الواجهة الرئيسيةثقافة ومعرفةمقالات

ماسّيمو كامبانيني.. غياب قنطرة حضارية أصيلة

ترجم نصوصا من التراث العربي والإسلامي إلى الإيطالية وأرخ للفكر الإسلامي المعاصر

كيوبوست – إيهاب الملاح

عن 66 عامًا تقريبًا رحل عن عالمنا، يوم الجمعة الماضي، المستعرب الإيطالي المعروف وأستاذ الدراسات الإسلامية والفلسفة الإسلامية بالجامعات الإيطالية؛ ماسّيمو كامبانيني Massimo Campanini (من مواليد ميلانو الإيطالية 1954) وهو أحد أهم المستشرقين المعاصرين المتخصصين في قضايا العالم العربي والإسلامي، وخاصة فيما يتصل بالقضايا الفكرية والنظرية، فهو معروف بتخصصه في الدراسات الإسلامية، وتاريخ الفلسفة والفكر الإسلامي، علاوة على كونه مترجمًا وأستاذًا جامعيًا وأكاديميًا لامعًا. وعندما يتم التعريف به في الأوساط الأكاديمية الإيطالية؛ فهو أيضًا أحد أهم مؤرخي الشرق العربي القريب المعاصر.

يكاد يكون اسم المستعرب الإيطالي من أشهر وأبرز الأسماء في مجال الدراسات الإسلامية المعاصرة بالجامعات الأوروبية، وهو اسم معروف في الأوساط الثقافية والأكايديمة العربية أيضًا، وتجاوزت شهرته حدود الدرس الجامعي إلى المجال الثقافي العام، من خلال حواراته ولقاءاته وندواته التي كان يلقيها في زياراته المتعددة إلى أنحاء متفرقة من العالم العربي. فضلا على مشاركته في العديد من الفعاليات الثقافية والأكاديمية في مصر ومشاركته في مناقشات رسائل دكتوراه أيضًا بها.

من أشهر كتبه التي ترجمت إلى اللغة العربية منذ سنوات كتابه المرجعي عن «تاريخ مصر في العصر الحديث والمعاصر» الذي أرّخ فيه لمصر سياسيا واجتماعيا وثقافيا خلال الفترة من بداية تأسيس مصر الحديثة على يد محمد علي عام 1805 وحتى عصر الرئيس الأسبق حسني مبارك.

اقرأ أيضًا: فيدريكو كورينتي.. في وداع شيخ المستعربين الإسبان

غلاف كتاب “تاريخ مصر في العصر الحديث والمعاصر”

تعددت إسهامات كامبانيني العلمية والثقافية والفكرية ما بين المحاضرة، والتأليف، والترجمة، والكتابة المنتظمة بالدوريات العلمية والصحف والمجلات الثقافية العامة، واهتم اهتماما كبيرا في الآونة الأخيرة بالفكر الإسلامي المعاصر، وأنجز في هذا الموضوع كتابًا بانوراميا فريدا بالعنوان ذاته، حاول فيه أن يلم شتات المشروعات الإصلاحية والفكرية الناقدة للتراث منذ البدايات في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر وحتى المشروعات الأحدث التي توزعت على مناطق متفرقة من العالمين العربي والإسلامي (من ماليزيا وإندونيسيا في أقصى الشرق الإسلامي مرورا بإيران والشرق الأوسط ووصولا إلى المشروعات المغاربية اللافتة).

يقول الباحث المتخصص في اللغة والثقافة الإيطالية، وعضو هيئة التدريس بكلية الألسن جامعة عين شمس؛ إسلام فوزي، عن كامبانيني:

“كان له دور كبير وإسهام واضح في إثراء التراث الفلسفي الإسلامي، عن طريق نقل وترجمة العديد من نصوص فلاسفة ومؤلفين كلاسيكيين ومهمين للغاية؛ مثل الغزالي وابن رشد والفارابي إلى الإيطالية، وفيما يتعلق بالفكر السياسي قام بتطوير مفهوم “اليوتوبيا” من المنظور المعاكس المرتبط بالنموذج الشائع للتمييز بين الدولة الإسلامية التاريخية ونماذج إسلامية للحكومات أو الدول”.

وعلى صعيد إسهامه في دراسة التاريخ المعاصر، يقول إسلام: “لقد أوضح ماسِّيمو كامبانيني دور الطبقة المختارة من القادة العسكريين في تشكيل دول الشرق الأوسط ما بعد الاستعمار، ومشكلات العلاقة بين الإسلام والديمقراطية؛ وفي السنوات الأخيرة كثف جهوده في الدراسات القرآنية محاولًا أن يتخذ مسلكًا فلسفيا للتفسير القرآني باتجاه ما يطلق عليه “علوم قرآن فلسفية”؛ أي دراسة القرآن ليس فقط عبر أدوات الفلسفة، ولكن باعتباره هو أيضًا كتابًا فلسفيًا”.

وفي هذا الإطار يعكف إسلام فوزي حاليًا على وضع اللمسات الأخيرة لترجمته كتاب كامبانيني المهم «الفكر الإسلامي المعاصر» عن الإيطالية، وإثرائه بالحواشي والتعليقات المهمة التي تكشف للقارئ العربي العديد من اصطلاحات كامبانيني، وتساعده على قراءة الكتاب بفهم أعمق.

غلاف كتاب “الفكر الإسلامي المعاصر”

انصبت اهتماماته العلمية والبحثية في أربع حقول معرفية أساسية؛ هي الدراسات القرآنية، والفلسفة الإسلامية سواء القديمة أو المعاصرة، والفكر السياسي الإسلامي، وأخيرًا التاريخ المعاصر للبلاد العربية باهتمام خاص تجاه الحركات الإسلامية الأصولية.

ويكشف مترجم كتابه «الفكر الإسلامي المعاصر» عن آخر كتبه التي نشرها قبل وفاته مباشرة بعنوان “Maometto. La vita e il messaggio di Muhammad”؛ أي «النبي محمد.. حياة محمد ورسالته»، وهو عبارة عن سيرة نقدية لحياة النبي محمد ﷺ بطريقة تاريخية تأريخية، وليست استشراقية. وصدر الكتاب عن دار النشر الإيطالية ساليرنو Salerno عام 2020.

ومن كتبه الحديثة أيضا ذات الأهمية كتابه المعنونI giorni di Dio وترجمته بالعربية «أيام الله» الصادر عن دار النشر الإيطالية Mimesis في 2019، وفي هذا الكتاب يناقش كامبانيني النماذج العارضة للغرب وللإسلام فيما يخص الرحلة والزمن، ويؤيد ضرورة أن تتخطى الديانات السماوية الموحدة الثلاثة ما تفرضه الأيديولوجيا من حدود متشددة وجامدة.

اقرأ أيضًا: نكبات العقل المسلم.. من ابن رشد إلى نصر أبو زيد!

إضاءة تاريخية

ولد ماسِّيمو كامبانيني بمدينة ميلانو شمال إيطاليا في الثالث من نوفمبر عام 1954. تخرج في قسم الفلسفة بالجامعة الحكومية لمدينة ميلانو عام 1977 ببحث عن الفيلسوف “چوردانو برونو”. ثم حصل على دبلومة في اللغة العربية من المعهد الإيطالي للشرق الأوسط والشرق الأقصى عام 1984. بدأ مسيرته الأكاديمية محاضرًا لمادة التاريخ المعاصر في كلية العلوم السياسية بالجامعة الحكومية لمدينة ميلانو، ثم عمل مدرسا فأستاذًا في كلية العلوم السياسية بجامعة الدراسات بمدينة أوربينو Urbin، وذلك منذ العام 1995 حتى عام 2000.

كما عمل أستاذًا معارًا لدى كلية الآداب والفلسفة بجامعة ميلانو حيث كان يقوم بتدريس الثقافة العربية، وذلك منذ العام 2001 حتى عام 2005. ثم انتقل لمدينة نابولي بعده فوزه في مسابقة علمية للعمل باحثًا أكاديميا لمدة ستة أعوام في تخصصه “التاريخ المعاصر للبلاد العربية”، وذلك في كلية الدراسات العربية الإسلامية، ودراسات المتوسط بجامعة الدراسات بمدينة نابولي المعروفة بجامعة الدراسات الشرقية “لُوريينتالِه ” L’Orientale

المستعرب الإيطالي ماسّيمو كامبانيني

حصل كامبانيني على ترقية أستاذ مساعد بمسابقة علمية في العام الأكاديمي 2009/2010 ليكمل العام الأكاديمي هناك في نابولي قبل الانتقال لجامعة ترينتو Trento في العام التالي. وعمل أيضًا أستاذا مساعدًا أو مشاركًا لتاريخ البلاد الإسلامية لدى كلية الآداب والفلسفة بجامعة الدراسات بمدينة ترينتو Trento، وذلك منذ عام 2011 حتى عام 2016. وقد حصل على درجة أستاذ في عام 2012.

قام بتدريس الحضارة الإسلامية في كلية الفلسفة بجامعة “الحياة-الصحة سان رؤفائيل” Vita-Salute San Raffaele منذ تأسيسها حتى عام 2013 وعاد إلى التدريس بها مجددًا بداية من العام الأكاديمي 2018-2019.

كما كان المعهد الجامعي للدراسات العليا متعاقدًا معه لتدريس الثقافة والحضارة الإسلامية لديهم في مدينة باڤيا Paviaوقام بالتدريس في العديد من المؤسسات الثقافية والأكاديمية في ميلانو.

غلاف كتاب “محمد، رسول الله”

شارك مع كل من باولو برودي وميكيلِه نيكوليتي في إعداد الكثير من المشروعات العلمية ذات الأهمية القومية التابعة لوزارة التعليم العالي والجامعات. وقد كانت هذه المشروعات معنية بشكل كبير بموضوعات ذات صلة بالفكر السياسي الإسلامي، والفلسفة السياسية.

تعاون مع العديد من الدوريات والمجلات والصحف في مجال تخصصه. وعُينَ أكاديميا لدى الأكاديمية الأمبروزيانة بمدينة ميلانو لفصول الدراسات الشرقية العربية منذ عام 2016.

وفي عام 2016-2017 أصبح عضوا بمجلس الإسلام الإيطالي الذي أسسته وزارة الداخلية الإيطالية تحت حكومتي رينزي وجينتيلوني. وكان مسؤولا لدى دار نشر Jaca Book بمدينة ميلانو عن سلسلة النشر المتخصصة بعنوان “في الإسلام”.

ومن مؤلفاته:

– «مدخل إلى الفلسفة الإسلامية»، عن دار نشر لاتيرسا Laterza عام 2004.

– «التفسير الإسلامي للقرآن في القرن العشرين»، عن دار نشر مورشيلّيانا Morcelliana عام 2008

–  «القرآن وتفسيره»، دار نشر لاتيرسا، عام 2013.

–  «قاموس الفلسفة العربية» عام 2019.

–  «دانتِه والإسلام. أضواء السماء العليا»، عن دار نشر ستوديوم Studium عام 2019.

–  «التفكير في الإسلام»، دار نشر جاكا بوك Jaca Book، 2019.

–  «محمد، رسول الله»، دار نشر ساليرنو 2020.

–  «الإسلام والسياسة»، دار نشر المولينو Il Mulino عام 1999 و2003.

–  «الفكر الإسلامي المعاصر»، دار نشر المولينو، عام 2005، 2009، و2016 (طبعة منقحة ومزيدة وعنها تمت الترجمة العربية للكتاب)

– «تاريخ مصر الحديث والمعاصر»، دار منشورات لاڤورو Edizioni Lavoro، عام 2005، ترجم إلى العربية لحساب المجلس الأعلى للثقافة بتقديم د.عماد أبو غازي وترجمة د.عماد البغدادي عام 2006.

–  «تاريخ الشرق الأوسط»، دار نشر المولينو، عام 2006 وعام 2007، عام 2017 (طبعة مراجعة ومزيدة بعنوان تاريخ الشرق الأوسط المعاصر).

–  الأيديولوجيا والسياسة في الإسلام، دار نشر المولينو، عام 2008.

–  «السنيون (السنة)»، دار نشر المولينو، عام 2008 وعام 2016.

–  «الإخوان المسلمون في العالم المعاصر» بالمشاركة مع كريم مزران، دار نشر أوتيت UTET، عام 2010

–   «البديل الإسلامي»، دار نشر موندادوري، عام 2012.

–   «أي إسلام؟ الجهاد، الأصولية، الإصلاح»، دار نشر لا سكوولا La Scuola عام 2015.

–   «الإسلام، دين الغرب»، دار نشر ميمسيس Mimesis، عام 2016.

–   «تاريخ مصر منذ الفتح العربي حتى يومنا هذا»، دار نشر المولينو، عام 2017.

–   «السياسة في الإسلام». تفسير. دار نشر المولينو، عام 2019.

غلاف كتاب “القرآن وتفسيره”

لكامبانيني العديد من المقالات العلمية المنشورة في المجلات والدوريات المتخصصة؛ مثل مجلة الدراسات الشرقية في روما Oriente Moderno أي «الشرق الحديث»، وقام بالإشراف على عدد خاص وإعداده لتناول موضوع “الديمقراطية في العالم الإسلامي”، كما أشرف على عدد آخر تناول موضوع “القوميات العربية في القرن العشرين”، بخلاف المقالات التي شارك بها في مجلة Nuova Rivista Storica المجلة التاريخية الجديدة.

توفى ماسيمو كامبانيني صباح يوم الجمعة؛ الموافق 9 من أكتوبر 2020 قبل أن يتم عامه السادس والستين، إثر أزمة قلبية، وكان قد أصيب في السنوات الأخيرة بمرض باركيسون الرعاش “الشلل الرعاش”، ولم يمنعه ذلك عن مواصلة عمله الأكاديمي وكتاباته العلمية الغزيرة.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة