الواجهة الرئيسيةترجماتثقافة ومعرفة

ماذا لو توقفنا عن الطيران؟

كيوبوست- ترجمات

جوسلين تيمبرلي♦

لطالما كان الطيران مصدراً للإزعاج بالنسبة للعاملين في مجال خفض الانبعاثات الكربونية، فهو قطاع شديد الاستهلاك للطاقة، ويصعب إيجاد بدائل منخفضة لمصادر الطاقة فيه. جوسلين تيمبرلي كتبت لموقع “بي بي سي” مقالاً تستعرض فيه الخيارات المتاحة كبدائل للطيران، وما سيبدو عليه العالم دون طيارات.

تلفت تيمبرلي، في مطلع مقالها، إلى أن قطاع الطيران كان من أسرع القطاعات نمواً من حيث الانبعاثات، إذ ارتفعت نسبة الانبعاثات الكربونية بمعدل 30% بين عامي 2013 و2019. بالمقارنة مع نسبة ارتفاع عامة لم تتجاوز 4%. وتشير إلى أن الوسائل المتاحة للتحكم في نسبة هذه الانبعاثات قليلة ومحدودة، ومنها التقليل من السفر جواً ووقود الطائرات المستدام والطائرات الأكثر كفاءة والطائرات الكهربائية التي قد تلعب دوراً مهماً في ثلاثينيات القرن الحالي.

اقرأ أيضاً: “كورونا” يخلِّف آثارًا عميقة على الاقتصاد وخطوط الطيران

ولكن ماذا لو توقفنا جميعاً عن الطيران؟ لا شك أن ذلك لن يحدث أبداً، ولكن هذا السؤال يفتح الباب أمام التفكير فيما يمكننا القيام به لكبح جماح تأثير الطيران الثقيل على المناخ.

سيؤدي الإيقاف الفوري لجميع الطائرات إلى التخلص من 2.5% من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون، أي نحو مليار طن سنوياً. بالإضافة إلى الانبعاثات الأخرى. وهي على عكس ثاني أكسيد الكربون الذي يبقى في الغلاف الجوي لمئات السنين، فهي قصيرة العمر ولكن تأثيرها قوي للغاية، ويمكن أن تؤدي إلى مضاعفة تأثير الاحترار الإجمالي ثلاث مرات مقارنة بثاني أكسيد الكربون وحده.

الطائرات تطلق ثاني أكسيد الكربون وانبعاثاتٍ أخرى تؤدي إلى الاحترار المناخي- بي بي سي

ولكن كيف سيؤثر ذلك على الناس في مختلف أنحاء العالم؟

في الواقع لن تتأثر الحياة اليومية للكثيرين بشكل مباشر، فنسبة من سافروا في رحلة جوية لم تتجاوز 11% على مستوى العالم في عام 2018، وفقط 4% استقلوا رحلات دولية. وقد مر العالم في وقتٍ اقتربت فيه هذه النسبة من الصفر في فترة الجائحة. إذا توقف الطيران سوف تصمت المطارات، وسينعم سكان المناطق المجاورة لها بالهدوء، وستنخفض نسبة تلوث الهواء حولهم، ولكن البلدان التي تعتمد على السياحة سوف تتضرر بشكلٍ كبير، وسيضطر الناس الذين يسافرون لقضاء عطلة نهاية الأسبوع إلى اختيار وجهات قريبة، وهذا سينعكس بشكلٍ إيجابي على الدول التي تعاني من عجز في قطاع السياحة فيها، لأن سكانها ينفقون في الخارج أكثر مما ينفقه السياح فيها، من هذه الدول الصين والمملكة المتحدة.

كما أن إيقاف الطيران سيؤثر بشكل مباشر على 11 مليون شخص حول العالم يعملون في هذا القطاع، كما سيؤثر على 18 مليون شخص آخر يعملون في قطاعاتٍ داعمة له، مثل موردي الوقود، ومراكز الاتصالات.

اقرأ أيضاً: متى يصبح من حق شركة الطيران تعليق رحلاتها؟

ويبقى التحدي الأصعب هو عند أولئك الذين يعيشون أو يعملون بعيداً عن أحبائهم، وسيكون على الكثيرين الانتقال إلى أماكن أقرب إلى من يحبون، وهذا سيتطلب أماكن عمل أكثر مرونة تتيح العمل عن بعد.

وستشهد الشركات تحسناً كبيراً في انخفاض انبعاثاتها الكربونية مع توقف رحلات العمل، وسيكون حضور المؤتمرات واجتماعات العمل في الدول الأخرى هو الاستثناء، وستصبح الاجتماعات الافتراضية هي القاعدة. ولكن الأعمال التي تتطلب زيارات شخصية سوف تشهد صعوبة في التكيف. وكذلك الأمر بالنسبة لسلاسل التوريد، حيث تبلغ نسبة الشحن الجوي 1% من البضائع المرسلة حول العالم. والاستعاضة عن ذلك بالشحن البحري الذي سيخفض الانبعاثات بشكلٍ كبير، ولكنه يتطلب تعديلات جوهرية على الجداول الزمنية للتسليم، وسوف تختفي الفواكه والخضروات الطازجة القابلة للتلف، مثل العنب والمانغو والأفوكادو من المتاجر في الشتاء.

الجزر التي تعتمد على السياحة والتي لا يمكن الوصول إليها إلا بالطائرة سوف تتضرر بشدة في عالم خالٍ من الطائرات- بي بي سي

كما أن بعض الشحنات الجوية قد تساهم في إنقاذ الأرواح، حيث يستخدم الشحن الجوي لنقل الأدوية واللقاحات والمستلزمات الطبية حول العالم. وقد لعب هذا القطاع دوراً رئيسياً في توزيع اللقاحات أثناء الجائحة، ومن دونه لن يكون من السهل إيجاد بدائل لإيصال الأدوية الحساسة والمساعدات الغذائية في الوقت المناسب في حالات الكوارث.

إن التوقف المفاجئ للطيران سوف يخلق تعقيداتٍ كبيرة في مسألة السفر، والبديل الوحيد هو السكك الحديدية الفائقة السرعة، وهي الوسيلة الوحيدة القادرة على نقل عدد كبير من الركاب بسرعة عالية لمسافاتٍ بعيدة وبكلفة معقولة. والصين هي الدولة الرائدة في هذا المجال بلا منازع، فهي تمتلك أكثر من نصف الخطوط الحديدية العالية السرعة في العالم. وهي من أفضل الخطوط ليس فقط من حيث السرعة والراحة. وتتمتع اليابان وأوروبا وكوريا الجنوبية بشبكة خطوط سريعة قوية إلى حد ما، ولكن الولايات المتحدة لا تمتلك حتى الآن أيه خطوط حديدية سريعة.

اقرأ أيضاً: متى يصبح من حق شركة الطيران تعليق رحلاتها؟

وحيث لا تتوفر السكك السريعة يمكن تطوير قطارات المنامة، بحيث تصبح الرحلات الليلية التي تستغرق من 8 إلى 12 ساعة أمراً مريحاً، وربما جزءاً من العطلة. ويمكن للحافلات المريحة والسيارات الكهربائية ذاتية القيادة أن تكون بديلاً معقولاً أيضاً. ولكن ستبقى الثغرة الكبيرة في الانتقال عبر المحيطات، حيث يستغرق السفر بحراً من لندن إلى نيويورك سبع ليالٍ والرحلات الأبعد قد تستغرق أسابيع.

وللتأقلم مع الزمن الإضافي للسفر بالسفن والقطارات لابد لأصحاب العمل من إبداء مرونة أكبر في منح الإجازات والسماح بالعمل عن بعد، وستكون هناك حاجة للتفكير الإبداعي في وسائل التواصل وتطوير مساحات اجتماعات افتراضية أفضل مع كاميرات تعمل بالتحكم عن بعد.

غرفة في طائرة بوينغ 747 تم تحويلها إلى فندق

وفي الوقت نفسه يمكن استخدام المطارات المهجورة -التي عادة ما تكون محاطة بشبكة مواصلات جيدة- لاستضافة المؤتمرات والمهرجانات والاجتماعات الكبيرة، وكمتنزهات سياحية أيضاً، حيث يمكن ممارسة ركوب الدراجات البخارية والهوائية، وألواح التزلج على مدرجاتها، ويمكن تحويل الطائرات إلى منشآتٍ سياحية؛ كالمطاعم والفنادق والنوادي.

لا أحد يتوقع أن تختفي الطائرات من سمائنا، ولا أحد يرغب بذلك، ولكن التأثير المناخي الهائل للطيران يجعل من الضروري التفكير في كل الوسائل الممكنة للتقليل من بصمته، وللانتقال إلى واقعٍ مختلف عما نحن عليه الآن.

♦مراسلة مستقلة تكتب في شؤون المناخ

المصدر: بي بي سي

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة