الواجهة الرئيسيةترجماتشؤون دولية

ماذا يحدث على أرض الواقع في موزمبيق؟

إرهاب إسلامي أم مسيحي أم تواطؤ من أجل حقول النفط؟

كيوبوست – ترجمات

جوزيف هانلون♦

في عام 2017، عندما بدأت الانتفاضة في كابو ديلجادو، المقاطعة الواقعة في أقصى شمال موزمبيق، استخدم المتمردون الأسلحة الوحيدة التي يمتلكونها، وهي المناجل؛ حيث قاموا بقطع رؤوس النخب المحلية الذين اتهموا بالتواطؤ مع زعماء جبهة تحرير موزمبيق الحاكمة (فريليمو) في سرقة الثروة المعدنية.

وقبل أربعين عاماً، كانت هناك حرب أهلية أخرى في موزمبيق، ارتكبت فيها المقاومة الوطنية الموزمبيقية (رينامو) أعمالاً وحشية؛ مثل حرق الناس أحياء في الحافلات. لكن (رينامو) تلقت تدريبات على يد جيش الفصل العنصري، والكثيرون منهم كانوا أعضاء مؤمنين من الكنيسة الإصلاحية الهولندية، التي كانت تدعم الفصل العنصري بقوة.

اقرأ أيضًا: القاعدة في ساحل أفريقيا تهدد بانفجار الأوضاع: الجماعات الإرهابية تتوحد!

وبغض النظر عن أن المدربين اعتقدوا أنهم كانوا يقومون بعمل الرب للدفاع عن حكم البيض وعن مدى قسوة فظائع (رينامو)، فإن أولئك الذين ارتكبوها لم يُطلق عليهم قط وصف “الإرهابيين المسيحيين”. ومع ذلك، فإننا نصر على تسمية المتمردين في كابو ديلجادو بـ”الإرهابيين الإسلاميين”.

فالتسميات مهمة، وهي تشكل الطريقة التي ننظر بها إلى الحروب الأهلية. ونحن نحاول أن نسمي المعارضة بالعدو العالمي الحالي. وقد قيل إن (رينامو) تحارب “الشيوعية العالمية” حتى لا يتم اتهامها بالدفاع عن حكم البيض. والآن يُقال إن الحكومة الموزمبيقية تحارب “الإسلاميين العالميين” وليس أنها تحمي النخبة التي ترفض تقاسم ثروة الياقوت والمعادن والغاز  مع السكان المحليين. وهكذا تشكل التسميات كيف نرى الحرب.

قتلت عناصر داعش أكثر من 1500 شخص في شمال موزمبيق وشردوا أكثر من ربع مليون في 3 سنوات فقط- “ديلي ستار أونلاين”

وقد أصدرت منظمة “أنقذوا الأطفال” في موزمبيق، بياناً صحفياً في 16 مارس الماضي، عن أطفال “قتلوا على أيدي رجال مسلحين”، مع الحرص على عدم تسميتهم بالمتمردين. لكن معظم التقارير الإعلامية عن البيان الصحفي وصفتهم بأنهم إسلاميون، وشددت على ارتباطهم بتنظيم الدولة الإسلامية.

وفي 2 مارس، اتهمت منظمة العفو الدولية المتمردين بارتكاب جرائم حرب و”أعمال عنف شنيعة”. وتستخدم المنظمة وغيرها الاسم المحلي للمتمردين، حركة الشباب، وهو ما يعني ببساطة الشباب (وليس لها صلات بحركة الشباب الأخرى). كما شددت منظمة العفو الدولية على أن “حركة الشباب هي في الأساس جماعة مسلحة محلية تقاتل من أجل قضايا محلية، وهي حركة تمرد اندلعت بسبب نقص الاستثمار على المدى الطويل من قِبل الحكومة المركزية في المقاطعة ذات الأغلبية المسلمة. وتستخدم الجماعة الأيديولوجية الجهادية كأداة تنظيمية.

اقرأ أيضًا: هل يستضيف تنظيم “الشباب المجاهدين” داعش في الصومال؟

وعلى الرغم من أن الأيديولوجيات الإسلامية كانت تنمو في كابو ديلجادو لعقودٍ من الزمن؛ فإن الحركة لم تكتسب زخمًا إلا بعد وصول صناعات استخراج الموارد التي لا تعود بفائدة تُذكر على المجتمعات المحلية. ويؤيد معظم الباحثين المحليين هذا الموقف.

المظالم والتدخل الخارجي

قبل خمسة عشر عاماً، كنت أحد المشاركين في تأليف دورة دراسية في الجامعة المفتوحة (بالمملكة المتحدة) وكتابها الدراسي، “الحرب الأهلية.. السلم الأهلي”. وكانت إحدى النقاط الرئيسة هي أن جميع الحروب الأهلية لها شقان؛ هما: المظالم الخطيرة بما يكفي بحيث يشعر الناس أنه يجب عليهم القتل لإنقاذ حياتهم، إضافة إلى التدخل الخارجي. وفي كابو ديلجادو، فإن المظالم هي التهميش والفقر المتزايد وعدم المساواة؛ حيث إن القلة الحاكمة في فريليمو، وشركات التعدين والغاز، لا تتقاسم الثروة.

سكان قرية نوندي في كابو ديلجادو يفرون من قريتهم في أعقاب هجوم يونيو 2018- “هيومن رايتس ووتش”

وشمل التدخل الخارجي لدعم حركة الشباب “تنظيم الدولة الإسلامية”، الذي قدم بعض الدعاية، فضلاً عن الدعم؛ بما في ذلك التدريب في عامي 2019 و2020، ولكن ليس في الأشهر الستة الماضية على ما يبدو. وعلى الجانب الحكومي، جاء الدعم الخارجي أولاً من شركة عسكرية روسية خاصة، “مجموعة فاغنر”، ثم نظيرتها الجنوب إفريقية، مجموعة “ديك الاستشارية”.

اقرأ أيضاً: استجلاء مفهوم الميليشيات: نموذج للتحديات الأمنية الهجينة المعاصرة

وقد وصلت القوات الخاصة التابعة للولايات المتحدة في 15 مارس لتدريب مشاة البحرية الموزمبيقية. وتعِد البرتغال بإرسال مدربين، كما يتطلع الاتحاد الأوروبي وجنوب إفريقيا أيضاً إلى تقديم الدعم. وفي 10 مارس، صنفت الولايات المتحدة رسمياً حركة الشباب، التي أطلقت عليها اسم الدولة الإسلامية في العراق وسوريا، وفي موزمبيق بـ”داعش موزمبيق”، كمنظمة إرهابية أجنبية.

ولم يكن كل هذا الدعم المفاجئ لمساعدة موزمبيق؛ بل لمحاربة العدو العالمي الجديد؛ الإسلام والدولة الإسلامية. وفي المؤتمر الصحفي الذي عُقد في 11 مارس، قال جون تي غودفري: “علينا مواجهة (داعش) في إفريقيا”. ومنصبه هو المبعوث الخاص للتحالف العالمي لهزيمة (داعش)؛ مما يعني أن وظيفته تعتمد على محاربته، وموزمبيق ليست سوى مجرد مكان آخر لإرسال القوات كجزء من تلك الحرب.

مسؤولو الأمن والأهالي في انتظار سفينة تقل أكثر من 1000 شخص هاربين من هجوم مسلحي “داعش” على بلدة بالما.. 2021- “رويترز”

 لكن المتحدث الآخر في المؤتمر الصحفي الأمريكي، مايكل غونزاليس، قال إن “معالجة الدوافع الاجتماعية والاقتصادية للتهديد، ومواجهة رسائل (داعش)، وتوفير المزيد من الفرص الاقتصادية وتعزيز قدرة المجتمع على الصمود بحيث يتم تقليل الانجذاب إلى التطرف العنيف“، هو أمر ضروري في كابو ديلجادو. وهو يشغل منصب نائب مساعد وزير الخارجية لمكتب الشؤون الإفريقية الأمريكي؛ ما يدل على أن لديه وجهة نظر مختلفة.

الدفع بتفسيرات للأحداث

وتدفع قيادة فريليمو في موزمبيق في اتجاه سردية الإرهاب الأجنبي بقوة. فهي لا تريد أن يشير أي أحد إلى أن التمرد مرتبط بجشع نخبة فريليمو، وتهميش الشباب والمسلمين، وتزايد الفقر وعدم المساواة. وفي الجلسات المغلقة، كان من الواضح أن فريليمو تريد الدعم من البلدان الفردية والمقاولين العسكريين من القطاع الخاص الذين سيقدمون المساعدة العسكرية وينشرون سردية إرهاب الدولة الإسلامية.

اقرأ أيضاً: كيف يخدم تصنيف داعش كمنظمة إرهابية أهداف التنظيم؟

كما لا ترغب فريليمو في إشراك المنظمات الدولية على وجه الخصوص؛ مثل الجماعة الإنمائية للجنوب الإفريقي أو الاتحاد الأوروبي أو الأمم المتحدة، والتي تعد منظمات كبيرة بما يكفي لإصدار تقارير تشير إلى الأسباب الجذرية للتمرد. فموزمبيق تريد المساعدات الإنسانية؛ لكنها تريد أيضاً أن تتولى زمام الأمور.

وقد قالت منسقة الأمم المتحدة المقيمة في موزمبيق، مارتا كولارد، في 5 مارس، إن الأمم المتحدة تنتظر منذ أكثر من أربعة أشهر تأشيرات دخول لـ57 خبيراً في الشؤون الإنسانية لكابو ديلجادو.

امرأة وأطفالها يقفون على أطلال قريتهم التي احترقت خلال هجمات كابو ديلجادو.. موزمبيق 2019- “فرانس برس”

وبالطبع، يلعب الدين دوراً في الحرب. ومعظم المتمردين، وليس كلهم، مسلمون، والمنظمون الأصليون من كابو ديلجادو، بمَن فيهم الدعاة المسلمون الأصوليون المحليون. كما أن الرئيس فيليب نيوسي من كابو ديلجادو، وهو من جماعة الماكوندي العرقية الكاثوليكية.

وقد حصل نيوسي على دعم قوي من البابا فرنسيس، الذي قام بزيارة غير مسبوقة إلى موزمبيق خلال حملة الانتخابات الرئاسية عام 2019 عندما كان نيوسي يقف ضد المرشح المسلم، أوسفو موماد من (رينامو).

اقرأ أيضاً: ماذا لو عاد مقاتلو “داعش” إلى بلدانهم في شمال إفريقيا؟

وفي 11 فبراير، قام البابا بسحب الأسقف الكاثوليكي في بيمبا، لويز فرناندو ليسبوا، والذي انتقده نيوسي علناً لأنه كان يدافع عن السكان المحليين؛ إذن هي حرب قذرة على جميع الأصعدة. وقد اتهمت منظمة العفو الدولية مجموعة “ديك الاستشارية” بارتكاب جرائم حرب؛ بما في ذلك قصف المدنيين باستخدام البراميل المتفجرة المصنوعة من أسطوانات غاز الطهي على غرار سوريا، وإسقاطها من المروحيات على المنازل.

وأشارت منظمة العفو الدولية إلى القوات الحكومية التي ترتكب جرائم حرب. وكان أكثرها تطرفاً في كيسانغا في مارس وأبريل 2020، عندما “أصبح منزل السكرتير الدائم معروفاً للقرويين بأنه مكان تغتصب فيه قوات الأمن الحكومية النساء، ويحتجز فيه الرجال ويُضربون، وفي بعض الحالات يُعدمون أيضاً بإجراءات سريعة.

قائد القوات الخاصة الأمريكية في موزمبيق يخاطب مشاة البحرية المحلية خلال التدريبات، مارس 2021- السفارة الأمريكية في موزمبيق

ووصف ستة شهود مقبرة جماعية خلف المنزل؛ وهي “حفرة كبيرة” تحت الأشجار، حيث كان الناس يؤخذون لإطلاق النار عليهم و”إلقائهم مباشرة في الحفرة”. بينما يسيطر نيوسي، القائد الأعلى للقوات المسلحة، بشكل مباشر على قواته أكثر بكثير من سيطرة تنظيم الدولة الإسلامية على حركة الشباب. وهو كاثوليكي والبابا قد تدخل في الحرب. فإذا أصررنا على ذكر “الإرهاب الإسلامي” بسبب دور الدولة الإسلامية، فهل يتعين علينا أن نطلق على ما حدث في كيسانغا “الإرهاب المسيحي”؟ 

الحقائق المخفية

وفي الواقع، كلتا التسميتَين غير صحيحة. ولكن مرة أخرى، التسميات مهمة؛ فقد كانت الحرب الأهلية في الثمانينيات حرباً بالوكالة عن الحرب الباردة، حيث دعمت الولايات المتحدة نظام الفصل العنصري في جنوب إفريقيا لبناء (رينامو) لمحاربة “الشيوعيين” المدعومين من الاتحاد السوفييتي. والآن أصبح الإسلام هو العدو، وعادت الولايات المتحدة لتقاتل تنظيم الدولة الإسلامية على أرض موزمبيق بمشاركة طوعية من البرتغال، وربما فرنسا وجنوب إفريقيا.

اقرأ أيضاً: وعود كاذبة.. الاتجار بالجنس يتوسع في إفريقيا.. وحالات الاستغلال تتفشى

لكن التمرد لن يتوقف عسكرياً. وكما يؤكد غونزاليس وكثيرون آخرون، فإن المتشددين الإسلاميين يجندون الشباب الذين ليست لديهم وظائف ولا يرون مستقبلاً، ويؤكدون أن الحكومة تسرق مستقبلهم. ولعل خلق آلاف الوظائف للشباب متدني التعليم في كابو ديلجادو من شأنه أن ينهي الحرب؛ ولكن هذا يتطلب من شركات الغاز وقلة فريليمو الذين يحكمون كابو ديلجادو أن يستخدموا بعضاً من أرباحهم لتمويل خلق فرص العمل تلك، وحتى الآن لم يظهروا أي اهتمام؛ فهم يفضلون إلقاء اللوم على تنظيم الدولة، وأن يخوض شخص آخر الحرب.

رئيس موزمبيق فيليبي نيوسي يدلي بصوته في الانتخابات المحلية التي تم الطعن عليها من قِبل جماعة المعارضة.. 2018- “فرانس برس”

وكانت شركة “توتال” الفرنسية، تعمل على تطوير مصنع لتسييل الغاز بقيمة 20 مليار دولار في شبه جزيرة أفونجي. ووصل المتمردون إلى بوابات المشروع في 1 يناير، فسحبت “توتال” موظفيها. وأبلغت موزمبيق أنها لن تعود إلا عندما تتمكن الحكومة من ضمان منطقة آمنة يبلغ نصف قطرها 25 كيلومتراً حول أفونجي.

ويبدو أن شركة “توتال” سعيدة بإنتاج الغاز إذا أمكن إبقاء الحرب بعيدة عن الأنظار. وهي لديها خبرة في هذا في نيجيريا؛ حيث يوجد بها آبار بحرية، وفي دلتا النيجر هناك تمرد مستمر منذ عقود. ولهذا السبب، فإن المسميات مهمة للغاية. وإذا تم التعامل مع هذا الأمر على أنه “إرهاب إسلامي” من تنظيم الدولة الإسلامية خارج موزمبيق، فإن كابو ديلجادو سوف تصبح مثل دلتا النيجر، وسوف تستمر الحرب إلى أجل غير مسمى، مع وجود مناطق آمنة لشركات الغاز.

اقرأ أيضاً: لماذا تحتاج دول الساحل الإفريقي إلى مزيد من الدعم الدولي؟

لكن إذا تم خلق فرص العمل والحد من التهميش، فسوف يكون من الممكن وقف الحرب؛ لكن من المؤسف أن الأمر يبدو وكأن شركات الغاز، ونخبة فريليمو، وتبني الولايات المتحدة حرباً باردة جديدة، تفضل محاربة الإرهابيين الإسلاميين العالميين الأسطوريين.

♦محرر مجلة أخبار موزمبيق، وزميل زائر في التنمية الدولية في كلية لندن للاقتصاد.

المصدر: موقع نيو فريم

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة