الواجهة الرئيسيةشؤون دولية

ماذا ينتظر أقلية الهزارة بعد استيلاء “طالبان” على السلطة في أفغانستان؟

مخاوف من التنكيل والتعذيب والقتل بحقهم من قِبل "طالبان" واستغلال أوضاعهم من قِبل طهران

كيوبوست

منذ استيلاء حركة طالبان على السلطة في أفغانستان مؤخراً، تحاول الحركة الظهور بصورة أكثر تسامحاً؛ لكن منظمة العفو الدولية تقول إن وقائع القتل تعد “مؤشراً مخيفاً” لنظام حكم الحركة المتشددة، متهمةً “طالبان” بتعذيب وقتل عدد من أقلية الهزارة الشيعية والتنكيل بهم؛ حيث تضمن تقرير للمنظمة الحقوقية شهاداتٍ مروعة لأعمال قتل وقعت في أوائل شهر يوليو الماضي بولاية غزني جنوب شرقي أفغانستان.

 

وصول “طالبان” إلى العاصمة كابول، أعاد إلى الأذهان ذكريات المذابح الجماعية التي تعرضت إليها الأقليات العرقية في البلاد إبان حكم الحركة في التسعينيات من القرن الماضي؛ ومنها أقلية الهزارة الشيعية، التي نستعرض في هذا التقرير الطبيعة الديموغرافية لها في أفغانستان، وأبرز المخاوف والانتهاكات التي تعرضت إليها سابقاً من قِبل حركة طالبان، وسعي طهران لتوظيف الاعتداءات الإرهابية التي تتعرض إليها “الهزارة”، بين فينةٍ وأخرى، كمبرر لمدِّ نفوذها وبسط وجودها بشكل وازنٍ ومؤثر، من خلالهم، داخل أفغانستان.

اقرأ أيضاً: إمارة أفغانستان الإسلامية.. المأساة تبدأ من جديد

* نبذة تاريخية

تاريخياً، يحتل الهزارة الشيعة الدرجة الدنيا في النسيج العرقي لأفغانستان، أمام قبائل البشتون الأحناف السُّنة، حكام البلاد التـاريخيين. ورغم أن أقلية “الهزارة” يمثلون ما بين 15 و20% من سكان أفغانستان؛ فإنهم شكلوا وعلى مدى قرون، وبملامحهم المغولية المميزة، ولغتهم الفارسية، ومذهبهم الاثني عشري، فئة الخدم والطهاة والسائقين. وفي حين يسيطر البشتون على الجنوب والشرق المحاذيَين لباكستان، يقبع الهزارة في مرتفعات المنطقة الوسطى الغربية المعروفة باسم هزاراجات؛ حيث مدينة باميان هي عاصمتهم التقليدية، لكنهم يوجدون أيضاً في العاصمة كابول، التي يعيش فيها أكثر من مليون شخص منهم، وخارج أفغانستان لهم وجود مهم في مدينة كويته الباكستانية، عاصمة إقليم بلوشستان؛ حيث يسيطر البشتون أيضاً.

“طالبان” كفرت الأقلية في تسعينيات القرن الماضي

مقاتلو “طالبان” والسكان المحليون يجلسون فوق عربة للجيش على جانب الطريق في ولاية لغمان أغسطس 2021- “فرانس برس”

وخلال تسعينيات القرن الماضي، أعلنت “طالبان” تكفيرها الطائفة الشيعية، ونفذت عام 1998 مجزرة بحق الهزارة في مدينة مزار شريف، التي راح ضحيتها 7000 قتيل خلال أسبوع واحد، لتتبع الحركة تلك المجزرة بـ7 مجازر أخرى بولايتي باميان وسمنغان.

الدور الإيراني

إيران التي يحدوها طموح تصدير الثورة، دعمت الفصائل الأفغانية الشيعية بالتدريب والمال واحتضنت قياداتها، منذ معارك فصائل “المجاهدين الأفغان” ضد الوجود السوفييتي في البلاد، مطلع الثمانينيات الميلادية من القرن الماضي؛ حيث شكَّل الشيعة حينها تحالف “طهران 8” المكون من ثمانية أحزاب شيعية، أغلبها من الهزارة، لمواجهة تحالف “بيشاور 7” المشكل من سبعة تنظيمات سُنية مدعومة من باكستان. وفي عام 1995، عندما استولت حركة طالبان على السلطة، وقع زعيم الهزارة عبدالعلي مزاري، في قبضة “طالبان” في كابول. ولم تتردد الحركة في إعدامه عام 1996.

اقرأ أيضاً: د.زاهد شهاب لـكيوبوست“: الجيش الأفغاني افتقد الحافز للقتال في وجه “طالبان

وقد كان الحرس الثوري الإيراني قد استغل مبكراً الظروف الصعبة لأقلية الهزارة بعد لجوء نحو ثلاثة ملايين شخص منهم إلى أراضيها؛ ما دفع “فيلق القدس” إلى تجنيد عشرات الآلاف من الهزارة مقابل امتيازات المال والإقامة الرسمية داخل إيران، مشكلين بذلك “لواء أبو ذر” الأفغاني، الذي قاتل جنباً إلى جنب مع القوات الإيرانية ضد العراق في الحرب العراقية- الإيرانية، ولتأتي “ميليشيا فاطميون” تحديثاً لهذا اللواء، وإعادة إنتاج له بشكل أكثر احترافية بإشرافٍ مباشر من القيادي “قاسم سليماني” الزعيم السابق لفيلق القدس -الذي قضى في غارة أمريكية قرب مطار بغداد- بعد أن جرَت تربية مقاتليه على العقيدة الاثني عشرية، وعقد جلسات تلقين مكثفة أمام المرجعيات الشيعية في قم؛ ما جعلهم بجانب ما اكتسبوه من خبراتٍ قتالية متقدمة، متشبعين بالفكر الطائفي والولاء الأعمى لنظرية ولاية الفقيه وللمرشد الإيراني، ولتسعى طهران لتوظيف مقاتلي ميليشيا “فاطميون” في سياقٍ إقليمي كإحدى الأدوات الرئيسة التي تناور بها طهران في الصراعات المستقبلية في منطقة “الشرق الأوسط الكبير” بدءاً بجنوب آسيا وداخل أفغانستان، وصولاً إلى البحرين والعراق وسوريا.

مقاتل من “ميليشيا فاطميون” في سوريا

وقبيل الانسحاب الأمريكي من أفغانستان، ومع استقرار الأوضاع في سوريا لصالح نظام بشار الأسد؛ عملت طهران على إعادة مجاميع من ميليشيا “فاطميون” من الهزارة إلى أفغانستان، وسعَت إلى محاولة إقناع الحكومة الأفغانية السابقة لدمجهم ضمن القوات الأفغانية النظامية تحت ذريعة أنهم الأقدر والأكثر خبرة في مواجهة تنظيم داعش الإرهابي، الذي وجد له مؤخراً موضع قدم فيها، وأعلن مسؤوليته عن عددٍ من الهجمات الإرهابية على أقلية الهزارة مطلع العام الحالي، بينما جاء قيام حركة طالبان قبل أيام، وبعد استيلائها على مقاليد السلطة في البلاد، بنسف تمثال عبدالعلي مزاري، زعيم أقلية الهزارة، الذي قاتلهم خلال الحرب الأهلية في أفغانستان في التسعينيات، فرصة لتبرير وجود المقاتلين الهزارة الموالين لطهران في منطقة مرتفعات ما يطلق عليها “إيران الصغرى” غربي أفغانستان والمحاذية للحدود الإيرانية، تحت ذريعة الدفاع عن النفس ومكافحة الإرهاب، تمهيداً لإدخالهم بشكلٍ وازن في الحكومة المستقبلية والجيش والبرلمان، في سيناريو مشابه لما تقوم به طهران في بسط نفوذها في كل من العراق واليمن ولبنان.

عدد من أبناء أقلية الهزارة في أفغانستان

تعامل “طالبان” مع الأقليات الدينية اتسم بارتفاع وتيرة العنف

واتسم تعامل “طالبان” مع الأقليات الدينية بارتفاع وتيرة العنف، والاستهداف، منذ منتصف العقد الماضي، تزامناً مع بدء انسحاب قوات حلف شمال الأطلسي، فتعرض الشيعة الهزارة إلى عشرات الهجمات بالعبوات الناسفة والانتحاريين، عدا الاقتحامات المسلحة للقرى، التي كان لـ”طالبان” باع طويل في بعض تلك الهجمات، بينما نفذ فرع خراسان لتنظيم داعش أكثرية تلك الهجمات.

اقرأ أيضاً: نهاية الحرب في أفغانستان وخيبة أمل المحاربين القدامى

الهزارة.. تاريخ من المقاومة

وشهد عام 2018 عدداً من الهجمات الواسعة لـ”طالبان” على 3 مناطق لشيعة الهزارة شرقي أفغانستان، التي نتج عنها مقتل وجرح المئات ونزوح الآلاف لولايات مجاورة. ورغم نزوح الكثير منهم إلى باكستان وإيران المجاورتَين؛ فإن الأقلية بجانب الشيعة الطاجيك اختاروا حمل السلاح دفاعاً عن النفس بتأسيس ميليشيات دفاع ذاتي عن مناطق وجودهم، وذلك قبيل سيطرة مسلحي “طالبان” على معظم الأراضي الأفغانية، خلال الأسابيع الماضية، واستسلام الميليشيات المحلية لها في الولايات المختلفة.

وفي التسعينيات، أبدى الهزارة مقاومة شديدة لجهود “طالبان” للسيطرة على البلاد؛ مما أسفر عن اضطهاد متواصل من قِبل “طالبان“.

مخاوف الأقلية تتصاعد بعد عودة “طالبان” إلى السلطة

شكَّلت عودة “طالبان” إلى السلطة كابوساً جاثماً أمام أعين الهزارة، لطالما كانوا يخشون حدوثه؛ لكنه اليوم واقع يعيشونه، إذ لا تزال ذاكرتهم مليئة بالمآسي التي تسببت بها حركة طالبان بارتكابها فظائع قتل الآلاف من الأقلية ذات الأغلبية الشيعية؛ حيث تعتبر “طالبان” الهزارة زنادقة. وعلى مدى العقدَين الماضيَين، بنى الهزارة مجتمعات مزدهرة في غرب كابول وفي هزاراغات موطنهم الجبلي في وسط أفغانستان؛ لكن مع عدم وجود ميليشيات خاصة بهم باتوا يتعرضون إلى الهجوم المتكرر.

وتصاعدت مطالب الهزارة بجيش لحمايتهم بعد مقتل ما يصل إلى 69 تلميذة في تفجير كابول في 8 مايو الماضي، وبعد أقل من شهر، تم قصف ثلاث شاحنات صغيرة للنقل العام في أحياء الهزارة بالعاصمة كابول؛ مما أسفر عن مقتل 18 مدنياً، معظمهم من الهزارة.

وقالت الشرطة إن من بين الضحايا صحفية ووالدتها. ومنذ عام 2016، قُتل 766 من الهزارة على الأقل في العاصمة وحدها في 23 هجوماً، وفقاً لـ”نيويورك تايمز”.

اتبعنا على تويتر من هنا

 

 

 

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة