الواجهة الرئيسيةترجماتشؤون دولية

ماذا تعلمنا بعد 20 عاماً من هجمات بالي؟

كيوبوست- ترجمات

جولي تشيرنوف♦

مع مرور الذكرى العشرين للهجوم الإرهابي الذي وقع في مدينة بالي الإندونيسية، وأودى بحياة 202 من الأشخاص معظمهم من السياح الغربيين، كتبت أستاذة العلوم السياسية جولي تشيرنوف، مقالاً تحاول أن تستخلص فيه العبر من هذا الهجوم الدامي. وتشير تشيرنوف، في مقالها، إلى أن هذا الهجوم الذي نفذته “الجماعة الإسلامية” المتطرفة، التي تنشط في جنوب آسيا، لم يلقَ الاهتمام الكافي من ناحية التحليل والدراسة في الغرب على الرغم من الدروس القيِّمة التي يمكن استخلاصها منه لفهم الإرهاب، ليس فقط في إندونيسيا؛ بل على نطاق العالم أجمع.

وأول هذه الدروس هو أن الحكومات قد تتأخر كثيراً في إدراك تهديد الإرهاب والاعتراف بوجوده؛ إما بسبب الحساسية السياسية للأمر أو لتعارضه مع القيم الثقافية الموروثة في المجتمع. وهذا أمر يمكن أن تكون له عواقب وخيمة. وفي حالة إندونيسيا كانت الحكومة تعطي الأولوية لتحديات أخرى؛ مثل التحول الديمقراطي من ديكتاتورية سوهارتو وفصل الجيش عن الشرطة وأحداث العنف الطائفي التي اندلعت في أنحاء مختلفة من البلاد. وأسهم الأمر أيضاً في خشية السياسيين الإندونيسيين من أن يؤدي الاعتراف بالإرهاب إلى عزل الدوائر الإسلامية المحافظة واستفزازها، وأخيراً الاعتقاد السائد بأن خطر التشدد الإسلامي قد أصبح شيئاً من الماضي بعد أن قضى عليه نظام سوهارتو. ولو أن الحكومة الإندونيسية كانت أكثر استعداداً لملاحظة الأدلة المتزايدة على وجود شبكات إرهابية في البلاد لكان من الممكن تجنب هجمات بالي.

اقرأ أيضاً: تنامي خطر الإرهاب الجهادي في آسيا

والدرس الثاني هو أن الإرهابيين ربما يتمكنون من النجاح في تنفيذ عملياتهم على الرغم من سوء التخطيط وقلة الكفاءة. فهجمات بالي نفذها إرهابيون انتحاريون؛ قام أحدهم بحمل العبوة الناسفة في حقيبة على ظهره، ثم قام بتفجيرها في حانة، بينما استعار إرهابي آخر السيارة المفخخة من شخص يعرفه؛ مما يعني سهولة توصل الأجهزة الأمنية إلى هويته فور التعرف على السيارة المفخخة، واستخدم إرهابي ثالث هاتفه الخليوي لتفجير القنبلة. وعلى الرغم من كل تلك الهفوات؛ فإن الهجوم كان ناجحاً وأسفر عن مقتل أكثر من مئتَي شخص وجرح مئات آخرين.      

الدرس الآخر المهم هو أن الجماعات الإرهابية قد لا تتفق حول توقيت ومكان شن عملياتها؛ فقد انقسمت قيادة الجماعة الإسلامية بين فصائل متشددة تريد تنفيذ فتوى زعيم القاعدة أسامة بن لادن، والفصيل السياسي الذي كان لا يؤيد العنف خارج مناطق الصراع المشروعة؛ حيث يدافع المسلمون عن أنفسهم مثل أفغانستان وفلسطين ومينداناو في جنوب الفلبين. وبعد أن قضت الحكومة على الفصائل المتشددة في أعقاب هجمات عام 2022، توجهت الجماعة الإسلامية إلى نشر رسالتها ورؤيتها للإسلام عبر شبكة من المدارس الإسلامية الخاصة بها وتطوير مواردها المالية من خلال الأعمال التجارية وتجنيد أعضاء جدد.

عمر باتك أحد مرتكبي تفجيرات بالي- وكالات

ثم تنوه تشيرنوف بأن الروابط بين الجماعات الإرهابية و”القاعدة” يمكن أن تكون ضعيفة جداً أو ذات طابع شخصي؛ فعلى سبيل المثال كان رضوان عصام الدين، وهو العقل المخطط لعمليات بالي، على علاقة شخصية مع خالد شيخ محمد وأسامة بن لادن. ورغم أنه اعترف بأنه تلقى 30 ألف دولار من “القاعدة” لتمويل الهجمات؛ فقد تم التخطيط لهذه التفجيرات وتنفيذها من قِبل أشخاص إندونيسيين ينتمون إلى الجماعة الإسلامية، ولم تكن عملية عابرة للحدود مثل العديد من عمليات “القاعدة” الكبيرة، ولم يكن لأي من كبار قادة “القاعدة” أي دور في التخطيط للهجمات أو تدريب منفذيها. وانتهت العلاقة بين الجماعة الإسلامية و”القاعدة” باعتقال رضوان عصام الدين، في عام 2003.

اقرأ أيضاً: العملات المشفرة وتمويل الإرهاب في آسيا

وبالمقارنة مع أنحاء أخرى من العالم؛ بما في ذلك جنوب الصحراء الإفريقية، فقد تراجع الإرهاب بشكل كبير في جنوب شرق آسيا. ويعزو الباحثون أسباب ذلك إلى انهيار الدولة الإسلامية تحت قيادة “أبوبكر البغدادي”؛ التي أطلقت نداءات لأنصارها للتوجه إلى بلاد الشام، وبانهيارها لم يعد هنالك من عامل جذب كبير لتجنيد إرهابيين جدد في جنوب شرق آسيا.

لكن تشيرنوف ترى أن تراجع الإرهاب في هذا الجزء من العالم هو بعيد كل البعد عن كونه مؤشراً على معاناة الحركة الجهادية العالمية التي تزدهر في مناطق أخرى وإن كان نشاطها محلياً فقط. ويبدو أن جميع دول جنوب شرق آسيا قد تعلمت درساً مهماً بعد عقدَين من الحرب العالمية المزعومة على الإرهاب، كما أن بعض الجماعات الإرهابية أقل تماسكاً من غيرها، وربما تكون هنالك عناصر معتدلة تستحق المشاركة في محاولة تهميش الجماعات الأكثر تطرفاً. وبالإضافة إلى ذلك؛ لا بد أن تحظى الأهداف المحتملة بزيادة في موارد الحماية في أوقات التأهب الشديد.

♦أستاذة مشاركة في قسم العلوم السياسية والعلاقات الدولية في كلية غاوتشر.

المصدر: فورين بوليسي

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة