفي ظل ظروف سوق العمل المستقرة. لكن ورد في تقرير البنك الدولي بتاريخ 1 أكتوبر 2019 أن الضعف في قطاع الصادرات الخارجية من المرجح أن يستمر على المدى القريب، مع تزايد الشكوك المحيطة بالبيئة الخارجية وتخفيف الطلب العالمي على الإلكترونيات والمنتجات الكهربائية؛ وهي أهم صادرات ماليزيا، مما يحد من نمو الصادرات. وقبل عدة أيام، قَبل العاهل الماليزي استقالة رئيس الوزراء مهاتير محمد، الصادمة له؛ لكنه أعاد تعيينه كزعيم مؤقت بعد انهيار التحالف الحاكم في اضطراب سياسي كبير بعد أقل من عامَين من فوزه التاريخي في الانتخابات. وقد قال خبير اقتصادي في أعقاب الاستقالة المفاجئة لمهاتير محمد، رئيس الوزراء، أمس: “إن الاضطرابات السياسية الحالية في بوتراجايا (العاصمة الإدارية الجديدة لماليزيا منذ عام 1999) قد تدفع الاقتصاد الماليزي إلى مزيد من التباطؤ؛ ولكن فقط إذا طال أمد عدم الاستقرار. وقد أثرت حالة عدم اليقين والاستقرار السياسي بالفعل على الفور على بورصة ماليزيا؛ حيث قدرت (The Edge Malaysia) في 24 فبراير الجاري، أنه تم فقدان أكثر من 43 مليار رينجيت ماليزي؛ بسبب انسحاب عدد كبير من المستثمرين من السوق”. وقال أيضًا الاقتصادي تان سري رامون نافاراتنام: (إن الصراع السياسي المستمر داخل الكتل السياسية المشكلة من عدة أحزاب؛ مثل تكتل”Pakatan Harapan” وتكتل “Barisan Nasional”، سيصدم بالتأكيد اقتصاد البلاد كما يتضح من انخفاض سوق الأسهم، وذلك عندما فتح صباح يوم 24 فبراير). وقال أيضًا في Malay Mail في تاريخ 25 فبراير: “عدم اليقين وعدم الاستقرار هما من أسوأ العقبات التي تعترض النمو الاقتصادي لأي بلد، وهناك بالفعل علامات على التباطؤ؛ بسبب الوضع الاقتصادي العالمي وفيروس كورونا الجديد، مما عزز آثار الاضطراب السياسي”. وفي الوقت نفسه، يدعو عديد من المنظمات غير الحكومية علانيةً إلى إجراء انتخابات عامة جديدة أو مفاجئة؛ لأن تجربة مهاتير التي استمرت 18 شهرًا وحكومته فشلتا في تجاوز وحل الصراعات السياسية والتباطؤ الاقتصادي”.

ماليزيا إحدى أهم وجهات السفر السياحية في العالم – أرشيف

الوضع السياسي في ماليزيا ليس واضحًا على الإطلاق الآن؛ حيث لا يمكن لكثيرين قراءة رأي مهاتير محمد حتى بعد الاستقالة وتكليفه مؤقتًا. لكن من المرجح أن يقوم مهاتير بتشكيل ائتلاف جديد مع أحزاب أخرى في المعارضة ولا يتم استبعاد تحالف مع الحزب المسيطر في المعارضة؛ وهي المنظمة الوطنية الماليزية المتحدة (UMNO). لا يمكن أيضًا استبعاد احتمال إجراء انتخابات جديدة إذا استمر الجمود السياسي لفترة طويلة. ولكن قد يكون الائتلاف الجديد مع مهاتير على رأس السيناريو الأكثر ترجيحًا لرجل الدولة الأكثر خبرةً في السياسة الماليزية؛ بسبب الإنجاز الاقتصادي الذي تحقق خلال العقود الماضية، وهو المطلوب حاليًّا لإنقاذ البلاد من التباطؤ الاقتصادي.

  • كاتب سعودي 

المراجع:

  1. Politics of Malaysia. (2020, February 21). Retrieved February 26, 2020, from https://en..org/wiki/Politics_of_Malaysia
  2. The Rise of Islamism and Single-Party Rule in Malaysia. (2016, August 2). Retrieved February 26, 2020, from https://www.mei.edu/publications/rise-islamism-and-single-party-rule-malaysia
  3. Islamism In Malaysia: Politics As Usual? (2017, September 27). Retrieved February 26, 2020, from https://www.hoover.org/research/islamism-malaysia-politics-usual
  4. INDONESIAN AND MALAYSIAN SUPPORT FOR THE ISLAMIC STATE. (2016, January 6). Retrieved February 26, 2020, from https://www.globalsecurity.org/military/library/report/2016/PBAAD863.pdf
  5. The Arab Spring and Islamist activism in Southeast Asia: Much ado about nothing ?. (2015, August). Retrieved February 26, 2020, from https://www.brookings.edu/wp-content/uploads/2016/07/Southeast-Asia_Liow-FINALE.pdf
  6. Malaysian King Accepts Mahathir’s Resignation Amid Upheaval. (2020, February 23). Retrieved February 26, 2020, from https://www.nytimes.com/aponline/2020/02/23/world/asia/ap-as-malaysia-politics.html
  7. World Bank maintains Malaysia’s 2019 economic growth at 4.6%. (2019, October 10). Retrieved February 26, 2020, from https://www.thestar.com.my/business/business-news/2019/10/10/world-bank-maintains-malaysia039s-2019-economic-growth-at-46
  8. As political intrigue wipes RM43b from stock market, could an extended crisis hit the economy? (2020, February 25). Retrieved February 26, 2020, from https://www.malaymail.com/news/malaysia/2020/02/25/as-political-intrigue-wipes-rm43b-from-stock-market-could-an-extended-crisi/1840574
  9. Malaysia’s Mahathir’s resignation comes at the worst time for the economy. (2020, February 24). Retrieved February 26, 2020, from https://think.ing.com/articles/malaysias-leadership-crisis-comes-at-worst-time-for-the-economy/

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة