الواجهة الرئيسيةشؤون دوليةشؤون عربية

ماكرون إلى باماكو.. الرئيس الفرنسي في متاهة مالي

كيوبوست – عبدالجليل سليمان  

بينما تشهد العلاقات بين باريس وباماكو توتراً غير مسبوق، أعلن قصر الإليزيه، الأربعاء 15 ديسمبر الجاري، أن الرئيس إيمانويل ماكرون، سيتوجه، الإثنين 20 ديسمبر، إلى جمهورية مالي، غرب إفريقيا؛ حيث يلتقي للمرة الأولى الرئيس الانتقالي الكولونيل أسيمي غويتا، قبل أن يتوجه إلى مدينة غاو شمال البلاد؛ للاحتفال بعيد الميلاد مع جنوده المرابطين بالقاعدة العسكرية الفرنسية هناك.

بلغت العلاقات الفرنسية- المالية ذروة توترها عقب إطاحة انقلاب عسكري بالرئيس المنتخب إبراهيم بوبكر كيتا، أغسطس 2020. ومع تولي الجنرال غويتا مقاليد الحكم في باماكو 7 يونيو 2021 رئيساً انتقالياً للبلاد، زادت درجة التوتر مع إعلان فرنسا انتهاء عملية برخان في الساحل، وما أعقب ذلك من اتهام رئيس وزراء مالي، شوغيل كوكالا مايغا، باريس، أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، بالتخلي عن بلاده في منتصف الطريق. أعقب ذلك تصعيد فرنسي إزاء ما سمته بتهديدات المجلس العسكري المالي الحاكم بالاستعانة بخدمات مجموعة فاغنر الروسية شبه العسكرية التي يُعتقد في علاقتها بالرئيس بوتين.

اقرأ أيضاً: دلالات وتداعيات إنهاء عمليات “برخان” ضد الجهاديين في منطقة الساحل

فاغنر والانتخابات

وسط هذه الأجواء بالغة التعقيد والتشابك، سيحل ماكرون ضيفاً على غويتا في باماكو، الإثنين المقبل؛ لذلك توقع مراقبون أن الاجتماع بين الرئيسَين سيكون حاسماً؛ خصوصاً أن ماكرون سيتسلم في يناير المقبل الرئاسة الدورية للاتحاد الأوروبي، حيث تتضمن أجندته تكريس فرقة العمل الأوروبية (تاكوبا)؛ لتصبح الآلية المستقبلية لمحاربة الإرهاب في منطقة الساحل الإفريقي.

جانب من قمة إيكواس الأخيرة في أبوجا- المصدر (تربيون أفريكا)

وكان الرئيس الفرنسي أعلن، يونيو الماضي، إعادة الانتشار العسكري الفرنسي في مناطق تيساليت، تمبكتو، وكيدال، شمالي مالي، وصولاً إلى تقليص القوة العاملة في المنطقة بحلول 2023 إلى ما بين (2500 و3 آلاف) جندي، والتركيز على تعزيز قُدرات الجيش المالي الحكومي.

محمود أبو بكر

وفي هذا السياق، أشار المحلل السياسي والصحفي محمود أبو بكر، في حديثه إلى “كيوبوست”، إلى أن مجموعة فاغنر الروسية والانتخابات القادمة، ستمثلان رأس الأجندة التي يتوقع أن يناقشها ماكرون مع الجنرال غويتا؛ خصوصاً مع تأكيد زعماء دول المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا (إيكواس)، خلال القمة التي التأمت بالعاصمة النيجيرية، 12 ديسمبر، ضرورة إجراء انتخابات في مالي بحلول 22 فبراير 2022. وهددت القمة المجلسَ العسكري الانتقالي الحاكم بعقوبات إضافية حال تنصله عن الإيفاء بتنظيمها في موعدها المحدد.

يذهب أبو بكر إلى أن البند الأكثر أهمية في أجندة ماكرون إلى باماكو، هو المتعلق بالوجود الروسي في مالي، ممثلاً في مجموعة فاغنر، والعمل على إخراجها من المنطقة وإعادة مالي إلى النفوذ الفرنسي مرة أخرى، وهذا ما يفسر رمزية اختياره القاعدة الفرنسية في منطقة غاو، مكاناً للاحتفال بعيد الميلاد مع جنوده.

اقرأ أيضاً: هل يصنع “طباخ بوتين” من ثروات إفريقيا طبقاً روسياً شهياً؟

تعقيدات مُحتملة

إلى ذلك، ربما سيواجه الرئيس الفرنسي صعوبات كبيرة في تمرير أجندته؛ فالمجلس العسكري الحاكم لا يتوقع أن يقبل طروحات ماكرون، ما لم يحصل على ضمانات بالاستمرار في الحكم. فمعظم الضباط الذين ينفذون انقلابات في الدول الإفريقية، لا يميلون إلى إعادة السلطة إلى المدنيين. ولربما ستفاقم الضغوط المتواصلة عليه، كفرض العقوبات والتهديدات الأخيرة من قِبل (إيكواس)، إلى وضعه في حالة تحدٍّ للجميع والعمل على إيجاد مزيد من الحماية له ولنظامه؛ ما يعني أنه لن يتخلى عن فاغنر.

هذا الاحتمال تزيد من وجاهته الحملات الإعلامية الكبيرة التي يقودها في الداخل والخارج للتحريض على الوجود الفرنسي باعتباره غير مجدٍ. وهذا ما ذهب إليه رئيس وزرائه؛ حيث لم يكتفِ بالقول إن فرنسا لم تحقق أهدافها من عملية برخان، بل اتهمها بإعادة توطين المتمردين السابقين في الحركة الوطنية لتحرير أزواد في كيدال، كبرى مدن شمال البلاد.

الرئيس المالي الجنرال أيمي غويتا- المصدر (EWN)

الجنرال وعرّابه

محمود الدنعو

بالنسبة إلى الباحث المتخصص في شؤون غرب إفريقيا، محمود الدنعو، فإن رئيس وزراء مالي، شوغيل كوكالا مايغا، يُعتبر العراب السياسي للجنرال غويتا، وما يصدر عنه يمثل التوجه الحقيقي للحكومة الانتقالية؛ فالرجل على عكس ما يُشاع عنه في وسائل الإعلام الغربية والفرنسية، يتمتع بنفوذ بين النخبة الحاكمة في باماكو إلى حد أن مقربين منه يصفونه بأنه سياسي منهجي لا يقول شيئاً عن طريق الصدفة، أو العاطفة أو رد الفعل. لذلك على الرئيس الفرنسي عدم إغفال التصريحات المثيرة التي أطلقها مؤخراً في هذا السياق.

يضيف الدنعو: “أتوقع أن يتوصل الرجلان إلى صفقة حد أدنى، لن تتضمن إخلاء فاغنر في المرحلة الحالية؛ لكنها ربما ستضمن استمراراً للوجود الفرنسي وقبولاً بزيادة حجم قوات (تاكوبا) في المرحلة القادمة.. ويمكن أن يتم إقرار إجراء الانتخابات في مواعيدها؛ لكن شريطة استقرار الأوضاع الأمنية والسياسية، على أن يكف الجانبان عن الحملات الإعلامية والدبلوماسية هنا وهناك”.

اقرأ أيضاً: “لا توجد كابول إفريقية”.. فهل ستُنقل الحرب على الإرهاب إلى إفريقيا؟

تدخلات مستمرة

وفي السياق نفسه، يُشار إلى أن التدخل الفرنسي في مالي في مطلع 2013 عبر ما سُمِّي بعملية (سرفال)، هدف إلى الحيلولة دون تمدد تحالف من الجهاديين الإسلاميين ومقاتلي الطوارق الانفصاليين، مُمثلين في الحركة الوطنية لتحرير أزواد، إلى العاصمة المالية باماكو.

مفرزة جنود فرنسيين في ضيافة عائلة مالية.. 2016- المصدر “فرانس إنفو”

بيد أن التدخل الفرنسي في البلاد، لم يكن وليد هذه اللحظة الفارقة؛ فقد ظلت باماكو تُدار من باريس على الدوام، مع تغيير الآليات والأساليب. ولربما هذا ما جعل محمود الدنعو، يُشير في معرض حديثه إلى “كيوبوست” إلى ما سمَّاه بفشل دول ما بعد الاستعمار في إفريقيا في بناء دول مستقرة وذات سيادة بذهابها إلى تطوير أنظمة استبدادية بشكل متزايد دون إقامة نفوذ جيوسياسي؛ الأمر الذي جعل حكومات هذه الدول في حاجة دائمة إلى دعم سياسي وعسكري من مستعمريها السابقين، فإن لم يستجيبوا ذهبت إلى دول أخرى، كروسيا والصين.  

اقرأ أيضاً: الصحراء تغدر بـ”الصحراوي”.. زعيم “داعش” في الصحراء الكبرى يتبدد في سرابها

في مثل هذه الأوضاع، برزت أزمة شمال مالي؛ نتيجة لضعف وهشاشة الحكومة المركزية وعدم قدرتها على السيطرة على كل مناطق البلاد، خصوصاً المناطق الصحراوية في الشمال؛ إذ أصبحت مستقراً ومقراً آمناً ليس فقط لمتمردي الحركة الوطنية لتحرير أزواد، بل للجماعات الإرهابية المسلحة، والتي وسعت من نطاق أنشطتها إلى النيجر وبوركينا فاسو وتشاد وموريتانيا؛ ما استدعى تدخل القوات الفرنسية وقوات إقليمية أخرى تُعرف باسم “جي5 ساحل”، قوامها من الجيش التشادي، فضلاً عن قوة أممية لحفظ السلام مكونة من 10 آلاف جندي.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

عبد الجليل سليمان

مراسل السودان

مقالات ذات صلة