شؤون دولية

ماذا لو يحضر الجيش الأوروبي الموحد كقوة عالمية جديدة؟

ماكرون يقترح الفكرة

كيو بوست – 

هو لا يزال مجرد اقتراح، لكنه يحمل الكثير في طياته. ربما تكون أوروبا غير راضية عن تبعيتها العسكرية في ظل ما تمتلكه من قدرات ضاربة، لذا كان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أول من يفتح الباب على رغبة الأوروبيين بالتخلص من عباءة التبعية العسكرية للولايات المتحدة وتشكيل جيش أوروبي موحد.

القوة الاقتصادية الرائدة التي تتمتع بها أوروبا، كذلك القوى البشرية والعسكرية والتقنية، تؤهل القارة لأخذ الريادة ووضع نفسها على خارطة القوى العالمية، لكن هل بالفعل تتحقق طموحات ماكرون؟

اقرأ أيضًا: ما هي قوة الجيوش العربية موحدة مقابل الولايات المتحدة وروسيا؟

 

المقترح وأصله

لم يأت ماكرون بفكرة جديدة، إنما أحيى أفكارًا قديمة، كانت تتراود في بال الأوروبيين.

خلال مقابلة أجرتها معه إذاعة “أوروبا 1” الفرنسية، قال ماكرون: “لا يمكن لأوروبا أن تدافع عن نفسها من دون جيش حقيقي يحميها”.

الفكرة ليست وليدة اليوم، إذ إن فكرة تأسيس جيش أوروبي موحد وردت في المادة 42 من معاهدة الاتحاد الأوروبي، غير أن تحقيقها يقتضي إجماع الدول الأعضاء، وتخليها عن بعض من السيادة الوطنية.

وأضاف ماكرون: “لا يمكننا حماية الأوروبيين إذا لم نقرر خلق جيش أوروبي حقيقي، في وجه روسيا التي تمتلك حدودًا معنا، والتي أظهرت بأنها قد تكون تهديدًا لنا. يجب أن تكون أوروبا قادرة على الدفاع عن نفسها لوحدها بطريقة سيادية من دون أن تكون مرتبطة بالولايات المتحدة فقط”.

 
 
 
لماذا هذا المقترح؟
 

يرى مراقبون أن الفكرة جاءت كمقترح في ظرف مرحلي يمكن أن يتغير، وبالتالي أن تسقط الفكرة، فيما يرى آخرون بأنها مقترحات غير جدية.

الظرف المرحلي هو رئاسة ترامب للولايات المتحدة؛ فمنذ توليه الحكم عمد إلى ابتزاز أوروبا في أكثر من مناسبة، لعل آخرها بما يتعلق في الملف النووي الإيراني.

كما أن الرئيس الأميركي لم يتوقف عن التشكيك بأهمية حلف شمال الأطلسي “الناتو” الذي يشكل الإستراتيجية الدفاعية الرئيسة للاتحاد الأوروبي.

اقرأ أيضًا: مجلة كندية: هكذا يختار قناصة الجيش الإسرائيلي أهدافهم

“اعتمد الرئيس الأميركي في ابتزازه على حقيقة الاعتماد التام للقارة الأوروبية على الولايات المتحدة بما يخص الحماية العسكرية، إذ ينتشر نحو ثمانين ألف جندي أميركي في القارة الأوروبية، ويستخدمون أسلحة ومعدات أميركية، فضلًا عن التمويل الأميركي لحلف الناتو. هكذا واصل ترامب المطالبة بزيادة المساهمة المالية للحلفاء لتبلغ 2% من حجم اقتصاد كل بلد، ونجح بالفعل في رفع مساهمة الدول الأعضاء، ولكن من دون أن تصل إلى الحد المطلوب”، قال الكاتب سلام السعدي في صحيفة العرب اللندنية.

منذ عامين على سياسة ترامب تجاه أوروبا، رأت الأخيرة أن علاقة الشراكة والدفاع المشترك مع واشنطن بدأت تتحول إلى هيمنة وتبعية. من هنا، خرج ماكرون متحديًا ترامب بفكرة الجيش الحقيقي، وأيدته المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل.

يقول السعدي إن القادة الأوروبيين أدركوا أن الرضوخ في كل مرة لابتزاز الرئيس الأميركي لن يقود إلا إلى المزيد من الابتزاز. “المطلوب هو إجراء تغيير بنيوي على العلاقات الأميركية – الأوروبية، وذلك بإنشاء قوة عسكرية حقيقية تنهي علاقة التبعية. إذا كان على الدول الأوروبية أن تساهم بـ2% من الناتج الإجمالي لاقتصادياتها، فالأحرى بها أن تسخرها، لا لزيادة التبعية للولايات المتحدة، وإنما لقطع تلك التبعية، ولانتزاع دور سياسي مؤثر ومستقل في العالم”.

 

ماذا لو تشكل الجيش؟

ما يمكن استخلاصه من الأرقام التي تظهر في حال توحد أوروبا بجيش واحد، هو أن جيشًا هائلًا يمكن تشكيله.

بحسب الإحصائيات والبحوث، لدى دول الاتحاد الأوروبي المختلفة من أنظمة التسليح ما يفوق ما لدى الولايات المتحدة بحوالي 6 أضعاف، فأنواع الدبابات لدى هذه الدول يصل إلى 17 نوعًا من دبابات القتال الرئيسة، مثل “إي أم إكس” لوكليرك الفرنسية، و”ليوبارد 2″ الألمانية، و”بي تي-91″ البولندية، في حين أن لدى الجيش الأميركي نوعًا واحدًا من الدبابات هو “أبرامز أم 1”.

اقرأ أيضًا: لماذا تقوم الدول بتنظيم العروض العسكرية؟

الأمر نفسه يتكرر في أنظمة التسليح المختلفة، إذ لدى دول الاتحاد الأوروبي نحو 20 نوعًا من مركبات المشاة القتالية، و27 نوعًا من مدافع الهاوتزر. في المقابل، لدى الولايات المتحدة نوع من كل منهما.

إنفوجرافيك لقناة سكاي نيوز

بالإجمال، لدى الولايات المتحدة 30 نظامًا من أنظمة التسليح الرئيسة، مقابل 178 نظام تسليح لدى الدول الأوروبية.

أما على صعيد القوة البشرية، فتتفوق أوروبا على الولايات المتحدة بفارق واضح، كذلك على صعيد العدة والعتاد.

 

استبعاد التطبيق

يرى قسم من المراقبين أن الفكرة مستبعدة التطبيق رغم أهميتها.

“تشبث كل دولة بسيادتها يعتبر عائقًا أمام تشكيل جيش أوروبي؛ ففي عام 2016، صادق الاتحاد على إستراتيجية أمنية موحدة أكدت على احتفاظ الدول الأعضاء بالسيادة في القرارات المتعلقة بالمجال الدفاعي، مع تشجيع الاتحاد على تطوير صناعة دفاعية والتعاون بين جيوش الدول الأعضاء”، يرى المحلل مهند العزاوي في حديث لقناة DW الألمانية.

ويعتبر حلف شمال الأطلسي (ناتو)، بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، الإطار الدفاعي المرجعي لـ23 من الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي.

ويرى الدكتور العزاوي أن “أوروبا تقيم تحالفًا دائمًا وإستراتيجيًا مع الولايات المتحدة، وبالتالي فإن الجيش الأوروبي -حتى لو تشكل- لا يمكن فصله عن حلف الناتو الذي يجعل من الدفاع عن أوروبا أحد مهامه الأساسية”.

“الولايات المتحدة هي حليفنا التاريخي، وستبقى كذلك، فهي الحليف الذي نتحمّل معه جميع المخاطر، والذي نقوم معه بأكثر العمليات تعقيدًا، ولكن أن نكون حلفاء لا يعني أن نكون تابعين، ولكي لا نكون تابعين، يجب أن لا نكون معتمدين عليها”، قال ماكرون، وهذا القول يمكن اعتباره إشارة إلى أن الشعور الأوروبي بالحاجة للجيش جاء في ظرف مرحلي.

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة