الواجهة الرئيسيةثقافة ومعرفة

“ماري” الجالسة قرب النافذة.. مصدر إلهام بيكاسو لعقد من الزمن

كيوبوست

بعد ركود شهدته سوق الأعمال الفنية لأكثر من عام كامل، منذ انتشار جائحة كورونا، بيعت أخيراً لوحة للفنان الإسباني بابلو بيكاسو، بمبلغ فاق مئة مليون دولار، بعد عرضها في دار مزادات كريستيز في نيويورك.

واشترى أحد جامعي التحف الفنية اللوحة التي تحمل عنوان “المرأة الجالسة قرب النافذة” بمبلغ  103.4 مليون دولار، والتي جسَّد فيها بيكاسو عشيقته الوديعة “ماري تيريز والتر”، ولم تكن تلك اللوحة هي الوحيدة؛ فمنذ ظهور ماري في حياة رائد المدرسة التكعيبية، أبدع بيكاسو عشرات الأعمال الفنية بين الرسم والنحت بإلهام منها، واستمر ذلك الإلهام الذي بدأ بلهيب النظرة الأولى لعقد من الزمن، وانتهى بالألم!

لوحة المرأة الجالسة قرب النافذة- “رويترز”

اللقاء الأول

في وقت الظهيرة من يوم السبت الموافق 8 يناير 1927م، وفي باريس، بينما كانت الشابة الفرنسية اليافعة ماري تيريز والتر (17 عاماً حينها)، تتجول في معرض “لافاييت”، لمحها الفنان صاحب السجل العاطفي المتشابك “بابلو بيكاسو” الذي كان يبلغ 45 عاماً.

ويبدو أن الآنسة والتر تركت انطباعاً عميقاً في نفس بيكاسو، الذي انتظرها حتى خرجت من المعرض، فحيَّاها بابتسامة عريضة، قائلاً: “مدموزيل، لديك وجه مثير للاهتمام، أود أن أرسم صورتك”، وأضاف: “أنا متأكد أننا سنفعل أشياء عظيمة معاً”، وعرَّفها على نفسه، طالباً منها أن يلتقيا: “سأقابلك في الساعة 11 يوم الإثنين في محطة مترو سان لازار”، حسب حفيدهما من ابنتهما “مايا”، أوليفييه ويدماير بيكاسو.

ماري تيريز والتر.. حوالي عام 1930- أرشيف

من جانبها؛ لم تكن والتر تعلم مَن يكون بيكاسو، لكن ربطة عنقه باللونَين الأحمر والأسود، أثارت اهتمامها، كما وجدت ابتسامته ساحرة؛ لذلك حضرت ماري إلى الموعد وتوجهت وبيكاسو، الذي كان متزوجاً، آنذاك، من راقصة الباليه الروسية أولجا خوخلوفا، إلى استوديو الرسم الخاص به؛ حيث تفحص وجهها،  وقال “ارجعي غداً”، لتتكرر بعدها اللقاءات، ويجدد بيكاسو عبر ماري حيويته الفنية، وتعثر هي على حب حياتها.

اقرأ أيضاً: عبقرية لوحةخلق آدمتُغضب إسلاميي السودان

ولأن بيكاسو كان متزوجاً من أولجا، وماري لم تكن قد بلغت سن الرشد بعد، قرر الاثنان الإبقاء على علاقتهما سرية. وعن علاقتهما قالت ماري: “كانت حياتي معه دائماً سرية.. هدوء وسلام، لم نقل شيئاً لأي شخص، كنا سعداء بهذا الشكل، ولم نطلب أي شيء آخر”.

أعمال فنية مختلفة

قضت ماري، أثناء العلاقة التي جمعتها ببيكاسو واستمرت 14 عاماً، أوقاتها في قلعة في نورماندي شمال غرب فرنسا، اشتراها بيكاسو وكانت الاستوديو الخاص به، وامتازت الفترة التي أمضياها سوياً، بإنتاجات فنية ذات طابع مختلف عن سابقاتها، من ناحية الأسلوب واللون، فقد كانت اللوحات المتعلقة بماري تضم أشكالاً ناعمة ومستديرة، تشبه شكل وجهها البيضاوي بشعرها الأشقر وانحناءات جسدها الكروية، وأيضاً شخصيتها الوديعة والبسيطة وأنوثتها الرقيقة، وبفضلها عاد بيكاسو إلى النحت عام 1928م، والذي كان قد هجره عام 1914م؛ ما أثمر عنه مجموعة تماثيل نصفية ورؤوس منحوتة لوجه ماري.

لوحة “عارية، أوراق خضراء، وتمثال نصفي”- fine art america

وتعتبر سلسلة لوحات “ماري تيريز النائمة” عام 1932م من أهم المخرجات التي أبدعها بيكاسو؛ ومنها لوحة “عارية، أوراق خضراء، وتمثال نصفي”، التي بيعت عام 2010م مقابل 106 ملايين دولار، كما تعتبر لوحة “الحلم” من أغلى لوحات بيكاسو، والتي تجسد ماري أيضاً. أما آخر تلك الإبداعات فكانت “المرأة الجالسة قرب النافذة”.

لوحة “الحلم”- Picasso/DACS London Succession

ومن النتائج التي أحرزها بيكاسو وهو برفقة ماري، كان معرض كبير أقامه في باريس عام 1932م، جمع فيه كل أعماله حتى ذلك العام؛ بما فيها الأعمال المستوحاة من ماري، والتي لم تكن قد عرضت من قبل آنذاك. أراد بيكاسو، من خلال المعرض، أن يحصل على التقدير الذي يستحقه، وفقاً لحفيده، وحقق مراده بالفعل، عندما اعتُبر المعرض الحدث الثقافي الأبرز لذلك الموسم في باريس، علماً بأن بيكاسو لم يحضر الافتتاح.

طفلة الحب

لم يتزوج بيكاسو من ماري قط، وحسب أوليفير، فإن بيكاسو لم يتمكن من طلاق أولجا، بينما يُعتقد أيضاً أن ماري يئست من أن يتم الأمر، تحديداً وأنه خلال علاقته بها دخل في علاقة عاطفية جديدة مع المصورة والناشطة دورا مار، عام 1936م.

اقرأ أيضاً: الجمال الإغريقي.. دليل شر لدى النساء وهدية الآلهة للرجال!

ومع أن الحب الذي جمع الثنائي لم يتكلل بالزواج، فإن طفلة نتجت عنه، ولدت في 5 سبتمبر 1935م، سمَّياها ماريا، وناداها “مايا”، وكان ذلك بعد أن علمت ماري أواخر عام 1934م، أنها حامل وأخبرت بيكاسو، الذي جثا على ركبتيه وبكى، وقال لها إنها أعظم سعادة في حياته.

مع ولادة مايا، ولد بيكاسو الذي كان يبلغ حينها 54 عاماً من جديد، حاول رصد تفاصيل نمو الطفلة في لوحاته وقصائده ورسائله، وفي أوراق كراسة الرسم الصغيرة، فقد رسمها وهي نائمة، وهي تضحك، وهي تمصُّ إبهامها.

بابلو بيكاسو

نهاية مؤلمة

انتهتِ القصة التي استمرت 14 سنة، عام 1941م، أصبحت ماري على دراية بأن بيكاسو المتزوج من أولجا، منخرط بعلاقة غرامية أخرى مع مار، وأيقنت أن زواجهما لن يتم، لذا قررت الانسحاب؛ الأمر الذي كان له وقعه المؤلم على قلب بيكاسو، ما جفف منابع شغفه، فألقى باللوم في ذلك على ماري، التي عانت من جانبها هي الأخرى، وعاشت على أمل العودة، إلا أن ذلك لم يحصل قط، وبعد وفاة بيكاسو عام 1973م بأربع سنوات، انتحرت ماري تيريز بشنق نفسها.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات