الواجهة الرئيسيةترجماتثقافة ومعرفة

ماذا تعلمنا الملاحم اليونانية عن العلاقة المميزة بين الآباء والأبناء؟

كيوبوست- ترجمات

جويل كريستنسن♦

يثير عيد الأب مشاعر مختلطة لدى العديد منا؛ فالنظر إلى إعلانات العائلات السعيدة يمكن أن يسترجع ذكريات صعبة وعلاقات محطمة بالنسبة إلى البعض. أما بالنسبة إلى البعض الآخر؛ فقد يثير هذا اليوم أفكاراً عفوية من الحنين للآباء والأمهات الذين رحلوا منذ فترة طويلة.

وبصفتي باحثاً في الشعر اليوناني القديم، أجد نفسي أفكر في اثنتين من أقوى اللحظات الأبوية في الأدب اليوناني؛ ففي نهاية قصيدة هوميروس الكلاسيكية، “الإلياذة”، يتوسل بريام، ملك طروادة، لقاتل ابنه، أخيل، لإعادة جثة هيكتور، أعظم محارب في المدينة؛ لدفنها. وبمجرد أن ينحي أخيل غضبه الشهير جانباً ويوافق، يبكي الاثنان معاً قبل أن يتقاسما وجبة، ويرثي بريام فقدان ابنه، بينما يفكر أخيل في أنه لن يرى والده مرة أخرى.

اقرأ أيضاً: عيد الأب.. رَديفٌ خجول لعيد الأم!

ويجمع الكتاب الأخير من كلاسيكية يونانية أخرى، “الأوديسة”، بين الأب والابن بعد 10 سنوات من الحرب والعديد من الأسفار في البحر، حيث يعود أوديسيوس إلى الديار ويمر بسلسلة من لقاءات لم الشمل، تنتهي مع والده لارتيس. ومع ذلك، عندما يلتقي أوديسيوس بوالده، فإنه لا يحييه على الفور. وبدلاً من ذلك، يتظاهر بأنه شخص قابل أوديسيوس ويكذب بشأن مكانه.

تسلط الأساطير اليونانية الضوء على العديد من اللحظات في العلاقات بين الأب والابن- أرشيف هولتون

وعندما يبكي لارتيس على استمرار غياب ابنه، يفقد أوديسيوس السيطرة على عواطفه أيضاً، ويصرخ باسمه لوالده؛ لكنه لا يصدقه. ثم يكشف عن ندبة حدثت له عندما كان طفلاً، ويظل لارتيس متشككاً فيه؛ لكن بعد ذلك يشير أوديسيوس إلى الأشجار في بساتينهما، ويبدأ في سرد أعدادها وأسمائها، كما كانت في القصص التي رواها له لارتيس عندما كان صغيراً.

الآباء والأبناء 

ومنذ زمن أرسطو، شكك المترجمون الشفويون في الكتاب الأخير للأوديسة. بينما تساءل البعض عن سبب قسوة أوديسيوس تجاه والده، بينما تساءل آخرون حتى عن سبب أهمية لمّ الشمل. ولماذا نقضي وقت السرد الثمين في الحديث عن الأشجار، في حين أن الجمهور ينتظر سماع ما إذا كان أوديسيوس سيعاني على أيدي الأسر التي قتل أبناءها؟!

اقرأ أيضاً: 8 أنواع من الحب عرفها الإغريق.. تعرف عليها؟

وقد بقيت أنا نفسي في مثل هذا الارتباك حتى فقدت والدي وهو في سن صغيرة؛ غير أن قراءة وتدريس “الأوديسة” في فترة العامين نفسيهما اللذين فقدت فيهما والدي ثم إنجابي طفلَين، قد غيرت الطريقة التي فهمت بها العلاقة بين الأب وابنه في هذه القصائد؛ إذ أدركت في المشهد الأخير أن ما يحتاج إليه أوديسيوس من والده كان شيئاً أكثر أهمية، ألا وهو الشعور بالراحة في كونه ابناً.

ويحتل الآباء مكانة كبيرة في الأساطير الإغريقية؛ فهم الملوك والنماذج التي يُحتذى بها، وفي كثيرٍ من الأحيان تحديات يجب التغلب عليها. وفي الملاحم الإغريقية، يكون الآباء هم علامات الغياب والتفكك. فعندما علم أخيل أن صديقه، باتروكلوس، قد مات في “الإلياذة”، بكى وقال إنه تخيَّل دائماً أن يعود أفضل صديق له إلى الديار، ويقدم ابن أخيل، نيوبتوليموس، إلى والد أخيل، بيليوس.

لوحة تظهر بريام يتوسل أخيل لإعادة جسد ولده هيكتور- المتحف البريطاني

ولعل أكثر لحظات هيكتور، أمير طروادة، إنسانية هي عندما يضحك على صرخة ابنه المذهول لرؤية درع والده الملطخة بالدماء؛ حيث يمثل حزن بريام على فقدان هيكتور حزن جميع الآباء المحرومين من الأطفال الذين توفوا قبل الأوان. فعندما سمع بوفاة ابنه، سجد على الأرض، وأهال على رأسه التراب وبكى؛ حيث تنذر عذوبة ضحكة هيكتور بألم والده المرير.

شجرة العائلة

وفي اللغة اليونانية كلمة “نوستوس” أو العودة إلى الديار، تعني أكثر من مجرد العودة إلى مكان؛ إنها استعادة الذات، ونوع من العودة إلى عالم الأحياء، ففي نظر أوديسيوس، وكما استكشفت في كتابي الأخير “الأوديسة وعلم النفس الحديث وعلاج الملحمة”، فإن هذا يعني العودة إلى ما كان عليه قبل الحرب، ومحاولة التوفيق بين هويته كملك، ومحارب مخضرم يعاني، ورجل له زوجة وأب، فضلاً عن ابنه ذاته.

اقرأ أيضاً: الشعر كوسيلة للتواصل وتحسين الحالة النفسية والصحية   

ويحقق أوديسيوس “النوستوس” الخاص به من خلال سرد القصص والاستماع إليها. وكما يشرح علماء النفس المتخصصون في العلاج السردي، فإن هويتنا تتألف من القصص التي نرويها، ونؤمن بها عن أنفسنا. إن القصص التي نرويها عن أنفسنا تحدد كيف نتصرف في العالم. وقد أظهرت الدراسات النفسية كيف أن فقدان الشعور بالقدرة على الفعل، أو الاعتقاد بأننا قادرون على صياغة ما قد يحدث لنا، من شأنه أن يبقينا محاصرين في حلقات من التقاعس عن العمل، ويجعلنا أكثر ميلاً إلى الاكتئاب والإدمان.

لوحة تسجل لحظة تعريف أوديسيوس نفسه لابنه بعد عودته- موسوعة الأدب العالمي

كما أن ألم فقدان أحد أفراد الأسرة يمكن أن يجعل أي شخص يشعر بالعجز. وفي السنوات الأخيرة، قام الباحثون بدراسة كيف أن الحزن العميق أو المعقد -حالة الحداد المستمرة والمتفاقمة- يمكن أن يقلب الحياة ويغير الطريقة التي يرى بها الشخص نفسه في العالم. ومن ثمَّ يتولد المزيد من الألم من الأشخاص الآخرين الذين لا يعرفون قصصنا، ولا يعرفون مَن نحن حقاً.

وقد أظهر علماء النفس أنه عندما لا يعترف الناس بحالاتهم العقلية أو العاطفية، فإنهم يتعرضون إلى “الإعاقة العاطفية” التي يمكن أن تكون لها عواقب عقلية وجسدية سلبية من الاكتئاب إلى الألم المزمن. فأوديسيوس لم يتعرف على المناظر الطبيعية لجزيرته “إيثاكا” عندما وصل لأول مرة، وقد احتاج إلى الخوض في عملية لمّ الشمل والمراقبة أولاً؛ ولكن عندما يخبر أوديسيوس والده بقصص الأشجار التي اعتنيا بها معاً، فإنه يذكرهما بقصتهما المشتركة والعلاقة والمكان الذي يجمعهما معاً.

اقرأ أيضاً: كيف نظر الفلاسفة القدماء إلى معنى الحياة والهدف منها؟

إذن تعلمنا “الأوديسة” أن المنزل ليس مجرد مكان مادي؛ بل هو المكان الذي تعيش فيه الذكريات؛ إنه تذكير بالقصص التي شكلتنا. وتنتهي “الأوديسة” بوقوف لارتيس وأوديسيوس جنباً إلى جنب مع الجيل الثالث، تيليماكوس الصغير. وبطريقة ما، يحصل أوديسيوس على النهاية الخيالية التي لم يكن بوسع أخيل أن يتخيلها لنفسه، وهي أن يقف في منزله بصحبة والده وابنه.

إنها تعلمنا أننا نتشكل من قِبل الأشخاص الذين يعرفوننا والقصص التي نتشاركها معاً. وعندما نفقد أحباءنا، نخشى ألا تكون هنالك قصص جديدة تُروى؛ ولكن بعد ذلك نجد القصص التي يمكن أن نرويها لأطفالنا.

♦أستاذ الأدب الكلاسيكي في جامعة برانديز.

المصدر: ذا كونفرزيشن

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات