الواجهة الرئيسيةترجماتشؤون دولية

ماذا تعني عودة “طالبان” إلى السلطة في أفغانستان؟

كيوبوست- ترجمات

كاوه كريمي

عادة ما يتم تصوير “طالبان” على أنها مجموعة من الرجال ذوي اللحى والعمائم، تحركهم أيديولوجية أصولية إسلامية ومسؤولون عن أعمال عنف واسعة النطاق؛ لكن لكي نفهم الحركة التي تستعد للعودة إلى السلطة في أفغانستان، وما قد نتوقعه من حكمها، فإننا نحتاج إلى صورة أكثر دقة.

ففي البداية، من المهم أن نفهم أصول حركة طالبان منذ الثمانينيات أثناء الحرب الباردة؛ حيث شنّ المسلحون الأفغان، الذين أُطلق عليهم اسم المجاهدين، حرب عصابات ضد الاحتلال السوفييتي، دامت لما يقرب من عقد من الزمن. وقد تم تمويلهم وتسليحهم من قِبل مجموعة من القوى الخارجية، بما فيها الولايات المتحدة الأمريكية. 

اقرأ أيضاً: مقبرة الإمبراطوريات: أسباب وعواقب الانسحاب الأمريكي من أفغانستان

وفي عام 1989، انسحب السوفييت، وكان ذلك بداية الانهيار للحكومة الأفغانية، التي كانت تعتمد عليهم بشدة. ثم بحلول عام 1992، تم تشكيل حكومة المجاهدين؛ لكنها عانت الاقتتال الدموي الداخلي في العاصمة. وقد هيأت الظروف غير المواتية أرضاً خصبة لظهور حركة طالبان. وهي جماعة أصولية  تهيمن عليها عرقية البشتون، ويُعتقد أنها ظهرت لأول مرة في المدارس الدينية المتشددة في شمال باكستان، أوائل التسعينيات. وفي عام 1994، بدأت حركة طالبان حملة عسكرية من جنوب أفغانستان؛ حتى استولت على العاصمة الأفغانية كابول، دون مقاومة كبيرة، بحلول عام 1996.

أفغانيات يهربن بأطفالهن قبل سيطرة “طالبان” على المنطقة- “فرانس برس”

الحياة تحت حكم “طالبان”

بالنسبة إلى الشعب الأفغاني الذي أنهكته الحرب، كان وعد “طالبان” بإحلال الأمن والنظام من ناحية، وكبح الفساد من ناحية أخرى، أمراً جذاباً؛ إلا أن ذلك اقترن بتكلفة باهظة وغير محتملة في بعض الأحيان، فعلى سبيل المثال تم فرض عقوبات قاسية؛ مثل الإعدام العلني، وإغلاق مدارس الفتيات، وحظر التليفزيون وتفجير تماثيل بوذا التاريخية. وقد نبعت حجة الجماعة من مزج الفهم الأصولي للإسلام بالتقاليد الأفغانية.

اقرأ أيضاً: مدينة “باميان” الأفغانية وتماثيل بوذا المدمَّرة.. إرث إرهاب “طالبان”

وخلال ذروة حكم “طالبان” (1999)، لم يتم تسجيل أية فتاة بالمدارس الثانوية، ولم يكن يدرس في المدارس الابتدائية سوى 4٪ فقط من المؤهلين وعددهم 9000 فتاة. والآن هناك نحو 3.5 مليون فتاة في المدارس. وبعد الغزو الذي قادته الولايات المتحدة للبلاد في أعقاب رفض “طالبان” تسليم مَن يقفون وراء هجمات 11 سبتمبر الإرهابية، عام 2001، هرب العديد من كبار الشخصيات في “طالبان”؛ خوفاً من التعرض للاعتقال، ولجؤوا إلى مدينة كويتا في باكستان.

وقد أدى ذلك لاحقاً إلى تشكيل “مجلس شورى كويتا”؛ وهو مجلس قيادة “طالبان” الذي يقود التمرد في أفغانستان. ثم انتهت حالة النشوة التي لم تدم طويلاً بعد الغزو عندما أعادت حركة طالبان حشد قوتها عام 2004، وبدأت تمرداً دموياً ضد الحكومة الأفغانية الجديدة والقوات الأجنبية الداعمة لها؛ مما أودى بحياة ما لا يقل عن 170 ألف شخص؛ من بينهم 51613 مدنياً حتى الآن.

سوق قندهار حيث يعاني المواطنون غلاء الأسعار بعد الانسحاب الأمريكي وسيادة الفوضى- “فاينانشال تايمز”

وفي عام 2021، كان لدى الجماعة المتمردة ما يقدر بنحو 75000 مقاتل، وتدير آليتها للتمرد، اعتماداً على التمويل الأجنبي، بالإضافة إلى الضرائب على المستوى المحلي، والابتزاز، واقتصاد المخدرات غير المشروع. وهناك عدة تفسيرات محتملة لعودة “طالبان” إلى الظهور؛ بما في ذلك عدم وجود استراتيجية لما بعد التدخل، والآثار السلبية للحملة العسكرية الأجنبية، ووجود حكومة فاسدة وغير كفؤة في كابول، والاعتماد المتزايد على المساعدات المالية والعسكرية الأجنبية والمنافسات الإقليمية.

شاهد: فيديوغراف: إيران و”طالبان”.. أصدقاء أم أعداء؟

والآن، بعد أن أبرمت الولايات المتحدة اتفاقاً مع “طالبان” قبيل انسحابها من البلاد. تشكل الحركة المسلحة تهديداً وجودياً للنظام السياسي الهش، الذي تم تشكيله وتمويله والدفاع عنه إلى حد كبير من خلال الأموال الأجنبية والجنود على الأرض. وقد خلق الاتفاق بين الولايات المتحدة و”طالبان” بعض التفاؤل بشأن احتمالية التوصل إلى تسوية سياسية قادرة على إنهاء الحرب التي طال أمدها والحد من احتمالات تحول أفغانستان إلى ملاذ آمن للإرهابيين مرة أخرى.

ما الذي يخبئه المستقبل؟

لكن يبدو أن جهود السلام قد فقدت زخمها بعد الانسحاب غير المشروط للقوات الأمريكية. والآن تقرع “طالبان” طبول النصر، ويبدو أنها تستعد لفرض نظامها “الذي أُجبر على النفي” في أواخر 2001. وتشير التقديرات إلى أن الحركة تسيطر على أكثر من نصف مقاطعات أفغانستان البالغ عددها 400 مقاطعة.

مقاتلو تحالف الشمال في قندوز عام 2001 عندما ساعدوا في الإطاحة بـ”طالبان”.. لكن الرئيس أشرف غني قطع العلاقات معه ما أدى إلى مخاوف من أنه لن يتمكن من طلب مساعدتهم الآن- “فرانس برس”

بيد أن الولايات المتحدة قد حذَّرت من أنها لن تعترف بنظام “طالبان” في كابول، نتيجة للاستيلاء العسكري على السلطة؛ لكن يبدو أن هذا وحده لن يردع “طالبان”. ومع استيلائها على العاصمة، سوف يظل من غير المعروف كيف ستمول نظامها الثيوقراطي الحصري.

اقرأ أيضاً: من غوانتانامو إلى الدوحة.. هكذا وصلت قيادات طالبان إلى قطر

ومع الأخذ في الاعتبار أن “طالبان” قد حسَّنت علاقاتها مع الدول المجاورة، مثل إيران وروسيا، وبعض دول آسيا الوسطى، التي كانت تعارض نظامها في التسعينيات. وعلى الأغلب فإن الحركة تسعى إلى إيجاد بديل إقليمي للمساعدات التي تقدمها الولايات المتحدة وحلفاؤها، فضلاً عن منع عودة ظهور قوى المقاومة المناهضة لـ”طالبان”، وهي التحالف الشمالي، والتي كانت ستحظى لولا ذلك بدعم مالي وعسكري من تلك البلدان. كما فتحت الهند قناة اتصال غير رسمية مع حركة طالبان.

وفي ما يتعلق بحقوق المرأة، وحرية الصحافة، والانتخابات، وغيرها من الحريات التي يضمنها دستور عام 2004 (على الأقل في شكل مكتوب)، فقد أعربت “طالبان” كثيراً عن رغبتها في إقامة “نظام إسلامي حقيقي” يتماشى مع التقاليد الأفغانية؛ لكن لا يزال من غير الواضح ما الذي يعنيه ذلك بالضبط، ومدى اختلافه عن حكمها السابق في الفترة من (1996-2001).

الملا عبد الغني بردار الزعيم السياسي الأعلى لحركة طالبان وأحد المؤسسين للحركة أوائل التسعينيات- “فاينانشال تايمز”

وفي بيان لها، قالت حركة طالبان مؤخراً إنها ستوفر تسهيلات للنساء للعمل والحصول على التعليم، على عكس تصرفاتها في أواخر التسعينيات. وعلى الرغم من هذا التحول الظاهري؛ فإنه يبدو أن “طالبان” لا تزال تنشئ مجتمعاً قائماً على تفسيراتها الصارمة للإسلام، وهو الأمر الذي يخشاه الشباب الأفغان في المناطق الحضرية؛ فهم قلقون من أنه لم يعد بوسعهم مشاركة المدرسة أو مكان العمل أو ارتداء ما يريدون.

اقرأ أيضاً: الرئيس الأفغاني يكتب: لحظة المخاطرة والفرص في أفغانستان!

من جانب آخر، قد لا يكون استيلاء “طالبان” العسكري على السلطة علامة على نهاية الحرب في أفغانستان؛ فلا يمكن ضمان السلام والاستقرار في المجتمعات متعددة الأعراق، إلا من خلال التعايش والتوافق والاندماج؛ وليس من خلال الهيمنة وسياسة المعدلات الصفرية. ويمكن أن تؤدي المصالح المتباينة لدول المنطقة إلى تأجيج السخط المحلي المتزايد ضد “طالبان” (كما حدث في أواخر التسعينيات)؛ وهو الأمر الذي قد يؤدي بدوره إلى إطالة أمد الحرب الدموية والمدمرة.

 ♦باحث دكتوراه في كلية الدراسات الشرقية بجامعة لندن، يهتم بالتحول الديمقراطي في خضم الحرب في أفغانستان. كما يعمل محاضراً بالجامعة الأمريكية في أفغانستان.

المصدر:  ذا كونفرزيشن

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة