الواجهة الرئيسيةشؤون دوليةمقالات

ماذا علينا أن نفعل حيال الصين؟

خاص – كيوبوست

دينيس ساموت• 

د. دينيس ساموت

قبل بضع سنوات، دُعيت إلى إمارة ليختنشتاين الصغيرة، وهي واحدة من أصغر بلدان أوروبا، للمشاركة في مؤتمر موضوعه “الصين في أوروبا”، بحضور مجموعة متنوعة من الدبلوماسيين والخبراء الصينيين والأوروبيين والأمريكيين الشماليين وبعض المتسلقين. وقد أثار اهتمامي إلى حد ما سبب عقد مؤتمر بمثل هذا الموضوع في ليختنشتاين، إلى أن أدركت أن شركة صينية قد اشترت لتوها أحد البنوك الرائدة في البلاد. وشدد المتحدثون الصينيون في المؤتمر على الطابع الحسن للاستثمار الصيني في أوروبا، وفي المساء سرنا معاً باتجاه قلعة فادوتس للاجتماع بأمير ليختنشتاين هانز آدم الثاني، وابنه الأمير ألويس. وقد وصلت الصين إلى ليختنشتاين! 

اقرأ أيضاً: ثورة تجارية بين 68 دولة: كل ما تريد معرفته عن طريق الحرير الجديدة

 يحظى موضوع دور الصين في العالم بالاهتمام، منذ وقت طويل، يسبق كثيراً جائحة فيروس كورونا. والواقع أن الإدراك بأن الصين قوة عظمى ناشئة في القرن الحادي والعشرين كان مقبولاً إلى حد كبير باعتباره أمراً حتمياً؛ فهي منافس للولايات المتحدة؛ من الناحية الاستراتيجية والاقتصادية، وللاتحاد الأوروبي من الناحية الاقتصادية، لكنها ليست بالضرورة منافساً خطيراً.

ظلت الصين لفترة من الوقت صاحبة أضخم اقتصاد نامٍ على مستوى العالم، حيث بلغ متوسط معدل النمو أكثر من 6% على مدى العقود الثلاثة الماضية. فهي تستثمر بكثافة في العديد من البلدان في مختلف أنحاء العالم. وقد بلغت الاستثمارات الصينية في أوروبا ذروتها بما يزيد على 37 مليار يورو عام 2016، على الرغم من أنها تباطأت بعد ذلك. فقد بلغ إجمالي الاستثمارات الصينية في أوروبا الآن أكثر من 320 مليار يورو، كما استحوذت الصين على أكثر من 350 شركة أوروبية، على مدى السنوات العشر الماضية.

وزير الخارجية الصيني وانغ يي مع ممثل الاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية جوزيب بوريل على هامش اجتماع وزراء خارجية آسيا وأوروبا في مدريد- ديسمبر 2019

وقد تراوحتِ الاستثمارات بين مجموعة كاملة من الأنشطة، بما في ذلك الموانئ والمطارات وشركات الاتصالات السلكية واللا سلكية وفرق كرة القدم. وفي عام 2013، أطلقتِ الصين مبادرتها “حزام واحد.. طريق واحد” التي حظيت بالترحيب؛ باعتبارها أضخم مشروع للبنية التحتية العالمية على الإطلاق. وبحلول موعد إنجازه عام 2049، من المفترض أن يربط الصين بأوروبا وإفريقيا وآسيا، من خلال شبكة (أقرب إلى المتاهة) من البنية التحتية، والمشروعات الممولة من الصين، التي تهدف أيضاً إلى خلق الازدهار في البلدان المضيفة.

اقرأ أيضًا: البنتاجون يحذر: قبل أن تتحول إسرائيل إلى مستعمرة صينية

وعلى الرغم من أن الكثيرين كانوا قلقين بشأن البنود الخفية في تلك المبادرة، خصوصاً بشأن الخطر المتمثل في أن ينتهي الأمر بالعديد من البلدان أن يستدين مبالغ ضخمة من الصين، وأن بعض المشروعات  قد ينتهي به الأمر إلى أن يصبح عديم الفائدة؛ فإن هذه المخاوف كثيراً ما كانت تُنحى لصالح اعتبار مبادرة الصين أمراً جيداً للتواصل والتجارة.

فضلت أوروبا العمل مع الصين لا احتواءها

في بداية الألفية، كان التصور العام في الغرب هو أن الصين على مسار الإصلاح، وأنه رغم بطء إجراءاتها الإصلاحية وقيامها بذلك بطريقةٍ غير تقليدية؛ فإنها كانت مهمة ومناسبة. وكان التركيز منصباً على كيفية العمل مع الصين، وليس على احتوائها.

اقرأ أيضاً: تسييس “كورونا”.. يشعل فتيل حرب باردة جديدة بين أمريكا والصين

ولكن على مدى العقدين الماضيين، وبدلاً من حل المشكلات، كان بوسع المرء أن يتبين أن المشكلات تتراكم. وأن الحزب الشيوعي الصيني لم يخفف من قبضته على السلطة، بل على العكس، بدا وكأنه يستخدم تكنولوجيا جديدة لتحقيق السيطرة الكاملة؛ فقد شهدت هونج كونج، التي وجدت منذ عام 1997 في مرحلة انتقالية، تزايداً في قمع أصوات أولئك الذين كانوا على استعداد لتحدي بكين، وفي بحر الصين الجنوبي بدأت الصين الأكثر جرأة والأفضل تسليحاً في تمديد عضلاتها؛ الأمر الذي يثير المخاوف لدى الجيران المحيطين بها. ويبدو أن صعود الرئيس “شي”، وما أعقبه من تعزيز للسلطة، يزيد من حدة المشكلات. وعلاوة على ذلك، فقد كان استخدام الصين لنفوذها الاقتصادي الجديد كأداة استراتيجية جغرافية، على نحو يجعل تسميته بالقوة الناعمة غير عادل.

يجري العمل في الجزء الباكستاني- الصيني من طريق الحرير- باكستان ديسمبر 2017

لقد كان الكثير من القضايا في المجال الاقتصادي موجوداً، قبل الجائحة بوقتٍ طويل. فقد تصدَّى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، للتوسع الاقتصادي الصيني باعتباره واحداً من أبرز استراتيجياته الخارجية، وهو جزء منطقي من أولويات السياسات الأمريكية. ففي أوروبا نُظر إلى المشكلات مع الصين وعُبِّر عنها باعتبارها “مخاوف”، وليست مشكلات لا يمكن التغلب عليها. فالصين تُعَد السوق الأضخم للاستيراد في الاتحاد الأوروبي، وسوق صادراتها الثانية. وتتاجر الصين وأوروبا بما يزيد على مليار يورو يومياً.

اقرأ أيضاً: الصين تتجه إلى غزو العالم ثقافياً وتجارياً

وفى عام 2001 انضمتِ الصين الى منظمة التجارة العالمية ووافقت على إصلاح وتحرير أجزاء مهمة من اقتصادها. وتتلخص التفسيرات المقبولة في أن هذا الإنجاز كان أقل كثيراً من المتوقع، وبشكل انتقائي. ومن بين القضايا التي لا تزال تثير قلق الاتحاد الأوروبي، الافتقار إلى الشفافية، وعدم تكافؤ فرص العمل الذي يعمل ضد الشركات الأجنبية العاملة في الصين؛ بما في ذلك دور الدولة في الاقتصاد، ولا سيما الدور المهيمن للشركات المملوكة للدولة في بعض القطاعات، وعدم تكافؤ فرص الحصول على الإعانات والتمويل بفوائد منخفضة، وحقوق الملكية الفكرية، حيث يُنظَر إلى الصين باعتبارها اتخذت بعض الخطوات، ولكن ليس بالقدر الكافي.

اقرأ أيضاً: صحيفة ألمانية عريقة تشن هجوماً عنيفاً على الرئيس الصيني

ومؤخراً، تعرض المسؤولون الأوروبيون، وبعض زعماء الدول الأعضاء الأكبر حجماً، إلى الإزعاج من جراء محاولة الصين الالتفاف على المواقف التفاوضية التجارية الصارمة للاتحاد الأوروبي من خلال تبني نهج “دون إقليمي”؛ أي العمل مع البلدان، مثل بلدان مجموعة “فيشغراد” التي كانت أكثر تقبلاً للتقدم الصيني.

فيروس كورونا وضع الصين تحت دائرة الضوء.. والقيادة في بكين لا تحب ذلك

لقد وضعت أزمة فيروس كورونا الصين تحت الأضواء، على النحو الذي تكرهه بكين حقاً، ليس على أساس التدقيق في نقاط معينة لصفقة تجارية، بل على أساس العلاقة مع الصين برمتها. ومن المحتمل أن يكون هذا تغييراً في قواعد اللعبة. إن القواعد التي تقوم عليها العلاقات التجارية مع الصين لم تعد الآن موضع اهتمام عدد قليل من البيروقراطيين في بروكسل، بل الكيان السياسي الأوروبي بالكامل، فضلاً عن أن العديد من المواطنين يسألون الآن أسئلة غير مريحة. فقد أخرجتِ الجائحة الماردَ من القمقم.

تتاجر الصين وأوروبا بما يزيد على مليار يورو يومياً

ولعل تعامل الصين مع المراحل المبكرة من جائحة كورونا، في حد ذاته، مسألة من المرجح أن تكون قيد المناقشة لسنواتٍ مقبلة، وكما نرى أيضاً فإنها قد تكون الأساس لبعض الدعاوى القانونية. ولا يتعلق الأمر بالضرورة بكيفية ظهور الفيروس، فحتى لو رُفض كل نظريات المؤامرة، فسوف تبقى أسئلة تتعلق بالطريقة الفاشية التي تعاملت بها الحكومة الصينية، في الأسابيع الأولى لظهور الجائحة، حين كان من الممكن أن يتم احتواؤها داخل حدودها.

إن الطبيعة السرية للحكومة الصينية، ونظامها الحزبي الشمولي، والافتقار إلى الضوابط والتوازنات، يُنظر إليها عن حق على أنها أدت، بحدٍّ أدنى، إلى تفاقم المشكلة بشكل خطير. وعلاوة على ذلك، تُطرح أسئلة حول كيفية تعامل الصين مع الجائحة منذ تحول مركزها إلى أوروبا، وأمريكا الشمالية. لقد كان كل من الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة يتتبعان عملية التضليل التي يبدو أنها صادرة عن بكين التي تحاول تحويل اللوم عن انتشار فيروس كورونا إلى بلدان أخرى. كما يُنظر إلى ما يسمى بالمساعدات الصينية المقدمة إلى البلدان التي تعاني فيروس كورونا باعتبارها مُسيَّسة.

اقرأ أيضاً: فيروس كورونا يفرض تحدياً جديداً أمام العلاقات الصينية- الأمريكية

والآن تُطرَح التساؤلات حول مدى فاعلية التعامل التجاري مع دولةٍ استبدادية ذات حزب واحد ترفض الشفافية، ولا توفر فرصاً متكافئة لشركائها الاقتصاديين. فالناس يريدون أن يعرفوا لماذا تعتمد البلدان الأوروبية على الصين للحصول على إمداداتها الطبية الأساسية؛ وعلى نطاق أوسع، فإن مشاركة الصين في الصناعات الاستراتيجية في أوروبا؛ مثل الاتصالات السلكية واللا سلكية -التي كانت بالفعل مسألة مثيرة للقلق قبل فيروس كورونا- أصبحت الآن ملحة للغاية.

المدير الطبي لمستشفى سبالانزاني خلال استقبال فريق الصليب الأحمر الصيني في روما- إيطاليا مارس 2020

فقد ذكرت التقارير أن المسؤولين الصينيين هددوا، الأسبوع الماضي، بتعطيل إمدادات المعدات الطبية إلى بلدان الاتحاد الأوروبي؛ رداً على الانتقادات التي تزعم أن الصين كانت تشجع على انتشار أخبار زائفة، الأمر الذي أدى ببساطة إلى زيادة الضغوط المفروضة على الزعماء الأوروبيين لحملهم على تبني نهج أكثر حزماً في التعامل مع الصين.

اقرأ أيضاً: أزمة “كورونا” العالمية في عصر ما بعد الحقيقة!

لقد برز الآن قلق جديد من أن الشركات الصينية سوف تنقض لشراء الشركات والمشروعات التجارية التي تعرضت إلى الدمار بسبب التوقف المفاجئ لمعظم الاقتصاد العالمي. ويُنظر إلى الصين على أنها في وضعٍ جيد للقيام بذلك؛ بسبب سيولتها وانتشارها، واستناداً إلى الخبرة السابقة، بما في ذلك ما حدث في أعقاب الأزمة المالية لعام 2008. ومن غير المرجح أن تتردد الصين في القيام بذلك، كما أنه من السهل صرف النظر عن هذا باعتباره مجرد مثال آخر على التحيز الأمريكي والأوروبي، وجنون العظمة أو الغطرسة الأطلسية، لولا أن بلداناً أخرى قد أصبحت الآن معنيةً بهذه القضايا أيضاً.

الهند قوة موازنة أمام الصين

جاء في إعلان لافت من نيودلهي، قبل بضعة أيام، أن أية شركة أو فرد من “البلدان ذات الحدود البرية مع الهند” يرغب في الاستثمار في الشركات الهندية، عليه الحصول على إذن من الحكومة الهندية. كانت هذه الاشتراطات موجودة بالفعل بالنسبة إلى باكستان وبنغلاديش، وهما بلدان تربطهما علاقة متوترة بنيودلهي. لكن النظام الجديد أدخل البلدان الخمسة الأخرى: نيبال، وبوتان، وأفغانستان، وميانمار، وبالطبع الصين ضمن هذا الإجراء.

الاجتماع الخامس في الحوار الاستراتيجي الاقتصادي بين الصين والهند- 2018

ولا يتطلب الأمر أن تكون عبقرياً لتدرك أن الهدف من هذا القرار ليس بوتان أو نيبال، بل الصين، وأن الهند تحاول حماية نفسها من المفترسين الماليين الصينيين، أثناء فترة معاناة اقتصادها من الضغوط الناجمة عن الجائحة. وأن ما قامت به الهند أنها صاغت هذا التدبير على النحو الذي يجعلها أقل إهانة للصينيين قدر الإمكان. وتهدف السياسة المنقحة إلى “الحد من عمليات الاستيلاء/ الاستحواذ الانتهازية على الشركات الهندية بسبب جائحة (كوفيد – 19)”، على حد قول بيان صحفي صادر عن وزارة تعزيز الصناعة والتجارة الداخلية. وقد أعربتِ الحكومة الصينية بالفعل عن استيائها.

اقرأ أيضاً: بعد أزمة كورونا.. هل يتنبه حلف الأطلسي للتهديد الصيني؟

وتعد القضية الهندية مهمة لمجموعة من الأسباب؛ حيث تربط الهند بالصين علاقة معقدة. فقد خاض الاثنان حرباً في ستينيات القرن العشرين، وكانت الهند صديقاً استراتيجياً للاتحاد السوفييتي أثناء الصراع الصيني-السوفييتي. لا تزال هناك توترات على حدود الهيمالايا. ولدى الهند والصين فهم مختلف لما يشكل حدودهما، وهذا من شأنه أن يزيد من التوترات في أية لحظة. ورداً على ما تعتبره الهند تجاوزاتٍ صينية متزايدة، فتحتِ الهند في الأيام الأخيرة نقطة وصول جديدة في جميع الأحوال الجوية؛ لتمكين القوات والمدفعية من التحرك بشكل أسرع في منطقة أروناشال براديش النائية الواقعة في شمال شرق الهند، والتي شهدت في السابق اشتباكات بين الجانبين.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مع الرئيس الهندي ناريندرا مودي خلال زيارته إلى الهند- 2018

لكن في السنوات الأخيرة، كانت الهند أيضاً مستفيدةً من سخاء الصين. وارتفعت الاستثمارات الصينية من نحو 1.6 مليار دولار أمريكي عام 2014، إلى نحو 26 مليار دولار أمريكي (الحالي والمخطط له). ويمتد هذا الاستثمار الآن عبر مجموعة كاملة من القطاعات الاقتصادية الهندية؛ بما في ذلك القطاع المصرفي وقطاع الطاقة وقطاع المستحضرات الصيدلانية وقطاع التكنولوجيا. حيث تدفق الاستثمار الصيني إلى أكثر من 90 شركة هندية ناشئة، مخترقاً نمور التكنولوجيا الفائقة التي تضع عليها الهند الكثير من الأمل.

اقرأ أيضاً: جائحة فيروس كورونا ستغيِّر النظام العالمي إلى الأبد

ومن ناحيةٍ أخرى، يُنظَر إلى الهند في بعض الأحيان باعتبارها ثقلاً موازناً محتملاً للصين. وقد كانت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي في العامين الماضيين يضعان الأولوية لعلاقاتهما مع الهند. وكان آخر رحلة قام بها ترامب إلى الخارج، قبل الإغلاق الذي تسبب فيه فيروس كورونا، إلى الهند في شهر فبراير. كما كانت أول زيارة يقوم بها رئيس الاتحاد الأوروبي للسياسة الخارجية، جوزيب بوريل، خارج الاتحاد الأوروبي بعد توليه منصب الممثل السامي في 1 ديسمبر 2019، إلى الهند في يناير.

وعلى الرغم من أن الصين لم يرد ذكرها قط في البيانات الرسمية الهندية؛ فإنه من السهل أن نفهم أنها تشكل جزءاً كبيراً من الرسالة الضمنية. حيث منحها عدد سكانها الكبير، وقربها من الصين، واستعدادها للتنافس مع الصين في مجموعة من القضايا، ثقلاً موازناً مثالياً. ويمكن للمرء أن يرى هذه العلاقات تصبح أكثر أهمية في المستقبل.

الرئيس الصربي يقدم تحية لبعثة المساعدات الصينية- مارس 2020

من جانبٍ آخر، كان فيروس كورونا بمنزلة حافز لإعادة تنشيط علاقات نيودلهي مع موسكو. وقد قوبلت إمدادات الهند العاجلة من المستحضرات الصيدلانية إلى روسيا أثناء الجائحة بالترحيب؛ باعتبارها مثالاً ساطعاً للصداقة بين البلدين؛ حيث خص ديمتري بيسكوف، المتحدث باسم الرئيس فلاديمير بوتين، الهند بالشكر عند الحديث عن التعاون مع الدول الأخرى خلال جائحة كورونا. ويبدو أن الفيروس قد ساعد بعض تصدعات الماضي على الظهور إلى السطح مرة أخرى. فبالنسبة إلى كل من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، فضلاً عن روسيا، تبدو الهند الآن وكأنها الثقل الطبيعي الموازن للصين، على افتراض أن الاقتصاد الهندي قادر على تحمل الجائحة، والخروج منها بقوة.

حذار من إيقاظ شياطين معاداة الأجانب ومعاداة الصين

وما لا شك فيه أن الصين لديها الكثير الذي يتعين عليها شرحه للعالم في ما يتصل بسلوكها في بداية الجائحة. ومن الصحيح أيضاً، بل وقد طال انتظاره، أن تناقش البلدان ومجموعاتُ البلدان؛ مثل الاتحاد الأوروبي، العلاقةَ مع الصين، في سياقٍ أوسع نطاقاً من الفوائد الاقتصادية أو الأرباح قصيرة الأجل. وحتى عندما يتعلق الأمر بالاقتصاد، فإن أوجه القصور في العلاقة تحتاج إلى معالجة. وفي أوروبا، وأظن أنه في أماكن أخرى أيضاً، سوف يكون هناك ضغط متزايد على الحكومات والسياسيين بشأن هذه النقاط في المستقبل.

ويتعين على الصينيين أنفسهم أن يأخذوا هذا الوضع الجديد على محمل الجد. فهذه ليست مجرد “لعبة إلقاء اللوم”، ولا ينبغي وصفها على هذا النحو الذي يشير إليه بعض الدبلوماسيين الصينيين. وقد دفعتِ الجائحة الناسَ إلى التفكير في هذه الأمور، فضلاً عن أمور كثيرة أخرى، وقد أصبحتِ المخاوف الآن عميقةَ الجذور. ويتعين على الصين أن تدرك أنها تحتاج إلى استعادة ثقة العالم.

الرئيسان الصيني والأمريكي

ويظهر التاريخ أن قادة الصين لا يرتاحون، إلى حد كبير، إزاء الانتقادات. وسيكون من الحكمة أن يتكيفوا مع هذه السمة من سمات الحكم، كما فعلوا مع العديد من السمات الأخرى. ومن المحتم أن يكون هناك صدام في القيم بين أوروبا، والغرب، والصين. وسيتعين على كلا الجانبين إدارة هذا الأمر من خلال البحث عن أرضية مشتركة إن أمكن. لكن ينبغي أيضاً توخي الحذر في الطريقة التي يتعامل بها العالم مع هذه القضايا. فمن الممكن أن تعيد هذه الجائحة تأجيج هذه الشكوك عميقة الجذور تجاه الصين. فقد يكون بعضها منطقياً ومبرراً، وقد يكون البعض الآخر مبنياً على التعصب. كما يجب أن لا نسمح لهذا الوضع أن يتطور إلى معاداة الأجانب، ومعاداة الصين.

اقرأ أيضاً: الصين تسيطر على سوق الدواء… والغرب يعيش مرحلة ما بعد الصدمة

إن جذب الصين، باعتبارها شريكاً إن أمكن، وكمنافس إذا لزم الأمر، يجب أن يظل هدفنا النهائي كدول ومجتمعات. والأمر يتوقف إلى حد كبير على القيادة الصينية، فهناك الكثير الذي يتعين على بكين أن تفعله في هذا الاتجاه. وحتى الآن لا يوجد سوى تعابير عن التعنت المعتاد. وبالحكم على الكيفية التي كان الدبلوماسيون الصينيون يردون بها على أسئلة وسائل الإعلام في الأسابيع القليلة الماضية، فسوف يتبين لنا أن بكين ربما تستهين على نحو خطير بهذه التحديات.

ولعل الإيماءات التي جاءت من جانب الصين، مثل إرسال صناديق من أقنعة الوجه والمساعدات الإنسانية، هي أمر لطيف ينبغي على المجتمعات التي تستقبلها أن تشكرهم عليه. لكن لا ينبغي للصين أن تخدع نفسها حين تتصور أن هذا بديل للعمل الجاد الذي يتعين عليها القيام به. فالموقف الآن أكثر عمقاً، ويتطلب استجابة عميقة بالقدر نفسه من جانب الصين. وكما أظهرت الجائحة، فإن الأخطاء لها عواقب وخيمة، ويمكن أن تشكل تهديداً وجودياً للبشرية جمعاء.

•مدير مؤسسة لينكس للحوار والتحليل والبحوث، ومراقب ومعلق متخصص في الشؤون الخليجية

لمطالعة النسخة الإنكليزية: Dennis Sammut China with edits

 اتبعنا على تويتر من هنا

 

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة