الواجهة الرئيسيةثقافة ومعرفة

مارتن لوثر كينغ… طريق النضال السلمي من أجل المساواة

كيوبوست- مدى شلبك

منذ عام 1986م بدأت بعض الولايات الأمريكية بالاحتفال بيوم مارتن لوثر كينغ خلال الاثنين ما قبل الأخير من شهر يناير، بعد توقيع مشروع قانون لإنشاء يوم مارتن لوثر كينغ جونيور في عام 1983م من قبل الرئيس رونالد ريغان، وأصبح اليوم شائعاً في جميع الولايات عام 2000م.

وتقرر اليوم كعطلة تكريماً لإرث زعيم الحقوق المدنية، الذي قُتل في سبيل إرساء حياة أكثر عدلاً ومساواة لأبناء جلدته من السود والملونين في الولايات المتحدة التي لا زالت تعاني من مرض العنصرية.

اقرأ أيضاً: مترجم: ما هي أكثر الاحتجاجات تأثيرًا في التاريخ؟

طفولة معجونة بالعنصرية

في واحدة من أكثر الولايات المتحدة عنصرية ضد السود؛ أتلانتا في ولاية جورجيا، وُلد مارتن لوثر كينغ يوم 15 يناير 1929م، لوالدين نشطين ضد العنصرية الأمريكية، فوالده القس مارتن لوثر كينغ الأب، الذي كان شخصية فاعلة في حركة الحقوق المدنية، ووالدته هي الناشطة ألبرتا ويليامز، التي كانت واحدة من أوائل أعضاء الرابطة الوطنية لحقوق الملونين.

وخلال طفولته، عايش كينغ مواقف عنصرية تركت أثراً بالغاً في تجربته الشخصية، منها ما ذكره في سيرته الذاتية، أنه لم يتمكن من السباحة في المسابح العامة بسبب عرقه، ولم يتمكن من الدخول إلى الحدائق العامة أو بعض المطاعم والمدارس التي كانت تحظر دخول السود.

مارتن لوثر كينغ برفقة زوجته وأبنائه- AP Images

وعندما كان كينغ في الرابعة عشرة من عمره، سافر إلى دبلن في جورجيا مع معلمته للمشاركة في مسابقة خطابية وفاز في المسابقة، وفي طريق العودة استقل ومعلمته الحافلة، وصعد بعض الركاب البيض، شتمهما السائق ثم أمرهما بالوقوف ليجلس الركاب البيض مكانهما.

برغم عنف السائق، ظلّ كينغ جالساً، لكن معلمته حثته على الوقوف، ووقفا بعدها في الممر لتسعين ميلاً إلى أتلانتا، وعن ذلك الموقف قال كينغ: “تلك الليلة لن تترك ذاكرتي أبداً، لقد كانت أكثر مرة أشعر بالغضب في حياتي”.

التعليم

وكان كينغ طفلا ذكياً وموهوباً وذا حضور، وبعمر 15 التحق بكلية مورهاوس، حيث درس علم الاجتماع، وتخرج فيها عام 1948م.

وعلى الرغم من أنه لم يكن ينوي اتباع خطى والده في الانخراط بالعمل الديني، فإنه غيّر رأيه متأثرًا ببنجامين ميس؛ رئيس جامعة مورهاوس وعالم اللاهوت والمدافع عن المساواة العرقية، الذي شجع كينغ على رؤية المسيحية كقوة قادرة على التغيير الاجتماعي، فالتحق كينغ بمدرسة كروزر اللاهوتية في ولاية بنسلفانيا، حيث حصل على درجة البكالوريوس في اللاهوت، وعلى زمالة وانتُخب رئيساً للهيئة الطلابية.

اقرأ أيضاً: كيف يعرِّض تاريخ طويل من العنصرية النساء الآسيويات في أمريكا للعنف؟

كما التحق كينغ ببرنامج الدراسات العليا في جامعة بوسطن، وفي عام 1955م حصل على درجة الدكتوراه في علم اللاهوت. وخلال تواجده في بوسطن التقى بالشابة كوريتا سكوت، وكانت تدرس الموسيقى، وتزوجا عام 1953م وأنجبا أربعة أطفال، واستقرا في مونتغمري في ألاباما، حيث أصبح كينغ راعياً لكنيسة دكستر أفينيو المعمدانية.

الحافلات: نقطة البداية

ارتبطت أول تحركات كينغ على أرض الواقع بالحافلات، التي كانت تجسيداً لنظام الفصل العنصري القائم في الولايات المتحدة، ففي الأول من ديسمبر عام 1955م، رفضت سكرتيرة الرابطة الوطنية للنهوض بالملونين في مونتغومري؛ روزا باركس -من أصل إفريقي- النهوض من مقعدها في القسم المخصص للملونين، ليجلس محلها راكب أبيض في حافلة كليفلاند أفينيو بعدما امتلأ قسم البيض بالركاب، ونتيجة لرفضها ألقي القبض عليها.

وعلى إثر الحادثة، التقى رئيس الجمعية الوطنية للنهوض بالملونين إد نيكسون بكينغ وناشطين آخرين من أجل التخطيط لمقاطعة الحافلات، وانتُخب كينغ قائداً للحملة ومتحدثاً رسمياً، وكان حينها متأثراً بنظرية غاندي حول اللا عنف في مواجهة الاضطهاد، فقد وصف كينغ في سيرته الذاتية غاندي بأنه “الضوء المرشد”، وهي الطريقة التي رفضها قادة سود راديكاليون مثل “ستوكلي كارمايكل”.

مارتن لوثر كينغ خلال خطاب “لدي حلم”- AFP via Getty Images

دامت مقاطعة الحافلات لـ382 يوماً، اضطر خلالها السود للذهاب إلى العمل سيراً، كما تعرّضوا للتعنيف والمضايقة، فيما تعرض منزل كل من كينغ ونيكسون للهجوم، من جانبها كابَرت شركات الحافلات ورفضت تقديم تنازلات، لكن مع الخسائر المالية المتراكمة رفعت مدينة مونتغمري القانون الذي يفرض الفصل العنصري في وسائل النقل العام عام 1956م.

العمل المنظم

مع نجاح حملة مقاطعة الحافلات لمع كينغ كمدافع عن حقوق المدنية، وظهرت الحاجة لتنظيم قوة الجموع في سبيل تحقيق المساواة، فأسس كينغ برفقة الناشط في مجال الحقوق المدنية رالف أبرناثي وآخرين، مؤتمر القيادة المسيحية الجنوبية (SCLC) عام 1957م؛ منظمة حقوق مدنية أمريكية مهمتها تحقيق المساواة الكاملة للأمريكيين السود من خلال الاحتجاج السلمي، وكان شعار المؤتمر “لا يجب أن تتضرر شعرة واحدة من رأس شخص واحد”.

شاهد أيضاً: فيديوغراف.. “حياة السود مهمة” تنتقل إلى البرازيل

وركّزت المنظمة جهودها على عدة جوانب تجسّد الفصل العنصري بحق الملونين، فمثلاً أراد كينغ ورفاقه تعزيز حق الأمريكيين من أصل إفريقي في الاقتراع والتوظيف والتعليم والنقل، ولنشر نهجه في الاحتجاج السلمي واللا عنف، ألقى محاضرات مؤثرة حول الاحتجاج اللا عنفي والحقوق المدنية في جميع أنحاء الولايات المتحدة، وحول العالم، والتقى بشخصياتٍ دينية وسياسية ونشطاء، بما في ذلك التقاؤه بأتباع وأفراد عائلة غاندي، خلال رحلته إلى الهند في عام 1959م، كما ألَّف العديد من الكتب والمقالات خلال ذلك الوقت.

جهود ونتائج

كان عام 1963م زاخراً بالجهود البناءة، فخلاله قاد كينغ حملة في أكثر مدن أمريكا انعزالاً وفصلاً عنصرياً؛ برمنغهام في ولاية ألاباما عام 1963م، وجرى تنظيم مظاهرات في المدينة لمناهضة الفصل العنصري، وممارسات التوظيف غير العادلة، وغيرها من المظالم الواقعة على السود، في حين واجهت الشرطة تلك المسيرات بوحشية عبر إطلاق الكلاب وخراطيم المياه صوب المتظاهرين، ما أدى إلى غضب شعبي.

جموع في مسيرة واشنطن- AP Images

واعتقل كينغ في 12 أبريل على إثر تلك المسيرات، وخلال سجنه كتب بيان الحقوق المدنية المعروف باسم “رسالة من سجن برمنغهام”، الذي دافع فيه عن فلسفته في العصيان المدني بعد انتقاده من قبل رجال دين بيض.

وفي 28 أغسطس عام 1963م انطلقت مسيرة واشنطن، وكان كينغ أحد منظميها وشارك بها حوالي مئتي ألف شخص، وخلالها ألقى كينغ خطابه الشهير “لدي حلم”، على درجات نصب الرئيس الأمريكي الذي ألغى العبودية إبراهام لنكولن، وقال كينغ: “لدي حلم أن أطفالي الأربعة سيعيشون ذات يوم في أمة لن يتم الحكم عليهم فيها من خلال لون بشرتهم ولكن من خلال شخصيتهم”.

خلال توقع الرئيس الأمريكي ليندون جونسون على قانون الحقوق المدنية لعام 1964- Cecil Stoughton/Lyndon B. Johnson Library and Museum

كان لخطاب كينغ صدى دولي، وفي وقتٍ لاحق من ذلك العام تم اختياره “رجل العام” من قبل مجلة “تايم”، وكان أول رجل أسود يحصل على اللقب، وفي عام 1964م، عندما كان يبلغ من العمر 35 عاماً، أصبح كينغ أصغر شخص يفوز بجائزة نوبل للسلام.

كان عام 1964م عاماً لحصد النتائج، فقد أصدر الكونجرس قانون الحقوق المدنية، فبموجبه أصبح من غير القانوني التمييز ضد السود أو الأقليات الأخرى في التوظيف أو التعليم أو النقل، وبذلك تم القضاء على الفصل العنصري قانونياً.

جنازة زعيم الحقوق المدنية مارتن لوثر كينغ- Santi Visalli/Getty Images

وبفضل صدى مسيرة نظمت في مدينة سلما في ألاباما، من قبل مؤتمر القيادة المسيحية الجنوبية، ولجنة التنسيق الطلابية اللا عنفية (SNCC) لتسجيل الناخبين، وقوبلت بعنف متطرفين بيض وثِّق على شاشات التلفزيون، مرر الكونجرس في أغسطس عام 1965 قانون حقوق التصويت، وكفل حق التصويت لجميع الأمريكيين الأفارقة.

جنازة زعيم الحقوق المدنية مارتن لوثر كينغ- Santi Visalli/Getty Images

خلال الأعوام الأخيرة من حياته، واصل كينغ عمله لتحصيل حقوق الملونين والمهمشين في الولايات المتحدة، ملتزماً بفلسفته القائمة على اللاعنف، وفي مساء يوم 4 أبريل 1968، خلال وقوفه على شرفة فندق في ممفيس، حيث سافر كينغ لدعم إضراب عمال الصرف الصحي، اغتيل رمياً بالرصاص على يد العنصري جيمس إيرل راي، بعد أكثر من عقد على العمل على تحقيق أكبر قدر من المساواة والعدل بين الأعراق المختلفة في الولايات المتحدة.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة