الواجهة الرئيسيةشؤون دوليةشؤون عربية

ماذا وراء تصريحات زهرة بيلو المعادية للصهاينة؟

كيوبوست- منير بن وبر

تشير التقديرات إلى وجود نحو 7.5 مليون يهودي في الولايات المتحدة، يقابلهم نحو 3.5 مليون مسلم؛ ما يجعل الإسلام ثالث أكبر الأديان في الولايات المتحدة بعد المسيحية واليهودية؛ وهو ما يعني أيضاً أن التفاعل بين هذه المجموعات سيبقى مستمراً، حسب ما يمليه تيار التاريخ، والعداء المعروف بين العرب واليهود. من جانب آخر، تشير الكثير من الدراسات والإحصاءات إلى جيل جديد من اليهود الأمريكيين؛ الذين يعيشون واقعاً مغايراً للانطباعات المسبقة عن اليهود؛ ما يجعل دراسة انطباعات “الآخر” حول اليهود الأمريكيين أمراً جديراً بالاهتمام.

خلال المؤتمر السنوي للمسلمين الأمريكيين من أجل فلسطين، في السابع والعشرين من نوفمبر الماضي، قالت المديرة التنفيذية لمجلس العلاقات الأمريكية الإسلامية (CAIR) في منطقة خليج سان فرانسيسكو، زهرة بيلو، إن “الصهاينة” وراء رهاب الإسلام أو (الإسلاموفوبيا)، و”وحشية” الشرطة الأمريكية ضد السود، ومراقبة الحدود الأمريكية. وحسب بيلو، فإن ما يدفع المنظمات “الصهيونية” لملاحقة المسلمين هو تخوفهم من دفاع المسلمين عن حياة “السود مهمة”، ومحاسبة الشرطة، ومكافحة التشرد والفقر، وحماية البيئة، والدفاع عن “فلسطين حرة”.

اقرأ أيضاً: ما قصة كراهية اليهود ومعاداة السامية في مؤسسةدويتشه فيلهالناطقة بالعربية؟

تعرِّف منظمة مجلس العلاقات الأمريكية الإسلامية (CAIR) نفسها بأنها منظمة غير ربحية ذات قاعدة شعبية للحقوق المدنية والمناصرة؛ ومن بين مهامها -في ما يتعلق بالحقوق المدنية- تقديم الاستشارات والوساطة والدفاع عن المسلمين وغيرهم ممن تعرضوا إلى التمييز الديني أو التشهير أو جرائم الكراهية. ومن اللافت للنظر كيف تتبنى المنظمة هذه المبادئ، ثم يُصرح أحد مسؤوليها بما يُعتبر “حضاً على الكراهية” أقلّه من وجهة نظر الطرف الآخر والمنظمات الحقوقية الأخرى.

مظاهرات مناهضة للعنصرية احتجاجاً على مقتل جورج فلويد على يد شرطي في مينيابوليس- أرشيف

يثير اليهود الكثير من الجدل، ومن المهم تفسير ذلك، على الأقل من وجهة نظر العلاقات الدولية، ليس لإدارة الارتباك في ما يتعلق بكيفية التعامل مع هذا الجدل وتأثيره على المجتمعات والدول فحسب، بل أيضاً لمحاولة توقع مستوياته وكيفية التعامل معه مستقبلاً. يقول كل من كارين منغست وإيفان أريغون تفت، في كتابهما (مبادئ العلاقات الدولية) إنه من دون خلفية تاريخية لا يمكن فهم الكثير من المسائل الحالية؛ فمثلاً تعتبر “التفجيرات في إسرائيل”، في إشارة إلى الصراع العربي- الإسرائيلي، جزءاً من نزاع على الأرض بين العرب واليهود، وهو نزاع يمتد بجذوره إلى أزمنة الكتاب المقدس، وبجذوره الحديثة إلى إنشاء دولة إسرائيل عام 1948.

في مقال بعنوان: ما مقدار إعجاب الأمريكيين باليهود؟ يقول سيد جرونمان إن الإجابة عن السؤال القائل: كيف ينظر الآخرون إلى اليهود؟ هو محور بحث كبير في العلوم الاجتماعية، وعادةً ما يصور اليهود كمجموعة ثقافية خارجية، وغالباً ما يكون الدافع وراءه الاهتمام بمعاداة السامية. وفي كتابه “القوة اليهودية داخل المؤسسة اليهودية الأمريكية” المنشور سنة 1996، يقول جوناثان جيريمي غولدبرغ -متحدثاً عن وضع اليهود أواخر القرن العشرين- إنه لا يزال هناك مَن يطالب بإبادة الشعب اليهودي، كما كانت الحال منذ آلاف السنين، وإن “معاداة السامية”، التي يطلق عليها أحياناً أقدم تعصب أعمى في العالم، لا تزال حية وتشكل تهديداً في عشرات البلدان حول العالم.

اقرأ أيضاً: نزاع غزة يثير أزمة هوية بين اليهود الأمريكيين الشباب

لكن، وفي ما عدا التصريحات التي يطلقها أشخاص مثل زهرة بيلو، والتي يُذكر أن منظمتها على علاقة بالإخوان المسلمين وأحد داعمي حركة حماس، فإن أبحاث المواقف حول اليهود الأمريكيين يمكن أن تكون مضللة أو أقل شمولاً إذا استخدمت الأدوات القائمة على الصور النمطية أو مقاييس المسافة الاجتماعية؛ وهو ما يجادل بشأنه البحث الذي قام به سيد جرونمان في عام 2008، الذي يؤكد أن أدوات قياس التأثير المباشر تؤدي إلى تقييمات أكثر شمولاً وتأكيداً وأقل تضليلاً من تلك المذكورة آنفاً.

مسلمون في أمريكا- أرشيف

على سبيل المثال، وباستخدام مقياس المسافة الاجتماعية، وجدت دراسة أُجريت في عام 2000 أن 9٪ من الأمريكيين يعارضون العيش في حي “إذا كان نصف جيرانك فيه من اليهود”. يتم استخدام الردود السلبية على مثل هذه الأنواع من الأسئلة كمؤشرات على الكراهية، على الرغم من أن مثل هذه النسب المتواضعة، حسب جرونمان، قد لا تعبر عن سلبية؛ وإنما تكمن المشكلة في أن الرغبة في تجنب التقارب هي مجرد تفضيل للوجود مع أفراد المجموعة الإثنية أو الدينية أو العرقية (أو الخوف من الاستيعاب)، وليس الكراهية.

تُعد القضية الفلسطينية -بلا شك- قضية محورية في تاريخ الصراع العربي- الإسرائيلي. ارتكز خطاب زهرة بيلو على هذه القضية بشكل لافت، ليس لكونها موضوع الفعالية فحسب؛ بل أيضاً شعبيتها، حيث سخرت زهرة من فكرة العلاقات الودية مع “الصهاينة”، وكان من بين ما قالته: “تحدث معهم (أي اليهود) حول ما يحدث في فلسطين، وانظر كيف ستسير هذه المحادثة”.

اقرأ أيضاً: عام علىاتفاقات إبراهام”.. شراكات وتفاهمات تختصر المسافات

إن ارتباط إسرائيل باليهود كمجموعة عرقية وثقافية وليس مجرد مجموعة دينية فقط، كان محور العديد من الدراسات والإحصاءات، التي سعت لمعرفة وجهات نظر اليهود الأمريكيين حول إسرائيل ومدى “تديُّن” الجيل الحالي منهم؛ كشْفُ الإجابات عن مثل هذه التساؤلات يُسهم في فهم الوضع الحالي ورسم السياسات المناسبة للعديد من الكيانات من الدول وغير الدول.

في استطلاع رأي حديث أجراه مركز بيو للأبحاث، تبين أن الاهتمام بإسرائيل “ضروري” لما يعنيه أن تكون يهودياً بالنسبة إلى 45٪ من البالغين اليهود في الولايات المتحدة ، ويقول 37٪ آخرون إنه “مهم؛ لكنه ليس ضرورياً”. استطلاعات مركز بيو أيضاً خلصت إلى أن يهود الولايات المتحدة أقل تديناً من البالغين الأمريكيين -من غير اليهود- بشكل عام؛ حيث إن أكثر من نصف اليهود بقليل يقولون إن الدين “ليس مهماً للغاية” أو “ليس مهماً على الإطلاق” في حياتهم. أحد التفسيرات المحتملة لمثل هذه النتائج هو “أن حرية الدين أعطت المهاجرين اليهود في الولايات المتحدة الفرصة لتعريف دينهم بطرق جديدة ومختلفة”، كما يقول مؤلف كتاب (الحروب المختارة: كيف أصبحت اليهودية ديانة أمريكية؟) ستيفن آر وايزمان، في لقاء له مع صحيفة (تايم).

وعلى الرغم من هذه التحولات في المجتمع اليهودي الأمريكي -وهو ما يوحي بتطرف أقل مما يعتقده الكثير من الناس- فإن مستوى الأمان لديهم قد انخفض خلال السنوات الخمس الأخيرة، وبالعودة إلى الإحصائيات، تقول نتائج استطلاعات لمركز بيو -نُشرت في مايو 2021- إن ثلاثة أرباع اليهود الأمريكيين يعتقدون أن معاداة السامية في الولايات المتحدة اليوم أكثر مما كانت عليه قبل خمس سنوات. علاوة على ذلك، يقول أكثر من النصف بقليل (53٪) إنهم، كشخص يهودي في الولايات المتحدة، يشعرون شخصياً بأمان أقل مما كانوا عليه قبل خمس سنوات. تعيدنا هذه النتائج إلى ما بدأنا به هذا التقرير؛ وهو دور “الجذور التاريخية” و”التصورات المسبقة” والآراء الفردية غير مدروسة السياق في تشكيل الواقع.

يهود أمريكا- أرشيف

إن سياق الحديث، ومناسبته، وظروفه المحيطة، تساعدنا في تفسير المواقف المختلفة، بالإضافة إلى العوامل آنفة الذكر، وفي حالة تصريح زهرة بيلو الذي يعده الكثيرون تحريضاً ومعاداة غير مقبولة، علينا أن نتذكر أن مجلس العلاقات الأمريكية الإسلامية هو منظمة غير حكومية غير ربحية. تستخدم مثل تلك المنظمات قدراتها الناعمة المعتمدة على الحشد الجماهيري لتحقيق أهدافها، ومن دون الدعم الجماهيري لها لن تمتلك ما يكفي من الموارد الاقتصادية للبقاء طويلاً؛ لذلك فإن البحث عن قضايا جديدة، والمزيد منها، لنيل إعجاب الجماهير وتوسيع الموارد، يأتي ضمن التنافس على المانحين والموارد. الجماعات المتمردة والإرهابية تستخدم هذا التكتيك أيضاً؛ تبرر جماعات مثل الحوثيين في اليمن -مثلاً- أعمالها بالرغبة في تحرير فلسطين.

يصبح الاقتناع بهذا التفسير -كأحد دوافع تصرف زهرة بيلو- أكثر قبولاً عند إدراك ما تواجهه جماعة الإخوان المسلمين و”حماس”، وغيرها من الجهات المرتبطة بالمجلس، من قيود في ما يتعلق بعملها ومواردها. ومن ناحية أخرى، تجدر الإشارة إلى أن المنظمات غير الحكومية أصبحت تزداد نفوذاً خلال العقود الماضية -منذ التسعينيات بشكل خاص- مستفيدةً من تطور وسائل المواصلات والاتصالات التي جعلت من نشر القضايا والحشد الجماهيري أسهل من أي وقت مضى.  

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

منير بن وبر

باحث في العلاقات الدولية وشؤون اليمن والخليج

مقالات ذات صلة