الواجهة الرئيسيةترجماتشؤون دولية

ماذا ينتظر العالم القديم والمملكة الوسطى في المستقبل؟

صعود الصين وانقسامات أوروبا وسياسة اليد القوية لترامب

كيوبوست – ترجمات

جوليان سميث، وتوري تاوسيج♦

بدأت أوروبا في مواجهة التحديات التي تفرضها الصين الصاعدة. ومن المناقشات السياسية التي تعصف بالعواصم الأوروبية حول مشاركة شركة “هواوي” الصينية العملاقة للاتصالات السلكية واللاسلكية في بناء شبكات الجيل الخامس للهاتف المحمول إلى القمة المتوترة بين الاتحاد الأوروبي والصين في وقتٍ سابق من هذا العام، أظهرت الأحداث الأخيرة أن القادة الأوروبيين أصبحوا قلقين بشكل متزايد من علاقة كان الجانبان يعتبرانها حتى وقت قريب مفيدة للغاية.

ولتعزيز مصالحها بشكل أفضل، يجب على أوروبا استخدام قوتها الاقتصادية والسياسية والدبلوماسية لتعزيز الملعب الاقتصادي مع الصين والحماية من النفوذ السياسي الصيني، والدفاع عن القيم الديمقراطية في الداخل. ومع ذلك، فهناك شيئان يقفان في طريق هذه الاستراتيجية. أولاً، أن أوروبا لا تزال منقسمة بشأن مدى جدية التعامل مع التحدي الصيني. وعلى النقيض من التحولات الاستراتيجية التي تحدث في برلين وباريس وعاصمة الاتحاد الأوروبي في بروكسل، لا يزال قادة العديد من الدول الأصغر لا يرون سوى الفوائد الاقتصادية للمشاركة الأعمق مع الصين.

اقرأ أيضاً: استراتيجية الصين الكبرى: الاتجاهات والمسارات والتنافس طويل المدى

ثانياً، تجد أوروبا نفسها عالقة في وسط تنافس متزايد بين الولايات المتحدة والصين. ولا يمكنها التخلي عن علاقاتها طويلة الأمد مع الولايات المتحدة (حتى في الوقت الذي تتشاجر فيه مع إدارة ترامب حول كل شيء من الرسوم الجمركية إلى الإنفاق الدفاعي)، لكنها أيضاً لا تستطيع إضعاف علاقة تجارية مع الصين تبلغ قيمتها أكثر من مليار دولار يومياً.

من فرصة إلى تهديد

وتأتي ألمانيا في وضعٍ جيد لقيادة هذا الجهد. كما يمكن لعدد قليل من الدول الأوروبية الأخرى مضاهاة علاقاتها الاقتصادية مع الصين. ويمنح هذا برلين قدرة فريدة داخل الاتحاد الأوروبي كقوة مقاومة لبكين؛ وهي عملية بدأت بالفعل. فقبل عقد من الزمن، كانت ألمانيا منشغلة بالارتياح مع الصين. وفي عام 2010، بعد أن دعت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، دون جدوى إلى استراتيجية الصين على مستوى الاتحاد الأوروبي؛ حيث عادت إلى العلاقات الثنائية بين ألمانيا والصين، وسَعَت بقوة لتوثيق العلاقات الاقتصادية.

لوحة إعلانية لشركة “فولكس فاجن” في معرض بكين للسيارات.. أبريل 2016- وكالة “ريدوكس”

ففي عام 2013، حاربت خطط الاتحاد الأوروبي لفرض رسوم جمركية على الصين لبيع الألواح الشمسية بأقل من التكلفة؛ خوفاً من تأثير ذلك على الشركات الألمانية العاملة في الصين. وفي عام 2014، رفعت علاقة ألمانيا بالصين إلى مستوى “شراكة استراتيجية شاملة”. وعلى الرغم من أنها أثارت بانتظام مخاوف بشأن حقوق الإنسان مع القادة الصينيين،؛ فإن العلاقة التجارية كانت لها الأسبقية على معظم القضايا الأخرى.

اقرأ أيضاً: هذا هو الخاسر الأكبر في حرب تجارية مفترضة بين الصين والولايات المتحدة

وقد آتت جهود ميركل أُكلها. وأصبحت ألمانيا الشريك التجاري الرائد للصين في أوروبا، وهي الآن واحدة من ثلاث دول فقط في الاتحاد الأوروبي (إلى جانب فنلندا وأيرلندا) التي تمتلك فائضاً تجارياً مع الصين؛ حيث تعمل نحو 5200 شركة ألمانية في الصين، ويعمل بها أكثر من مليون شخص. وبحلول عام 2017، كانت أربع سيارات من بين كل عشر مباعة من قِبل شركة “فولكس فاجن” متجهة إلى الصين. وفي العام نفسه، تجاوزت الصين الولايات المتحدة كأكبر شريك تجاري لألمانيا.

وتعطي الاستراتيجية الأولوية للتقدم في مجالاتٍ مثل شبكات الجيل الخامس والروبوتات والفضاء ومعدات السكك الحديدية المتقدمة، ومركبات الطاقة النظيفة. كما تهدف إلى الاستبدال بالتكنولوجيا الأجنبية بدائل صينية الصنع في السوق المحلية الصينية أولاً ثم في الخارج. ورداً على ذلك، بدأت ألمانيا ودول أوروبية أخرى في الحد من الاستثمار الصيني في الصناعات الحيوية. كما أثار التحول السياسي القمعي للصين قلق ألمانيا.

سفينة في ميناء بيرايوس المملوك للصين- اليونان.. سبتمبر 2017- “رويترز”

وأدَّى توطيد الرئيس الصيني شي جين بينغ، للسلطة، إلى زعزعة ثقة ألمانيا في الاستقرار السياسي المستقبلي للصين. حيث تستخدم الحكومة الصينية التقنيات التي تستخدم الذكاء الاصطناعي لمراقبة كل خطوة يقوم بها مواطنوها، وتشغيل نظام ائتمان اجتماعي سيحكم على مصداقيتهم. من جانب آخر، يتزايد قلق الصناعة الألمانية بشأن التقدم التكنولوجي الصيني، ويشعر قادة الأعمال الألمان الذين طالما دعموا علاقات اقتصادية أعمق مع الصين بالقلق من سعي الصين الذي تقوده الدولة لتحقيق التفوق التكنولوجي على حساب الشركات الألمانية. وفي يناير الماضي، أصدر اتحاد الصناعات الألمانية تقريراً يُستشهد به على نطاقٍ واسع يحذر الشركات من تقليل اعتمادها على السوق الصينية.

اقرأ أيضاً: كيف تتفكك القوة الأمريكية وتنتهي هيمنة القطب الأوحد بلا عودة؟

وأدى التكرار المتزايد لعمليات القرصنة الصينية إلى قيام وكالة الأمن السيبراني التابعة للحكومة الألمانية بتحذير الشركات الألمانية من تزايد مخاطر التجسس الإلكتروني الصيني. حيث جاء ذلك على رأس قضية عام 2017، اتهمت فيها وكالات المخابرات الألمانية الصين بإنشاء حسابات مزيفة على منصة “لينكدإن” للتواصل مع أكثر من 10 آلاف مواطن ألماني؛ بما في ذلك مشرعون ومسؤولون حكوميون، من أجل الحصول على معلومات وتجنيد مصادر والتسلل إلى البرلمان والحكومة الوزارات.

كل هذه المظالم لها تأثير متزايد على السياسة الألمانية تجاه الصين. وتضغط ميركل، التي تشير الآن إلى الصين باعتبارها “منافساً منهجياً”، من أجل اتخاذ موقف قوي وموحد من الاتحاد الأوروبي، وانتقدت علناً القرارات التي تقوِّض وحدة الاتحاد الأوروبي بشأن الصين؛ مثل تأييد إيطاليا الرسمي لمبادرة الحزام والطريق، وهو مخطط الصين الهائل لبناء البنية التحتية العالمية. كما أوضحت أنها تقدر المحادثات بين الاتحاد الأوروبي والصين بقدر ما تقدر المحادثات الألمانية الصينية المباشرة.

حفل إطلاق هاتف ذكي من “هواوي” الصينية في لندن.. أكتوبر 2018- “رويترز”

وفي وقتٍ سابق من هذا العام، اقترحت بنجاح ألا تضم ​​قمة الاتحاد الأوروبي والصين لعام 2020، التي ستستضيفها ألمانيا، مسؤولي الاتحاد الأوروبي فقط كما هو معتاد؛ ولكن أيضاً قادة وطنيين من جميع دول الاتحاد الأوروبي. وهذا سيجعل من الصعب على الصين تقويض وحدة الاتحاد الأوروبي من خلال التفاوض مع الدول الفردية.

اقرأ أيضاً: ماذا علينا أن نفعل حيال الصين؟

ولعل ألمانيا ليست وحدها في يقظتها؛ حيث تشدد أكبر قوتين في أوروبا -فرنسا والمملكة المتحدة- إلى جانب بولندا وإسبانيا والدول الإسكندنافية، على أن التعاون مع الصين بشأن التحديات العالمية؛ مثل تغير المناخ والانتشار النووي، يخدم مصالح أوروبا. لكنها تعتقد أيضاً أن الصين تقوِّض القيم والقواعد والمعايير الغربية. وخلال زيارة شي الأخيرة إلى باريس، أعلن الرئيس الفرنسي ماكرون نهاية “السذاجة الأوروبية” تجاه الصين. كما دعا ماكرون كلاً من ميركل وجان كلود يونكر؛ رئيس المفوضية الأوروبية، للانضمام إلى اجتماعاته مع الرئيس الصيني؛ من أجل تشكيل جبهة موحدة.

وتشهد العديد من الدول الأوروبية ما وصفه أحد كبار مسؤولي الاتحاد الأوروبي لأحدنا بأنه “إرهاق الصين”، بعد سنوات من الاستثمارات التي كانت مليئة بالوعود وقاصرة عن التنفيذ. ففي عام 2009، وعدت شركة إنشاءات صينية ببناء طريق سريع جديد من وارسو إلى ألمانيا مقابل جزء بسيط من تكلفة العطاءات الأخرى في مشروع كان يهدف إلى إظهار البراعة الصينية وفتح صفقات جديدة في الاتحاد الأوروبي.

رئيس المفوضية الأوروبية جان كلود يونكر مع رئيس مجلس الدولة الصيني لي تشيانغ في بروكسل- 2017- “رويترز”

كما أُصيبت جمهورية التشيك بخيبة أمل؛ حيث أعلنت الحكومة التشيكية في عام 2014 أنها ستكون بمثابة “بوابة الصين إلى أوروبا”. وفي ذلك الوقت، كانت الشركة الصينية الضخمة (سي إي إف سي تشاينا إنيرجي) تعد باستثمار مليارات الدولارات في البلاد. وعيَّن الرئيس التشيكي ميلوس زيمان رئيس الشركة، يي جيانمينغ، كمستشار فخري، وهي خطوة برَّأت النقادَ الذين جادلوا بأن استثمارات الصين لم تكن اقتصادية فحسب؛ بل كانت تتعلق أيضاً ببناء نفوذ سياسي.

شاهد: فيديوغراف.. قوى العالم الجديد تعيد صياغة قوانين اللعبة السياسية

وفي عام 2017، نَسَفتِ اليونان بياناً للاتحاد الأوروبي بشأن انتهاكات حقوق الإنسان الصينية. وفي وقتٍ سابق من هذا العام، اتخذ رئيس الوزراء البرتغالي أنطونيو كوستا، الذي تلقت بلاده استثمارات صينية كبيرة، موقفاً قوياً ضد العروض الأوروبية الأكثر صرامة للاستثمارات الصينية. وقال أحد كبار صناع السياسة في الاتحاد الأوروبي، مؤخراً، لأحدنا: “لقد وصلنا الآن إلى وضع تتمتع فيه الصين أساساً بحق النقض داخل هيئات صنع القرار في الاتحاد الأوروبي”.

ونظراً لأن بعض الدول الأوروبية أصبحت محبطة من سلوك الصين، فقد بدأت في الضغط من أجل استراتيجية أكثر تماسكاً على مستوى الاتحاد الأوروبي. ووصف الكتاب الأبيض الصادر عن الاتحاد الأوروبي، مؤخراً، بشأن الصين، بكين بأنها “منافس منهجي يروج لنماذج بديلة للحكم”، ودعا الاتحاد الأوروبي إلى مواصلة علاقة متبادلة مع الصين وتقوية قاعدته الصناعية.

لافتة للرئيس الصربي ألكسندر فوسيتش وشي بينغ في بلغراد خلال مظاهرة للاحتفاء بمبادرات الصين لمكافحة فيروس كورونا- صربيا.. مايو 2020- “رويترز”

وفي القمة السنوية بين الاتحاد الأوروبي والصين هذا العام، والتي عُقدت بعد نشر الكتاب الأبيض، كان المزاج أكثر توتراً مما كان عليه في السنوات السابقة. وجاء الأوروبيون مستعدين لانتزاع التزامات كبيرة من نظرائهم الصينيين بشأن السياسات التجارية والاقتصادية، وأراد كلا الجانبين إرسال إشارة إلى واشنطن بأنهما يمكنهما إحراز تقدم دون اللجوء إلى تكتيكات الذراع القوية للرئيس دونالد ترامب.

اقرأ أيضاً: جائحة فيروس كورونا ستغير النظام العالمي إلى الأبد

وتمكن الاتحاد الأوروبي من الفوز بعددٍ من الامتيازات؛ بما في ذلك التعهدات بإتمام صفقة استثمارية طويلة الأمد بحلول عام 2020، وتحسين وصول الشركات الأوروبية إلى الأسواق، والحد من عمليات نقل التكنولوجيا القسرية.

انقسام البيت الداخلي

لقد قطع الاتحاد الأوروبي شوطاً طويلاً بشأن الصين؛ لكن الخلافات الداخلية لا تزال قائمة. وتواصل بعض الدول؛ بما في ذلك اليونان والمجر والبرتغال، الضغطَ من أجل المزيد من الاستثمار الاقتصادي من الصين، والتقليل من مخاوف مسؤولي بروكسل. وفي استطلاع للرأي في اليونان عام 2017، ذكر غالبية مَن شملهم الاستطلاع أن الاتحاد الأوروبي هو القوة الأجنبية الأكثر أهمية لليونان؛ ولكن عندما سُئل المشاركون عمن يأتي في المرتبة الثانية، ذكر عدد أكبر من المشاركين (53%) الصين عن الولايات المتحدة (36%).

الرئيس الصيني ورئيس الوزراء الإيطالي يشهدان توقيع مذكرة تفاهم بشأن مبادرة الحزام والطريق.. 2019- “الصين اليوم”

 وهذا النجاح يقلل من نفوذ الاتحاد الأوروبي على الصين. فعلى سبيل المثال، لم تتمكن بروكسل من صياغة استجابة موحدة لمطالب الولايات المتحدة بأن تحظر الدول الأوروبيةهواوي من شبكات الجيل الخامس الخاصة بها. وأصدرتِ المفوضية الأوروبية توصياتٍ بشأن مخاطر الأمن السيبراني؛ لكن يبقى الأمر متروكاً لكل دولة عضو لتحديد معايير الأمان الخاصة بها. ولا يزال معظمهم يكافح من أجل صياغة سياسات وطنية بشأن الجيل الخامس.

وتعمل ألمانيا والمملكة المتحدة على تشديد المتطلبات الأمنية لموفري شبكات الجيل الخامس، وفرنسا لديها بالفعل معايير أمان تمنع مشغلي الاتصالات من استخدام معدات “هواوي” في خطط الجيل الخامس الخاصة بهم. ومع ذلك، من غير المرجح أن يتبع أي منها نهج واشنطن المفضل لحظر “هواوي” تماماً، ولا يزال اتباع سياسة موحدة على مستوى الاتحاد الأوروبي بعيد المنال.

اقرأ أيضاً: العلاقات الأمريكيةالأوروبية على صفيح ساخن: فما الأسباب؟

وباستثناء النكسات المحلية، ستستمر القوة الاقتصادية والتكنولوجية والسياسية للصين في النمو. لكن الصين ليست مضطرة لكتابة قواعد النظام الدولي الجديد. فلا تزال الديمقراطيات الرائدة عبر آسيا وأوروبا وأمريكا الشمالية تتمتع بمزايا ساحقة عندما يتعلق الأمر بالتجارة، والملكية الفكرية، والثقل الاقتصادي، والتحالفات السياسية. ويمكنهم استخدام نقاط القوة هذه لمعارضة الجوانب الأكثر انقساماً والسلبية لنفوذ الصين العالمي.

والأهم من ذلك بالنسبة إلى منافستها مع الصين، أن أوروبا يجب أن تعزز سيادتها الاقتصادية والتكنولوجية. وقد يعني ذلك المزيدَ من الاستثمارات في الصناعات الرئيسة؛ مثل النقل والتكنولوجيا، كما اقترح وزير الاقتصاد الألماني بيتر ألتماير. ويمكن للاتحاد الأوروبي أيضاً تعديل قوانين المنافسة الخاصة به؛ للسماح للحكومات بتشجيع الشركات الوطنية والأوروبية التي يمكنها التنافس مع نظرائها في الولايات المتحدة والصين.

ميناء جنوة الذي يعد أحد أهداف الاستثمارات الصينية في أوروبا.. إيطاليا- وكالات

وقد دعا بعض صناع السياسة الفرنسيين والألمان إلى مثل هذا النهج؛ خصوصاً بعد أن رفضتِ المفوضية الأوروبية الاندماجَ المقترح بين شركة السكك الحديدية الألمانية التابعة لشركة “سيمنز” وشركة النقل الفرنسية “ألستوم” في أوائل عام 2019، على الرغم من المنافسة المتزايدة من مزودي السكك الحديدية الصينيين.  ويمكن لأوروبا أيضاً أن تساعد في وضع معايير تنظيمية وأخلاقية لبقية العالم. حيث تتحرك العديد من الشركات الأجنبية بالفعل للامتثال للوائح حماية البيانات العامة للاتحاد الأوروبي، حتى في عملياتها خارج الاتحاد الأوروبي؛ ما يبرز قدرة أوروبا على تعزيز قيمها الرقمية. واللائحة العامة لحماية البيانات ليست سوى الخطوة الأولى في ريادة التكنولوجيا في أوروبا.

استراتيجية عبر الأطلسي

ولا ينبغي لاستراتيجية الاتحاد الأوروبي المستقلة أن تمنع أوروبا من العمل بشكل وثيق مع الولايات المتحدة بشأن الصين. ولكن أولاً سيتعين على الجانبين إصلاح علاقتهما التجارية المتدهورة والعودة إلى تعهدهما المشترك لعام 2018؛ للعمل من أجل “عدم التعريفات الجمركية، وعدم وجود حواجز غير جمركية، وعدم دعم السلع الصناعية غير المتعلقة بالسيارات”.

اقرأ أيضاً: عقيدة سيناترا.. ما الذي سيفعله الاتحاد الأوروبي مع الصين؟

وعلى الرغم من أنه من غير المحتمل أن تتوصل بروكسل وواشنطن إلى اتفاقية تجارة حرة شاملة؛ فإنه يمكنهما متابعة عملية مجزأة يمكن أن تمنحهما بعض الانتصارات الأصغر التي تشتد الحاجة إليها، وتمنع اندلاع حرب تجارية، كما تعمل على إظهار الوحدة عبر الأطلسي. وسوف يسمح حل بعض نزاعاتهما التجارية على الأقل لأوروبا والولايات المتحدة باللجوء إلى أجندة عالمية أكثر طموحاً.

لقاء الرئيس ترامب الرئيسَ الصيني شي بينغ خلال قمة مجموعة العشرين في هامبورغ- ألمانيا.. 2017- “أسوشييتد برس”

ولا شك أن الغرب بحاجة إلى خياراتٍ أفضل. ويمكن أن توفر استراتيجية الاتحاد الأوروبي للاتصال بين أوروبا وآسيا، والتي تم الكشف عنها في أواخر عام 2018، وتهدف إلى تعزيز الروابط الرقمية والنقل والطاقة بين أوروبا وآسيا وتعزيز التنمية، بدائل لمبادرة الحزام والطريق. وكذلك الأمر بالنسبة إلى قانون البناء في الولايات المتحدة الذي أقره الكونغرس العام الماضي؛ حيث أنشأ مؤسسة تمويل تنمية جديدة بميزانية 60 مليار دولار للاستثمار في البلدان النامية.

اقرأ أيضاً: ثورة تجارية بين 68 دولة.. كل ما تريد معرفته عن طريق الحرير الجديدة

ومع ذلك، فإن مثل هذه الجهود سوف تتضاءل حتماً مقارنة بمبادرة الحزام والطريق التي يصل تمويلها بالفعل إلى أكثر من 200 مليار دولار، ويمكن أن يصل إلى 1,3 تريليون دولار بحلول عام 2027. وإذا كان لأي مشروع أن ينجح، فسيحتاج إلى أولويات أوضح، والمزيد من الأموال، ودعمٍ سياسي أكبر.

وهناك نهج آخر أقل طموحاً يتمثل في أن ترسل بروكسل وواشنطن صانعي السياسات والاقتصاديين لتقييم المشروعات التي تدرسها الدول مع الصين بشكل مستقل. وفي العام الماضي، أرسلت وزارة الخزانة الأمريكية فريقاً صغيراً إلى ميانمار؛ لمساعدة الحكومة هناك في إعادة التفاوض بشأن صفقة الموانئ الصينية.

دونالد ترامب يتحدث مع المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل ويحيطهم زعماء آخرون من مجموعة السبع ومستشاروهم.. 2018- “أسوشييتد برس”

ويجب على الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة العمل معاً لمواجهة النفوذ الصيني في أنظمتها السياسية؛ حيث أبدت واشنطن والعديد من أعضاء الاتحاد الأوروبي بالفعل قلقهم بشأن هذه القضية، كما يتطلعون إلى التشريع المناهض للتدخل الأجنبي، الذي أقرته أستراليا العام الماضي، كنموذج للتعامل مع التدخل السياسي الصيني.

إنها أوقاتٌ عصيبة بالنسبة إلى الاتحاد الأوروبي؛ حيث دفع خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، والانتصارات غير الليبرالية في جميع أنحاء أوروبا، وعودة روسيا، وتدهور العلاقات عبر الأطلسي، القادة الأوروبيين إلى السعي للحفاظ على كل من المشروع الأوروبي والنظام الدولي. وقد تركهم ذلك مع وقت وطاقة أقل للتركيز على الصين. وعلى الرغم من أن بعض الدول تعمل على تطوير استجابات للمشاركة الاقتصادية المتزايدة للصين وتأثيرها السياسي في أوروبا؛ فإن الكثير منها يتجاهل التحدي الصيني.

اقرأ أيضاً: تضارب مصالح وإرث دموي.. ماذا يقول التاريخ عن مستقبل الاتحاد الأوروبي؟

وخلال الحرب الباردة، كانت أوروبا ساحة معركة للمنافسة الأيديولوجية بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي. وكان لها تأثير ضئيل في النتيجة؛ لكن أوروبا اليوم تمتلك القدرة على منع اندلاع حرب باردة جديدة وتعزيز مستقبل أكثر استقراراً وازدهاراً. وإذا حدث ذلك، فسيتعيَّن على ألمانيا أن تأخذ زمام المبادرة. ويجب أن تحث القارة على تطوير استراتيجية متماسكة تعتمد على نقاط القوة في أوروبا والقيم الديمقراطية الليبرالية.

وعندها فقط يمكن للاتحاد الأوروبي العمل مع الولايات المتحدة لتجديد نظام دولي مرهق -من تحديث بنية التجارة العالمية إلى إدارة التقنيات الجديدة والمدمرة- وحماية الطبيعة الديمقراطية المنفتحة للنظام الليبرالي من التأثير الصيني. وإذا لم يستطع العالم الديمقراطي أن يرتقي إلى مستوى المهمة، فستعيد الصين تشكيل النظام كما تراه مناسباً. ولن تحب أوروبا هذه النتيجة.

  • جوليان سميث: مشرف على سياسة أوروبا وحلف شمال الأطلسي بمكتب وزير الدفاع الأمريكي من 2009 إلى 2012، نائب مستشار الأمن القومي لنائب الرئيس الأمريكي جو بايدن من 2012 إلى 2013.
  • توري تاوسيج: زميل غير مقيم في مركز معهد بروكينغز في الولايات المتحدة وأوروبا.

المصدر: فورين أفيرز

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة