الواجهة الرئيسيةترجماتشؤون دوليةشؤون عربية

ماذا يقول الخبراء عن أزمة السفينة العالقة في قناة السويس؟

تقدر مجلة "لويدز ليست" المعنية بتتبع أخبار الشحن أن كل يوم يتم فيه إغلاق قناة السويس يعطل أكثر من 9 مليارات دولار من البضائع التي يجب أن تمر عبر هذا الممر المائي

كيوبوست – ترجمات

قامت سفينة الحاويات من الفئة الذهبية “إيفرجيفن”، يوم الأربعاء الماضي، بإرساءٍ غير مخطط له في الرمال على جانبي قناة السويس؛ ما أدى إلى وقف حركة الملاحة بين أوروبا وآسيا. وقالت شركة “إيفرجرين مارين” التي تدير السفينة، وتعمل تحت علم بنما، لصحيفة “فاينانشال تايمز”، في رسالةٍ إلكترونية، إن السفينة “يشتبه في أنها واجهت عاصفة مفاجئة من الرياح القوية تسببت في انحراف جسم السفينة عن مسارها وجنوحها عن طريق الخطأ”.

وقال الفريق أسامة ربيع، رئيس هيئة قناة السويس، إن الملاحة عبر الممر المائي ستظل متوقفة حتى تعويم السفينة. بينما وصل فريق من شركة “بوسكاليس”، وهي شركة هولندية متخصصة في الإنقاذ، إلى القناة يوم الخميس، وحذر أحد كبار مسؤولي الشركة من أن إزاحة السفينة قد تستغرق “أياماً إلى أسابيع”.

اقرأ أيضاً:  بفضل “الهايبرلوب”.. هل سينتهي عهد وسائل النقل التقليدية؟

وحتى الآن، حاولت الجرافات إزالة الطمي حول السفينة الضخمة. ومن الشاطئ، حفرت جرافة واحدة على الأقل في الضفاف الرملية للقناة؛ مما يشير إلى أن مقدمة السفينة قد اندفعت فيها. ومع ذلك، أظهرت صور الأقمار الصناعية التي التقطتها شركة “بلانيتس لاب”، يوم الخميس، وتحليلها من قِبل وكالة “أسوشييتد برس”، أن السفينة لا تزال عالقة في الموقع نفسه.

وقالت شركة “برنارد شولت شيب مانجمنت”، المدير الفني لـ”إيفرجيفن”، إنه تم تعيين شركة “سميت للإنقاذ” التابعة لشركة “بوسكاليس”؛ للمساعدة في جهود الإنقاذ، إلا أن محاولة إعادة تعويم السفينة باءت بالفشل. وسفينة “إيفرجيفن” التي يبلغ طولها 400 متر، وتديرها شركة “إيفرجرين مارين”، ومقرها تايوان، هي واحدة من أكبر سفن الحاويات في العالم، وتحمل آلاف الأطنان من البضائع؛ حيث يشير موقعها إلى أن مقدمة السفينة ومؤخرتها عالقتان على الضفاف الضحلة من حافة القناة في الطرف الجنوبي.

حوت ثقيل على الشاطئ

وبينما يأمل خبراء الإنقاذ في أن يساعد ارتفاع المد والجزر في تحرير السفينة، إذا تمكنت الحفارات من إزالة ما يكفي من الرمال والتربة، فإن هناك مخاوف متزايدة من أن إعادة تعويم “إيفرجيفن” قد يكون أكثر تعقيداً. وقد تحتاج شركات الإنقاذ إلى إزالة الوقود من صهاريج السفينة للمساعدة في تخفيف وزنها والنظر في تفريغ بعض حاوياتها، وهي مهمة شاقة ومحفوفة بالمخاطر؛ نظراً للموقع البعيد نسبياً، والارتفاع الهائل للسفينة، والافتقار إلى البنية التحتية على الأرض.

تواصل الجرافات أعمال الحفر لتعويم السفينة- “رويترز”

وشبّه بيتر بيردوفسكي، رئيس مجلس إدارة “بوسكاليس”، السفينة، لبرنامج الشؤون الجارية الهولندي “نيوفور”، بأنها “حوت ثقيل للغاية على الشاطئ”، مضيفاً: “سفينة بهذا الوزن، لا يمكن حقاً سحبها؛ يمكنك فقط نسيانها”. بينما قالت شركة “برنارد شولت شيب مانجمنت”: إن طاقم السفينة المكون من 25 فرداً آمنون ومعروف أماكنهم، ويحملون جميعاً الجنسية الهندية.

وعلى الرغم من المعلومات المتاحة؛ فإنه ربما يكون من الصعب وصف ما حدث بأنه “جنوح”، حيث إن جنوح سفن الحاويات ليس بالأمر المستغرب في قناة السويس. ففي مارس الماضي، تعرضت سفينة الحاويات “أووسل جابان”، وهي سفينة حاويات بحجم “إيفرجيفن”، لعطلٍ ميكانيكي في قناة السويس، وفقدت التوجيه، وعلقت في الأرض، وتم إعادة تعويمها خلال عدة ساعات، وواصلت طريقها. ومن المؤكد أن الطقس كان عاصفاً على طول قناة السويس. ووفقاً لموقع “ميت بلو” الإلكتروني، الذي يوفر بيانات الطقس للتطبيقات والشركات، بلغت سرعة الرياح ذروتها فوق 30 ميلاً في الساعة في السويس يوم الأربعاء. وكانت معظم الموانئ تبعث برسالةٍ تحذيرية عن الأحوال الجوية، وسرعة الرياح.

اقرأ أيضاً: قوارب حوثية انتحارية تهدد الملاحة الدولية!

لكن الأمر لم يكن مفاجئاً؛ فقد بلغت سرعة الرياح ذروتها فوق 30 ميلاً مرتين خلال عام 2020 في الموقع نفسه، مرة في مارس ومرة أخرى في مايو. غير أن التفسير الأوَّلي الذي قدمته شركة “إيفرجرين” يخطو بحذر شديد حول سبب آخر محتمل، لأن “إيفرجيفن” سفينة كبير جداً، والسفن الكبيرة جداً في القنوات الضيقة لا تتحرك بطرق منتظمة مثل السيارات.

درس مهم للتجارة العالمية

وقد تحدث الفريق الإخباري التابع لصحيفة “فاينانشال تايمز” إلى إيفرت لاتير؛ رئيس قسم التكنولوجيا البحرية في جامعة خنت في بلجيكا، وهو يدرس حالياً الديناميكا المائية، ويعمل مع مركز أبحاث فلاندرز هيدرولكس على ما يسميه خزان السحب الضحل الأكثر دقة في العالم. يقول لاتير: “تحتاج المياه إلى النزوح، يمكن أن تمر أسفل السفينة في أعماق المحيط، وهذه ليست مشكلة؛ لكن إذا كان من الضروري الذهاب إلى المياه الضحلة، مثل قناة السويس، فلا يمكن للمياه ببساطة أن تتحرك أسفلها وحولها”.

نموذج لمحاكاة الإبحار في المياه الضحلة.. مركز أبحاث فلاندرز هيدرولكس- “فاينانشال تايمز”

وقد كتب لاتير أطروحته البحثية عن ظاهرةٍ مشابهة، فعندما تمر سفينة بالقرب من الضفاف يظهر تأثير ميل المؤخرة؛ حيث يتسارع الماء، وينخفض الضغط، وتسحب المؤخرة في اتجاه الضفة، ويحدث هذا بشكل خاص في المياه الضحلة؛ إذ يتم دفع المؤخرة بعيداً. وتظل المؤخرة في اتجاه، والمقدمة في الاتجاه الآخر، وفجأة تبدأ السفينة التي كانت تبحر في الدوران.. إنها ظاهرة معروفة تماماً؛ ففي عام 2009، عقد مركز علم المياه الضحلة التابع لجامعة خنت مؤتمراً كاملاً حول هذا الموضوع.

وربما تهتم معظم البحوث والتصاميم على هياكل السفن بالكفاءة والاستقرار في البحر؛ لكن البحر ليس المكان الذي علَقت فيه “إيفرجيفن”. وقد أصبحت السفن كبيرة وسريعة؛ مما يعني أن عواقب ديناميكا المياه الضحلة تتغير كل عام. ويشير لاتير إلى أنه في عام 2007، كانت أكبر سفن الحاويات تحمل 8000 حاوية؛ لكن بعض السفن الآن تصل حمولتها إلى 25,000 حاوية. وتحمل “إيفرجيفن”، التي تمت صناعتها من قِبل شركة “إيماباري” لبناء السفن، في اليابان عام 2018، ما يزيد قليلاً على 20,000 حاوية.

فكلما زاد عدد الحاويات التي يمكنك تكديسها على سفينة واحدة، كانت التكلفة الهامشية لكل حاوية جديدة أرخص. لكن الهندسة المتخصصة لسفن الحاويات تعني أنها لا تستطيع أن تزداد طولاً؛ يجب أن تزداد عرضاً، فناقلة النفط هي صندوق أحذية بغطاء: أي بدن في الأسفل، نفط في المنتصف، سطح السفينة في الأعلى؛ لكن سفينة الحاويات عبارة عن صندوق أحذية دون غطاء: أي بدن في الأسفل، ثم حاويات أعلى في كل مكان؛ إنها ليست قوية دون الغطاء.

رسم بياني يوضح زيادة معدلات حمولة السفن والحاويات من عام 1970 إلى عام 2020- جامعة غنت

ولا يمكن أن تزداد سفن الحاويات طولاً، كما لا يمكنها تكديس المزيد من الحاويات في المقدمة والخلف. وبدلاً من ذلك، يقومون بتكديسها للأعلى وعرضياً. لذلك لم تصبح سفن الحاويات متوحشة الطول فقط؛ لكنها أصبحت متوحشة من كل اتجاه وهذا لا يناسب كل الممرات الملاحية؛ فعلى سبيل المثال، تعتبر “إيفرجيفن” ضخمة للغاية بالنسبة إلى قناة بنما.

ويعتقد لاتير أنه ربما لم تكن هناك عاصفة؛ لكنه هدوء مؤقت، ما يعني أن “إيفرجيفن” قد تم الإفراط في تعديل مسارها إلى اليسار، وبدأ بدنها الممتلئ في احتضان الضفة المواجهة للريح. ثم حدث كل شيء بسرعة، بطريقة تشبه إلى حد كبير تأثير ميل المؤخرة؛ حيث ابتعدت المقدمة عن الضفة، وواصلت المؤخرة عناق الضفة والتحرك شمالاً، ودارت السفينة.

اقرأ أيضاً: كارثة بيئية تحدق بالسواحل الفلسطينية واللبنانية بعد اعتداء السفينة الإيرانية

وقد ارتطم الجزء الأمامي من مقدمة السفينة بالصخور الجانبية للممر المائي. لأنه، حسب لاتير، كلما زادت كمية المياه التي تزيحها السفينة كان التأثير أقوى، وكلما اقترب جانب الهيكل من الشاطئ كان التأثير أقوى، وكلما كانت السفينة أكبر ابتعدت المقدمة عن الضفة بشكل أسرع. وفي كل الأحوال، فإن فهم آثار هذه الحوادث على التجارة يمكن أن يساعدنا في استباق الحلول الفعالة.

اضطراب شديد في سلاسل الإمداد

وتشير التقديرات إلى أن 90% من أنشطة التجارة العالمية تتم عن طريق البحر. وتكشف حادثة مثل الجنوح الأخير لسفينة الحاويات الضخمة “إيفرجيفن”، في قناة السويس، عن نقاط الضعف في هذا النظام العالمي؛ حيث تعد قناة السويس بوابة لحركة البضائع بين أوروبا وآسيا، وكانت مسؤولة عن عبور أكثر من 19 ألف سفينة عام 2019، أي ما يعادل 1.25 مليار طن من البضائع.

الفريق أسامة ربيع رئيس هيئة قناة السويس -الثاني على اليمين- يتابع تطورات موقف السفينة العالقة- “أسوشييتد برس”

ويُعتقد أن هذا يمثل نحو 13% من حجم التجارة العالمية؛ لذلك فمن المحتمل أن يكون لأي انسداد تأثير كبير. وبدأت هيئة قناة السويس في توسيع الممر عام 2014؛ لرفع طاقته اليومية من 49 سفينة في الوقت الحالي إلى 97 سفينة بحلول عام 2023. وهذا يعطي مؤشراً على عدد السفن التي من المحتمل أن تتأثر بالوضع الحالي.

وتشير تقارير إلى أن الحادث أوقف بالفعل مرور 10 ناقلات نفط تحمل 13 مليون برميل، وأن أية سفن يتم تغيير مسارها سيكون لها 15 يوماً مضافة إلى رحلتها. ومن غير الواضح ما إذا كانت السلع المتأخرة حساسة لعنصر الوقت (على سبيل المثال: الأدوية أو الطعام)، كما تم تعزيز أسعار النفط من جراء الانسداد مع انتظار مرور طوابير طويلة من الناقلات. وارتفع خام برنت، وهو المعيار الدولي، بنسبة 5% تقريباً إلى نحو 63 دولاراً للبرميل منذ إغلاق القناة.

اقرأ أيضاً: الجائحة وفرصة الرأسمالية للتعافي من أخطاء الماضي!

ويسلط هذا الحادث الضوء على أنه مع زيادة حجم السفن وتعقيدها؛ حيث يبدو اعتمادها على طرق الشحن الضيقة التي تم إنشاؤها في عصورٍ سابقة محفوفاً بالمخاطر بشكل متزايد. وسيكون للانسداد الذي يحدث حالياً آثار محدودة على المدى الطويل؛ ولكن يمكن أن تحدث مثل هذه الحوادث بشكل ضار، مما يتسبب في تأثيرات مستهدفة أو واسعة النطاق على التجارة العالمية والمحلية. فنحن بحاجة إلى أن نكون أكثر وعياً بنقاط الضعف هذه كلما أصبح عالمنا أكثر ارتباطاً.

قائمة طويلة من السفن العالقة في قناة السويس في انتظار تعويم السفينة الجانحة- “لندن نيوز تايمز”

وتقدر مجلة “لويدز ليست” الشهيرة المعنية بتتبع أخبار الشحن، ومقرها لندن، أن كل يوم يتم فيه إغلاق قناة السويس يعطل أكثر من 9 مليارات دولار من البضائع التي يجب أن تمر عبر الممر المائي. وفي علامة على الاضطراب العالمي الذي تسبب فيه الانسداد، قدمت الشركة اليابانية المالكة للسفينة اعتذاراً مكتوباً عن الحادث. بينما قالت شركة “ميرسك”، وهي أكبر شركة شحن حاويات في العالم، إن تأثير ميل المؤخرة والسفينة الضخمة يسدان قناة السويس، وأن تسعاً من سفنها، وسفينتين شريكتين، قد توقفت بسبب الانسداد.

اقرأ أيضاً: دراسة حديثة للبنك الدولي.. تحديات ومستقبل النفط والثروة في الخليج

وقال رانجيث راجا، المحلل في شركة “ريفينتيف” لخدمات البيانات المالية، إن أكثر من 206 سفن تنتظر على جانبي القناة للعبور. بينما صرح جون جلين، الخبير الاقتصادي في معهد تشارتريد للمشتريات والإمدادات، بأن الإغلاق المطول للقناة يهدد بحدوث اضطراب شديد في سلاسل الإمداد. وأضاف جلين: “إذا كان لا بد من إعادة توجيه البضائع عبر إفريقيا بسبب الانسداد؛ فقد يضيف هذا ما يصل إلى 10 أيام إلى أوقات التسليم للشركات في المملكة المتحدة، وإذا حدث ذلك فإنه سيؤدي حتماً إلى نقصٍ في السلع، وارتفاع الأسعار التضخمي للمستهلكين”.

وأشارت هيئة قناة السويس إلى أن توقعاتها بشأن تعويم السفينة قد تم تمديدها. وقالت إنها سمحت لـ13 سفينة بالعبور من الطرف الشمالي للقناة، بيد أن هذه السفن ستحتاج الآن إلى الرسو، مع تعليق جميع عمليات الملاحة الأخرى. ولم تقرر معظم سفن الحاويات بعد ما إذا كانت ستدير مسارها حول طريق رأس الرجاء الصالح أم لا؛ ولكنها تعمل بشكل محموم على إعادة تنظيم الجداول الزمنية في حال بقاء السفينة عالقة.

المصادر:

اتبعنا على تويتر من هنا

 

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة