الواجهة الرئيسيةترجماتثقافة ومعرفةشؤون دولية

ماريانا مازوكاتو: “ليس لدى ماكنزي وديلويت خبرة في المجالات التي تقدمان المشورة بشأنها”

ترى أستاذة الاقتصاد والابتكار في جامعة كوليدج لندن، ماريانا مازوكاتو، أن الشركات الاستشارية تعيق قدرة الدولة على أداء دور المحرِّك الاقتصادي.

كيوبوست- ترجمات

النظرية بسيطة: عندما تواجه المؤسسات تحديات؛ فإنها تجلب أشخاصاً من الخارج ممن تتوسم فيهم ذكاءً ونشاطًا وكفاءةً أفضل، وممن لديهم مهارات متخصصة وأفكار جديدة. وعلى الرغم من أنهم يكلفونها الكثير؛ فإنهم لا يبقون طويلاً ويقدمون أكثر مما يتقاضون، كونهم يرفعون الكفاءة ويحسنون الجودة. لا أحد يُطرد من عمله بسبب الاستعانة بماكنزي.

لكن الواقع أكثر تعقيداً من ذلك بكثير. ما الذي يعرفه هؤلاء الغرباء، الاستشاريون الاستراتيجيون، مثل الثلاثة الكبار “ماكنزي” و”باين آند كومباني” و”مجموعة بوسطن الاستشارية”؟ يقول النقاد إن أفكارهم غالباً ما تكون هي نفسها التي فكَّرت فيها المنظمة التي استعانت بهم؛ بل إن هناك بعض الكوارث الكاملة، مثل قضية ماكنزي في الترويج للمواد الأفيونية. إضافة إلى ذلك، يبدو أن الاستشاريين، الذين يُفترض أنهم جُلبوا لمشروعات قصيرة، لا يغادرون أبداً.  

مقر شركة ماكنزي أند كومباني في الصين- أرشيف

لو كانت ماريانا مازوكاتو تخشى الجدل، لتركت هذا النقاش المعروف. لكن مازوكاتو، التي تتمتع بقدرة كبيرة على الإقناع، 54 عاماً، والخبيرة الاقتصادية في جامعة كوليدج لندن، تهوى الاشتباك الفكري.

على مدى العقد الماضي، خاضت مازوكاتو معركة في بعض الأحيان، بمفردها، لإعادة تأهيل سمعة الدولة كمحرِّك اقتصادي. وتزعم في كتابها الجديد “الخدعة الكبرى” (The Big Con)، الذي ألَّفته بالاشتراك مع روزي كولينجتون، أن الشركات الاستشارية تعرقل قدرة الحكومات على أداء هذا الدور الحيوي. في مكتبها، وفي يدها مشروب “كوكاكولا دايت”، قالت: “بالنسبة لي، كانت استعدادات خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي بمثابة دعوة قوية للاستيقاظ؛ لأن الاستشاريين كانوا في كل مكان”. لقد أنفقت الحكومة البريطانية خلال 2019- 2020، قرابة مليار جنيه إسترليني على الاستراتيجية والاستشاريين الآخرين، ما أثار استياء أعضاء البرلمان. إضافة إلى ذلك، وسَّعت مازوكاتو وكولينجتون انتقاداتهما لتشمل شركات المحاسبة الأربع الكبرى؛ مثل ديلويت، التي تقوم بتنفيذ بعض الوظائف الأساسية للدولة.

عبارة “الخدعة الكبرى” الواردة في عنوان الكتاب ليست جريمة؛ إنها خدعة لكسب الثقة. تزعم مازوكاتو أن الشركات الاستشارية تعرِف أقل مما تدَّعي، وتُكلِّف أكثر مما يبدو -وعلى المدى الطويل- تمنع القطاع العام من تطوير قدراته الداخلية: “نحن لسنا ضد الاستشاريين. المشكلة هي عندما لا تكون لديهم أية رغبة في استقلال الحكومة عنهم. لا شك أن المعالج الذي يُبقي مريضه قيد العلاج إلى الأبد ليس معالجاً جيداً”. وترى مازوكاتو أن الاستشاريين ليسوا “محايدين” بشأن دور الدولة أيضاً، مستشهدةً بعملهم في ما يتعلق بالقطاع الخاص. لقد روَّجوا لتقليص دور الدولة بعد عام 2008.

غلاف كتاب “الخدعة الكبرى”

على جانبَي المحيط الأطلسي، المدافعون عن دور الدولة مثل مازوكاتو في صعود. لكنها تشعر بالقلق من أنه لا يزال هناك عدم رغبة في الاستثمار في البيروقراطية نفسها. وعلى الرغم من أنها ترى أن “الدولة قد عادت، إذا نظرنا إلى الأرقام” -لدى الاتحاد الأوروبي خطة للتعافي تبلغ قيمتها 2 تريليون يورو- فإن مازوكاتو تشعر بالاستياء من أنه في إيطاليا، حتى في ظل “زعيم عظيم” مثل ماريو دراجي، كانت خطة تمويل الاتحاد الأوروبي تسترشد بشركة ماكنزي. وتشير إلى أن الولايات المتحدة أنفقت 5 تريليونات دولار على المساعدات الخاصة بجائحة “كوفيد-19″؛ لكن كل هذا “سوف يذهب هباء إذا غابت الحوكمة”.

ولدت مازوكاتو في إيطاليا، وترعرعت في الولايات المتحدة، وتعيش في المملكة المتحدة منذ 22 عاماً. لديها شخصية كارزماتية وذكاء في التعامل مع وسائل الإعلام. قبل أن نلتقي تلقيت منها رسالة بريد إلكتروني تطلب مني الإشارة إليها كأستاذة جامعية، وليس خبيرة اقتصادية. أفترض أن هذا الأمر يتعلق بالمكانة؛ لكنها تحاول ضاحكة التقليل من ذلك، قائلة إنها مسألة مبدأ: “أنا فخورة بكوني أكاديمية”.

تعارض مازوكاتو السياسات التقشفية التي اتخذت بعد الأزمة المالية، والنظرية القائلة إن القطاع الخاص يعرف أفضل من الحكومة. وفي هذا الصدد تقول: “على مدى السنوات الخمسين الماضية، سعت مدرسة شيكاغو للاقتصاد، النظرية المفضلة في الإدارة العامة، للتقليل من إيماننا بما يمكن أن تفعله الحكومة”، في محاولة لإقناعنا بأن الحكومة “موجودة في أحسن الأحوال لإصلاح إخفاقات السوق”. 

اقرأ أيضًا: هل شركة ماكنزي سلاح بيد الصين ضد أمريكا؟

إضافة إلى ذلك، تبرهن مازوكاتو، في كتابها الذي صدر في عام 2013، تحت عنوان “دولة ريادة الأعمال” (The Entrepreneurial State)، كيف اضطلعت الحكومات تاريخياً بأكثر مما يزعمه البعض: الحكومات هي التي أدخلت الكثير من التكنولوجيات؛ بما في ذلك الإنترنت والسيارات الكهربائية. وعلى الرغم من أنها تضع نفسها في خانة يسار الوسط؛ فإن أفكارها تجذب أولئك الموجودين على اليسار واليمين على حد سواء. عملت مازوكاتو مع الوزيرة الأولى في أسكتلندا، نيكولا ستورجيون، لتأسيس “بنك الاستثمار الوطني الأسكتلندي”. ولم تستطع حضور منتدى دافوس هذا العام؛ لأنه كان من المقرر أن تسافر إلى بربادوس للعمل مع رئيسة الوزراء ميا موتلي، وكان عليها التوفيق بين رعاية الأطفال وزوجها. لديها أربعة أطفال من كارلو كريستو دينا، منتج أفلام، رُشِّح فيلمه الأخير “Le Pupille” لجائزة الأوسكار. 

غلاف كتاب “دولة ريادة الأعمال”

أنا لست ضد الاستشاريين. المشكلة هي عندما لا يكون لدى الصناعة أي حافز لجعل الحكومة مستقلة.

لتسليط الضوء على مخاطر الاستعانة بالاستشاريين، موضوع كتابها الحالي، تعود مازوكاتو بنا إلى الوراء؛ إلى برنامج الفضاء “أبولو”، حيث حذَّر مدير المشتريات في “ناسا”، في فترة الستينيات، من أن الوكالة كانت مُعرَّضة لخطر “الوقوع في فخ المقترحات الأنيقة والجذابة”. في الآونة الأخيرة، كانت جائحة “كوفيد-19” بمثابة مكسب للاستشاريين: كانت المملكة المتحدة تدفع لشركة “ديلويت” مليون جنيه إسترليني يومياً مقابل عملها في ما يتعلق بالفحوصات وتتبع جهات الاتصال.

في عام 2020، اشتكى ثيودور أغنيو، الذي كان وزيراً في حكومة المملكة المتحدة، آنذاك، من أن الاعتماد على الشركات الاستشارية “يضر الخدمة المدنية، ويحرم ألمع موظفينا من فرص العمل في بعض القضايا الأكثر تحدياً وحيويةً”. لكن الحل الذي اقترحه، تأسيس شركة استشارية حكومية داخلية، قد جرى استبعاده الآن؛ لصعوبة مضاهاة مجموعة المستشارين الخارجيين. تصف مازوكاتو ما حدث بأنه خطوة “مأساوية”؛ إذ يشير إلى أن إدارات الحكومة البريطانية ليست ملتزمة بخفض إنفاقها على الاستشاريين.

ثيودور أغنيو

أعتقد أن الصعوبة في انتقاد الاستشاريين تكمن في صعوبة إثبات صحة الانتقادات. غالباً ما يكون عمل الاستشاريين مبهماً، وينطوي على أوسع. لقد انتقد البرلمانيون الفرنسيون شركة ماكنزي؛ لدورها في بطء طرح اللقاح في الدولة. ولكن كيف نعرف أن الأمور لم تكن لتزداد سوءاً من دون الشركة؟ إجابةً عن هذا تقول مازوكاتو: “هذه شركات خاصة؛ ماكنزي وديلويت ليست لديهما خبرة في المجالات التي تقدمان المشورة بشأنها”.

يتطرق كتاب “الخدعة الكبرى” أيضاً إلى بوابة الرعاية الصحية المتعثرة لباراك أوباما (HealthCare.gov)، التي استعانت بأكثر من 55 مقاولاً. وألقى تقرير رسمي باللوم على وكالة فيدرالية لفشلها في الإشراف على المقاولين. ترى مازوكاتو أن تعقيد التعاقد من الباطن في حد ذاته كان كفيلاً بإفشال أي شخص. ولكن هل يمكن لهذه المناقشة أن تتجاوز الحكايات المتنافسة عن عدم أهلية الشركات الاستشارية وعدم كفاءة الخدمة المدنية؟

وبالمثل، فإن فكرة أن مقترحات الشركات الاستشارية في ما يتعلق بالوصول إلى انبعاثات كربونية صفرية تتأثر بعقودها التجارية فكرة معقولة، ولكن من الصعب إثباتها. تقول مازوكاتو إن ما تريده هو المزيد من الكشف عن مصالح الشركات. وهي تريد أن يتوقف التعاقد عن كونه “الاستجابة الافتراضية” التي تلجأ إليها الحكومات في مواجهة التحديات، وأن تتطلع الحكومات إلى المؤسسات البحثية العامة حيثما أمكن ذلك. 

تقدم وحدتها الخاصة في “جامعة كوليدج لندن” خدمات استشارية: “الفرق الرئيس هو أن هدفنا في النهاية هو أن يصبح الكيان الحكومي الذي نتعامل معه مستقلاً عنا في ما بعد.. لا نريد الفوز بعقود ثانية منه”. مكالمات طلب الخدمات لا تتوقف: “بالأمس فقط اتصل نائب رئيس وزراء إسبانيا؛ لأن لديهم فضيحة خاصة بهم الآن مع الشركات الاستشارية”، كما تقول. يمكنك أن ترى كيف أن طلاقتها وثقتها بنفسها ستجذب السياسيين “الحائرين” الذين يريدون من ينقذهم.

ما رأي مازوكاتو في رؤية كير ستارمر للدولة؟ في خطاب ألقاه الشهر الماضي، تحدَّث زعيم حزب العمال عن الاستثمار في “المهام الوطنية”، مستخدماً العبارة التي تستخدمها مازوكاتو. لكنه قال أيضاً إنه سيكون “أكثر انفتاحاً على جلب خبرات القطاعَين العام والخاص”. 

“هذه مشكلة”، حسبما تقول مازوكاتو. السؤال ليس أن تكون أكثر انفتاحاً بشأن التوازن بين الخاص والعام؛ بل “كيف تصبح طموحاً؟”، وتشيد بهيئة الإذاعة البريطانية “بي بي سي”، قائلة إنها “واحدة من المؤسسات القليلة التي فكرت في أشياء مثل القيمة العامة”، وكيف يمكن للاستثمار العام أن يُحفِّز الاستثمار الخاص.

كير ستارمر

“وصيتي لحزب العمال هي عدم الوقوع في فخ العام مقابل الخاص، وعندما نتحدث عن العام، ينبغي (أن نتحدث عن ذلك دائماً) مصحوباً بتحذير… يحتاج ستارمر إلى تكثيف السرد حول ما يمكن أن يفعله العام والخاص معاً -تقاسم المخاطر والمكافآت- مقابل كيف يسهل أحدهما عمل الآخر ويزيل عنه المخاطر”. 

على سبيل المثال، لا يمكن تنفيذ “الصفقة الخضراء الجديدة للاتحاد الأوروبي” (EU’s Green New Deal) “باستخدام الأدوات القديمة”. وتقول: “إن تحليل التكلفة والعائد لعمليات الهبوط على سطح القمر كان من شأنه أن يوقف الطاقم. لو طبقنا معايير اليوم، لما كان هناك مبرر للمحاولة”. لكن بعثات أبولو ساعدت في إنتاج الهواتف المزودة بالكاميرا وحليب الأطفال اليوم. ولكن منهجية وزارة الخزانة البريطانية في التعامل مع الاستثمار العام “تستبعد” إمكانية حدوث مثل هذه الآثار الإيجابية غير المباشرة.

يجب أن تتعلم الحكومات كيفية الحصول على قيمة جيدة مقابل استثماراتها. على سبيل المثال، يجب أن يتضمن “قانون الشرائح الإلكترونية” في الولايات المتحدة المزيد من الشروط في قروضه ومنحه: “المنح استخدامٌ سيئ للمال العام”. وتستشهد مازوكاتو في هذا الصدد بألمانيا؛ حيث كانت القروض المصرفية الحكومية لشركات صناعة الحديد الصلب مشروطة بخفض مدخلات المواد، ولكن مع ترك الطريقة الدقيقة لتحقيق ذلك للشركات. وتشيد بالحكومة الفرنسية كونها جعلت مساعدات “كوفيد-19” للخطوط الجوية الفرنسية وشركة “رينو” مشروطة بخفض انبعاثات الكربون، في حين أن “بنك إنجلترا” ببساطة “أعطى” شركة الطيران “إيزي جيت” قرضاً بقيمة 600 مليون جنيه إسترليني.

هل تؤيدين عودة “ناسا” إلى القمر؟ أنا أؤيد استعادة “ناسا” سياساتها الموجهة نحو إنجاز المهام وليس مجرد التفكير في أنها موجودة لإزالة المخاطر الناشئة من إيلون ماسك. 

هل تؤيدين الإضرابات في المملكة المتحدة؟ نعم. 

مَن هو أفضل ناقدٍ لك؟ ديفيد ويليتس (وزير التعليم العالي الأسبق في المملكة المتحدة). 

هل فكَّرتِ في مغادرة المملكة المتحدة بعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي؟ لم أكن لأنتقل إلى هنا الآن. لا يمكنني التفكير في أي مكان أفضل من لندن للعيش فيه.

وفي حين أنه لا يمكن للمؤسسات الحكومية أن تضاهي الشركات الاستشارية من حيث الأجور أو التدريب، فبمقدورها، إذا اضطلعت بالمزيد من المسؤولية ودفعت أفضل قليلاً، أن تجتذب ألمع الخريجين. تقول مازوكاتو: “يمكنك بالفعل الحصول على خدمة مدنية مبدعة ودينامية.. نحن بطبيعتنا، نجعل العمل في شركات مثل جوجل وجولدن مان ساكس وماكنزي أكثر روعة. كيف نعيد الحيوية للخدمة المدنية؟ ليس كما يقول دومينيك كامينغز (نحن بحاجة إلى المهووسين بتخصصاتهم في الحكومة)؛ بل عن طريق تغيير اختصاصات الحكومة. نحن بحاجة إلى جعلها رائعة حقاً”.

أتساءل عما إذا كانت شكوك الناخبين في وجود قطاع عام أقوى ستظل قائمة؛ لأنهم يخشون عدم وجود الأموال اللازمة. ترد مازوكاتو قائلةً: “المال يخرج فجأة من حيث لا تدري للحروب. هل قال أحد من قبل إننا لا نستطيع الذهاب إلى أفغانستان.. لا يمكننا الذهاب إلى أوكرانيا لعدم وجود الأموال؟ متى توفرت الإرادة، توفَّرت الأموال؛ خصوصاً في الدول التي لديها عُملتها السيادية”.   

ترى مازوكاتو أن السياسات التقشفية غالباً ما يترتب عليها تداعيات خاصة، مشيرةً إلى إغلاق نوادي الشباب في الحي الذي تقطن فيه في لندن.   

للحظة، تبدو وكأنها تحاول التقاط أنفاسها، غير أنها تظل عنيدة، متشبثة بأفكارها. تعود وتحاول مناشدة أكبر جمهور ممكن: “الأمر لا يتعلق بالحكومة الكبيرة أو الصغيرة. الأمر يتعلق بالكيفية”.

المصدر: فاينانشيال تايمز

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات