الواجهة الرئيسيةترجماتشؤون دولية

ماذا يريد العالم من جو بايدن؟

القدرة على توقع تصرفاته.. وأن يدرك أن جميع البشر يعيشون على نفس الكوكب

كيوبوست – ترجمات

في الأسبوع الماضي، وصباح اليوم التالي لانتهاء التصويت، انسحبتِ الولايات المتحدة من اتفاقية باريس حول التغيرات المناخية، إلا أن تأثير هذا الانسحاب لن يدوم طويلاً؛ فالرئيس المنتخب كان قد وعد بالانضمام إليها مجدداً فور دخوله البيت الأبيض. قال أندرياس نك؛ البرلماني الألماني السابق: “لقد أثارت هزيمة دونالد ترامب ردود فعل قوية حول العالم، إلا أن أقوى ردود الفعل هذه كان (شعوراً بالارتياح)”. ولكن العالم لن يعود إلى ما كان عليه في عام 2016، والسيد بايدن لن يتمكن من إرضاء الجميع.

ففي مسألة التغيرات المناخية، فإن معظم الدول تتطلع إلى عودة أمريكا إلى نادي المهتمين بالمناخ. ففي الأسابيع الثمانية الماضية تعهدت كل من الصين واليابان وكوريا الجنوبية بخفض انبعاثاتها إلى الصفر بحلول منتصف القرن الحالي. وبذلك تكون أربع من الدول الخمس الكبرى قد التزمت بتخفيض الانبعاثات فيها بما يتناسب مع الحد من زيادة الاحترار العالمي إلى درجتَين مئويتَين على الأكثر، بالمقارنة مع ما كان عليه الأمر قبل الثورة الصناعية.

قال السيد بايدن إنه يعتزم تبني هدف الوصول إلى مرحلة “صفر انبعاثات” بحلول عام 2050؛ الأمر الذي يقول الدارسون إنه سيحقق انخفاضاً قدره 0.1 درجة مئوية في درجات الحرارة المتوقعة مع نهاية القرن.

وعلى الرغم من أن بايدن يستطيع العودة إلى اتفاق باريس من دون موافقة الكونغرس؛ فإنه سيحتاج دعماً من نواب كلا الحزبَين لإضفاء المصداقية على تعهداته. الرأي العام الأمريكي بشكل عام يؤيد هذا التوجه؛ ولكن يبقى السؤال: هل سيتقبل الناس أسعاراً أعلى للطاقة في سبيله؟

اقرأ أيضاً: مَن يهمس في أذن جو بايدن حول سياسة المناخ؟

ولا شك في أن عودة أمريكا إلى الاتفاقية هي أمر في غاية الأهمية؛ فخلال السنوات الماضية لم يشهد العالم ارتفاعاً في درجات الحرارة فحسب، بل زيادة في الفيضانات وموجات الجفاف وحرائق الغابات. وأوروبا تدفع بقوة نحو تبني سياسات خضراء في دولها، وتعمل على ذلك مع الصين التي تعدّ أكثر دول العالم إصداراً للانبعاثات.

وإذا تمكن بايدن من إضفاء الطابع الرسمي على الأهداف الأمريكية لحدود الانبعاثات لعام 2030 و2050 قبل قمة المناخ التي ستُعقد العام المقبل، فإن ذلك سيساعد على إقناع الحكومات الأخرى بأن الولايات المتحدة الأمريكية تنوي أن تلقي بثقلها في المسألة، وسيشجع دولاً من بينها الصين على خفض انبعاثاتها الكربونية بشكل أسرع. ولكن بالطبع لن ترحب جميع الحكومات بوجود “محارب الكربون” في البيت الأبيض. فالدول المنتجة للنفط والفحم تنظر إليه بعين القلق، وكذلك يفعل الرئيس البرازيلي جايير بولسونارو؛ لأسباب ليس أقلها أن بايدن هدد البرازيل بعقوبات اقتصادية، إذا استمرت في تمزيق غابات الأمازون المطيرة.

المجال الآخر الذي يتوقع العالم فيه تعاوناً أفضل من الولايات المتحدة هو مجال الصحة؛ فقد أعلن ترامب، في يوليو الماضي، أن الولايات المتحدة ستنسحب من منظمة الصحة العالمية بسبب مواقفها من الصين، إلا أن الرئيس المنتخب بايدن قال إنه سينقض هذا القرار المتسرع في اليوم الأول من رئاسته. وبالطبع يمكنه فعل ذلك بمجرد التوقيع على أمر تنفيذي.

اقرأ أيضاً: التحدي الحقيقي لبايدن في مواجهة “كورونا” هو استعادة الثقة في العلم

ومع تولي بايدن السلطة من المتوقع أن تنضم الولايات المتحدة إلى تحالف عالمي لتمويل الأبحاث حول “كوفيد-19″، وإنتاج الأدوية واللقاحات وتوزيعها على الدول الفقيرة. وبطبيعة الحال سيكون ذلك أفضل من سياسة “أمريكا أولاً” التي اتبعها ترامب. حكومات العالم تتساءل: كيف يمكن أن يؤثر بايدن على مصالحها الوطنية؟ فقد رحبت به وسائل الإعلام الصينية بحذر؛ بل إن صحيفة “غلوبال تايمز” الشعبية، وصفته بـ”الصديق القديم”.

ولا تتوقع الصين أن تخفض رئاسة بايدن من مستوى القلق الغربي تجاهها، بل تأمل فقط في أن تكون سياساته أكثر منطقية؛ ففي عهد ترامب كانتِ الصين تخشى من تغيرات سياسية مفاجئة نحو تايوان ربما تجر البلدَين نحو الحرب، والآن تأمل الصين أن يكون السيد بايدن أكثر حذراً، وأن تكون العلاقات التجارية مع أمريكا أقل تقلباً، كما تأمل أن يخفض بايدن الرسوم الجمركية التي رفعها ترامب. إلا أن الصين لا تبني كثيراً من الآمال على تغيرات في مسائل مثل انخراط الصين في بناء شبكات الجيل الخامس أو حشد قواتها في بحر الصين الجنوبي.

سارع الرئيس الهندي ناريندرا مودي، إلى تهنئة بايدن ونائبته هاريس؛ وهذا ما فسره بعض منتقديه على أنه حرص على ألا تتم معاقبته على رهانه القوي على زميله الشعبوي ترامب. وبالطبع هذا أمر مستبعد أياً كان ساكن البيت الأبيض؛ فأمريكا لا يمكنها أن تخلق توازناً فعالاً ضد الصين من دون الهند.

الرئيسان الشعبويان مودي وترامب- وكالات

وعندما يتعلق الأمر بفرض القوة الصارمة، فإن أصدقاء أمريكا في آسيا يريدون من السيد بايدن أن يكون أقرب إلى ترامب منه إلى أوباما الذي رسم خطوطاً حمراء في بحر الصين الجنوبي، إلا أنه لم يفعل شيئاً عندما تجاوزتها الصين، على عكس ترامب الذي رفض مزاعم الصين في البحر، وعزَّز وجود البحرية الأمريكية فيه، كما أكد التزام أمريكا الدفاعي تجاه الجزر اليابانية ومبيعات الأسلحة لتايوان. قال بيلاهاري كوسيكان كبير الدبلوماسيين السنغافوريين السابق: “عندما أخبر الرئيس ترامب ضيفه الرئيس الصيني شي جين بينغ، حين التقاه في مارالاغو عام 2017، بأنه قد قصف سوريا للتو بسبب استخدامها الأسلحة الكيميائية، فإنه قد فعل ذلك لتأكيد مصداقية القوة الأمريكية في آسيا”.

اقرأ أيضاً: تحالف القوميين.. كيف أعاد ترامب ومودي صياغة العلاقات الأمريكية- الهندية

يشعر البعض في آسيا بالقلق من أن يقدم بايدن تنازلات أمنية للصين؛ سعياً منه وراء أهداف أخرى، مثل التعاون في مجال التغيرات المناخية. يقول ساسي كينيشيرو السفير الياباني السابق في واشنطن: “لا يجب السماح للصين بأي شكل أن تتوهم أنها قادرة عل مداهمة تايوان.” ولكن في الوقت نفسه يرغب الكثيرون في أن تكون مقاربة بايدن للصين أكثر تنسيقاً مع الحلفاء وبعيدة عن الغضب الأعمى لسياسات ترامب. فاليابان على الرغم من رغبتها في تقييد جارتها الكبيرة؛ فإنها لا ترغب في مجاراة سياسات ترامب في الدخول في مواجهة أو قطيعة تامة معها نظراً لقربها منها ولعلاقاتها التجارية المتشابكة معها.

وتتفق معها في ذلك كوريا الجنوبية؛ حيث إن الرئيس ترامب تخلى عن اتفاقيات تجارية معها وهدد باستمرار بسحب قواته منها ما لم تدفع كوريا المزيد من الأموال في مقابل وجود هذه القوات. وقد وصف بايدن، في تصريح لوكالة الأنباء الكورية الجنوبية، هذه التهديدات بالخرقاء، وتعهد بتعزيز التحالف بين الدولتَين. وقد أظهر استطلاع للرأي قبل الانتخابات الأمريكية أن ثلثي الكوريين الجنوبيين يرغبون في فوز بايدن.

وبالمثل، فقد أظهرت دعوات ترامب في جنوب آسيا لشن حملة أيديولوجية على “الصين الشيوعية”، أن إدارته كانت بعيدة تماماً عن الحقائق الدبلوماسية. يقول باتي جلال؛ سفير إندونيسيا السابق في واشنطن: “صحيح أن الصين تسبب الصداع لدول جنوب شرق آسيا، إلا أنها لم تشكل تهديداً أيديولوجياً منذ عقود خلت، والآن يجب أن تتركز أولويات المنطقة على محاربة الوباء بالتعاون مع الصين، والسعي لتعافي الاقتصاد؛ حيث ستكون الصين هي المحرك الرئيسي للنمو”؛ فالوجود الأمريكي مرحب به، ولكن انحيازها إلى أحد الجانبين ليس كذلك، ولذلك رفضت إندونيسيا تقديم قواعد لطائرات التجسس الأمريكية.

ويأمل الآسيويون بشكل عام في عودة الثقل الاستراتيجي للعلاقات الأمريكية- الآسيوية، وبدبلوماسية أمريكية أكثر توازناً؛ خصوصاً بعد أن بدأ بايدن في تجميع فريق عمل من الخبراء بالشؤون الآسيوية الذين يؤمنون بضرورة التمييز في علاقات أمريكا مع مختلف دول المنطقة.

اقرأ أيضاً: الصين والولايات المتحدة في الشرق الأوسط بين التبعية والتنافس (1)

خلال سنوات ترامب، وجد الاتحاد الأوروبي نفسه في موقع الحارس والراعي للتعددية، وبعد فوز بايدن يأمل الأوروبيون في أن يتم تقاسم هذا العبء معه. فإلى جانب عودة الولايات المتحدة إلى اتفاق باريس، يأمل الأوروبيون في أن تتوقف أمريكا عن تقويض منظمة التجارة العالمية، وأن تعيد إحياء الاتفاق النووي مع إيران. وبشكلٍ عام، فإن الغاية الأساسية للاتحاد الأوروبي هي تجنب الانجرار إلى صراع الهيمنة بين أمريكا والصين.

أمريكا والصين والطريق إلى حرب تجارية شاملة- “فاينانشال تايمز”

وبايدن لن يقوض حلف الناتو كما فعل سلفه ترامب، ولن يصر على أن تزيد دول الناتو من ميزانياتها العسكرية التي لا تتجاوز 2% من إجمالي الناتج المحلي في ثلثي دول أعضاء الحلف، وتأمل ألمانيا في أن تتوقف التهديدات بفرض رسوم جمركية على السيارات الألمانية، وأن تجري تسوية الخلافات بين الحلفاء بهدوء، وليس عبر تغريدات على “تويتر”.

كما تأمل فرنسا في دعم أمريكي جديد لحل الصراعات الإقليمية التي تؤثر على الأمن الأوروبي من التوسع التركي في شرق المتوسط إلى عدم الاستقرار في لبنان وليبيا. وترحب فرنسا وألمانيا بعودة الجدية والكياسة إلى السياسة الأمريكية في المنطقة ووضع حد لجهود ترامب لتقسيم أوروبا.

اقرأ أيضاً: فوز جو بايدن بالرئاسة الأمريكية يخلط أوراق أردوغان

وتتطلع بريطانيا إلى تأمين صفقة تجارية مع أمريكا؛ لتعويض الضرر الذي لحق بها جراء خروجها من الاتحاد الأوروبي، وأن تفرض وزنها على الساحة العالمية من خلال “علاقاتها الخاصة” مع القوة العظمى، إلا أن بايدن الذي ينحدر من أصول أيرلندية كان قد ألمح إلى أن بريطانيا قد تخسر هذه الصفقة التجارية، إذا أعادت فرض حدود جامدة بين أيرلندا الشمالية وجمهورية أيرلندا، ووصف رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون، بأنه “النسخة الجسدية والنفسية من دونالد ترامب”. وعلى الرغم من أن السيد بوريس جونسون كان ثاني زعيم عالمي يتصل مع بايدن بعد فوزه قد يهدئ بعض المخاوف؛ فإنه من المحتمل جداً أن بريطانيا سوف تخسر دورها كجسر بين الولايات المتحدة وأوروبا.

بوريس جونسون ودونالد ترامب.. علاقة خاصة جداً- “بوليتيكو”

أما في الشرق الأوسط، فإن إحياء الاتفاق النووي لن يكون أمراً سهلاً، وربما سيرفع الرئيس بايدن بعض العقوبات، ثم يبدأ بالتفاوض على ملحق للاتفاق الأصلي. بينما ترغب إسرائيل ودول الخليج في اتفاق يتجاوز ما تم التوصل إليه عام 2015؛ بحيث يتم فرض قيود على برنامج الصواريخ البالستية الإيراني، وربما على دعمها المجموعات المسلحة. ومن غير المرجح أن توافق إيران على هذه الشروط، وعندئذ سيستمر شركاء أمريكا الشرق أوسطيون في تشجيع بايدن على الإبقاء على العقوبات.

اقرأ أيضاً: فوز بايدن وشكل السياسة الخارجية الأمريكية في الشرق الأوسط!

وفي ظل نجاح ترامب الملحوظ في دفع بعض الدول العربية للاعتراف بإسرائيل، سيواجه الرئيس بايدن ضغوطاً للاستمرار في هذا النهج. ويأمل الفلسطينيون في أن يعكس بايدن سياسات ترامب العدوانية تجاههم؛ مثل إغلاق بعثتهم الدبلوماسية في واشنطن وقطع المساعدات عنهم. مع أنه من غير المرجح أن يتمكنوا من إقناع بايدن بإعادة سفارة بلاده من القدس إلى تل أبيب.

اقرأ أيضاً: الإدارة الجديدة لن تجعل الديمقراطية الأمريكية تتعافى!

وترغب معظم دول المنطقة في أن يبطئ بايدن من انسحاب القوات الأمريكية من أفغانستان؛ حيث يشتد القتال بين الحكومة و”طالبان”، وأن يبقي على موطئ قدم في العراق؛ حيث لا يزال تنظيم الدولة الإسلامية ناشطاً.

بايدن يعين خبراء في الشأن الإفريقي في فريقه الانتقالي.. لكن من غير المرجح أن تتغير السياسات الأمريكية- “راديو فرنسا الدولي”

وأخيراً، فإن العالم يتوقع من الولايات المتحدة أن ترحب بالمزيد من المواهب؛ فقد تعهد بايدن بإلغاء قيود الهجرة الصارمة التي وضعها سلفه، وإيقاف بناء الجدار على الحدود مع المكسيك، والتوقف عن وضع الأطفال في الأقفاص، وتوفير السبل للمقيمين بشكل غير قانوني في أمريكا للحصول على الجنسية الأمريكية. وهذا بالطبع مصدر ارتياح للدول التي يخرج منها الكثير من المهاجرين، وللمهاجرين أنفسهم أيضاً.

يقول أرفين كاكيخاني؛ الباحث الإيراني في جامعة بنسلفانيا الذي يعمل على مشروع تحويل الماء وثاني أكسيد الكربون إلى وقود نظيف، إنه شعر بعدم الأمان بعد قرار ترامب “حظر دخول المسلمين”، ولم يكن واثقاً من إمكانية بقائه في الولايات المتحدة، واضطر إلى أن يعيش بعيداً عن زوجته الإيرانية لمدة سنتَين. وقال: “إن حلمي هو الاستفادة من الخبرات لمعالجة أزمة المناخ، وأنا الآن أكثر حماساً للبقاء وفعل ذلك في الولايات المتحدة”.

المصدر: ذا إيكونوميست

اتبعنا على تويتر من هنا

 

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة