الواجهة الرئيسيةشؤون دوليةملفات مميزة

ماذا تعرف عن طائفة “الحشاشين” الإسماعيلية التي استوطنت إيران والشام؟

إليك قصتها الكاملة!

خاص كيو بوست – 

تُروى كثير من القصص عن جماعة الحشاشين الغامضة التي عاشت في إيران في القرن الحادي عشر للميلاد، لكنها تتفق جميعها على أنها جماعة قاتلة ودموية، سعت إلى نشر الدعوة الإسماعيلية الشيعية في إيران والشام، لكنها فشلت، وقضي عليها في غضون قرنين من الزمان. 

وفي منطقة تدور فيها صراعات طائفية دموية عدة منذ سنوات، يمكن اعتبار أن حقبة ما قبل مئات السنين شهدت أحداثًا تكاد تكون مشابهة. فما سر جماعة الحشاشين التي قادها شخص يدعى حسن بن الصباح؟

في ذروة الصراع بين الفاطميين (الشيعة) والعباسيين (السنة) مطلع القرن الحادي عشر، ظهرت جماعة الحشاشين التابعة للمذهب الإسماعيلي الفاطمي، متميزة بطرق قتل كانت توصف بالوحشية والمرعبة. وأخذت تلك الطائفة تشن حروبًا عسكرية ودعوية ضد السنة من العباسيين والسلاجقة والأيوبيين.  

ظهرت الجماعة أواخر القرن الحادي عشر، تحديدًا عام 1094 ميلادي، كنتيجة لانقسام الطائفة الإسماعيلية الفاطمية إلى جماعتين، واحدة تتبع لنزار بن المستنصر، تسمى النزارية، وأخرى تتبع للمستعلي بالله بن المستنصر، تسمى المستعلية. ونزار والمستعلي كانا نجلي قائد الدولة الفاطمية المستنصر بالله.

وكانت طائفة الحشاشين أو الحشاشون تتبع للإسماعيلية النزارية، وكانت معاقلهم الأساسية تقوم في بلاد فارس وفي الشام.

أسّس الطائفة الحسن بن الصباح الذي اتخذ من قلعة” الألموت” في فارس مركزًا لنشر دعوته؛ وترسيخ أركان دولته.

 

إثارة الرعب

اتخذت جماعة الحشاشين من القلاع الحصينة في قمم الجبال معقلًا لنشر الدعوة الإسماعيلية النزارية في إيران والشام، مما أدخلها في عداء شديد مع الخلافة العباسية، والدول والسلطنات الكبرى في المنطقة، كالسلاجقة والخوارزميين والزنكيين والأيوبيين، بالإضافة إلى الصليبيين.

كان حسن بن الصباح قد غادر القاهرة نتيجة خلافات سياسية عام 1081م، متجهًا إلى أصفهان، ليبدأ رحلته في نشر تعاليم العقيدة الإسماعيلية النزارية. وركّز ابن الصباح جهوده في أقصى الشمال الفارسي، بالتحديد على الهضبة المعروفة بإقليم الديلم، واستطاع أن يكسب الكثير من الأنصار في تلك المنطقة.

عمل الصباح في إيران على إيجاد قاعدة لنشر العقيدة الإسماعيلية في كل البلاد، وفضل معقلًا نائيًا ومنيعًا، تجنبًا لاستهدافه من قبل السلاجقة، فوقع اختياره على قلعة ألموت.

كانت قلعة ألموت حصنًا مقامًا فوق طنب ضيق، على قمة صخرة عالية في قلب جبال شمال إيران، ويسيطر على وادٍ مغلق. ولشدة مناعتها كان لا يمكن الوصول إليها إلا عبر طريق ضيق شديد الانحدار.

استطاع حسن الصباح دخول القلعة سرًا في 4 سبتمبر 1090م، بفضل أنصاره المتخفين داخل القلعة، وظل متخفيًا داخلها لفترة وجيزة قبل أن يسيطر على كامل القلعة.

ومن القلعة الحصينة، بدأ حسن الصباح نشر فكرة جماعته في المناطق المجاورة، جنبًا إلى جنب مع شن عمليات قتل في صفوف السلاجقة والعباسيين. كانوا يعتمدون على الاغتيالات التي يقوم بها عناصر يطلقون على أنفسهم “الفدائيين”، وكان هدفهم إلقاء أكبر قدر من الرعب في قلوب الحكام والأمراء المعادين لهم.

ومن الاغتيالات البارزة التي نفذوها تلك التي طالت شخصيات مهمة جدًا في ذلك الوقت؛ مثل الوزير السلجوقي نظام الملك، والخليفة العباسي المسترشد، والراشد، وملك بيت المقدس كونراد.

 

سر التسمية

تمت الإشارة إلى الطائفة النزارية بمصطلح “حشيشية” في الرسالة التي كتبها الخليفة الفاطمي الآمر بأحكام الله سنة 1123م، المرسلة إلى الإسماعيليين في الشام بعنوان “(إيقاع الصواعق الأرغام)”. وكان الهدف من هذه الرسالة نقض مزاعم نزار المصطفى لدين الله بالإمامة، والتأكيد على شرعية خط المستعلي، وقد استُخدم فيها مصطلح الحشيشية، مرتين من دون تقديم سبب واضح.

كما أشير إلى النزاريين مرة أخرى بالحشيشية في أقدم كتاب سلجوقي معروف للأخبار، الذي كتبه سنة 1183م عماد الدين الأصفهاني بعنوان “نصرة النصرة”، من دون تقديم معنى اشتقاقي للكلمة. وقد استخدم الأصفهاني مصطلحات أخرى للقذف مثل الباطنية والملاحدة.

أما المؤرخون الفرس فلم يستخدموا مصطلح الحشيشية أبدًا، وقد استخدموا مصطلح “الملاحدة”، عندما لم تكن الإشارة إليهم كإسماعيليين. 

لكن التسمية في كل الروايات لم تكن مرتبطة مطلقًا باستعمال الحشيش. وأرجعت آراء أخرى الأصل الاشتقاقي للكلمة وأصل التسمية إلى:

أساسان (Assasins): أي القتلة أو الاغتياليون. وهذه لفظة كان يطلقها الفرنسيون الصليبيون على الفدائية الإسماعيلية، الذين كانوا يفتكون بملوكهم وقادة جيوشهم؛ فخافوهم، ولقبوهم بـ«الأساسان».

 

 حسن بن الصباح 

ولد حسن بن الصباح لأسرة شيعية اثني عشرية، واعتنق الإسماعيلية فيما بعد. وانتقل ابن الصباح إلى القاهرة سنة 1078م، لتعلم عقائد مذهبه الجديد بشكل أكبر. 

أخذ الصباح على عاتقه نشر الدعوة الإسماعيلية في إيران، التي كانت تحت الحكم السلجوقي السني، فانشق عن الفاطمية التي كانت في مصر، وترى أنه ما من إمكانية لمحاربة السلاجقة في إيران.

توفي ابن الصباح سنة 1124م في قلعة الألَموت، بعدما كان قد قضى فيها 35 عامًا من حياته، نفذ خلالها اغتيالات كبرى، وجلب مزيدًا من الموالين في القرى المجاورة لقلعته. 

وبالرغم من وفاة ابن الصباح، إلا أن المواجهة ظلت على أشدها بين الإسماعيلية الباطنية (الجماعة النزارية) والسلاجقة. وتمكن الحشاشون من الاستيلاء على قلاع جديدة؛ لكن السلاجقة استطاعوا احتواء خطرهم عام 1107م، عندما استولى السلطان محمد السلجوقي على قلعة شاه دُز بالقرب من أصفهان، وقتل عددًا كبيرًا منهم.

فيما ظل الخطر قائمًا بوجود قلعة الألموت الحصينة.

 

الاندثار

عام 1219م، وقع الاجتياح المغولي الأول للمشرق الإسلامي، وحينها استولى المغول على إيران من جملة ما استولوا عليه.
 
في ذلك الوقت، سعت الإسماعيلية النزارية، التي تنحدر منها جماعة الحشاشين، إلى بناء علاقة مع المغول، بل وسعوا إلى التحالف مع المغوليين، للقضاء على جلال الدين خوارزم شاه سلطان الدولة الخوارزمية، وريثة دولة السلاجقة في إيران.
 
لكن ذلك لم يحدث بسبب مطامع المغول، وتخوف الحشاشين من الخطط التي يكيدها الغزو المغولي، فتحولوا إلى الصليبيين. حينها كان الحشاشون على علاقة جيدة مع الصليبيين، تحديدًا منذ بداية الحروب الصليبية ضد السلاجقة والزنكيين ثم الأيوبيين، لكن المغول كانوا قد أحكموا قبضتهم على إيران، وبدأوا الغزو الثاني، الذي قضى على الخلافة العباسية سنة 1258م.
 
قبل ذلك بسنتين (1256م)، أرسل القائد العسكري المغولي الأشهر هُولاكو، إلى سلطان الإسماعيلية خورشاه، يطلب منه القدوم والخضوع، فأذعن الأخير أمام سطوة المغول.
 
وعلى إثر ذلك، استسلمت قلعة ألموت في العام نفسه، ثم صدرت الأوامر لهولاكو بالتخلص نهائيًا من جميع الحشاشين، وهو ما تم بالفعل عبر عمليات قتل جماعي. وقضي على الإسماعيلية النزارية بعد قرن ونصف من الوجود في إيران.
اليوم يقدر عدد أفراد الطائفة الإسماعيلية بعشرة ملايين شخص، ويطلق عليهم الأغاخانية، ويتوزعون في عدد من دول العالم.
 
 

الحشاشون في الشام

أرسل حسن بن الصباح، عندما كان يحكم قلعة ألموت، مجموعة صغيرة من أتباعه في رحلة طويلة، إلى سورية، بهدف نشر “الدعوة الجديدة” إلى تلك المنطقة.
تمكن الإسماعيليون الجدد عام 1103م من جعل حلب مركزًا لهم في نشر دعوتهم، وذلك بموافقة الحاكم السلجوقي.
كانت لحلب مزايا كثيرة تجذب الحشاشين؛ فالمدينة يسكنها عدد كبير من الشيعة الاثني عشريين، وهي مجاورة لمناطق الشيعة الأخرى في جبل سماق وجبل البهرة.
 
وعلى مدار سنوات، توسع الإسماعيليون في فرض حكمهم عبر اغتيالات كثيرة، طالت أمراء بارزين في الدولة السلجوقية.
 
إلا أن السلطان السلجوقي محمد بن ملكشاه تنبه لخطر الإسماعيليين، وأمر بشن معركة ضدهم. وبالفعل قضي على حكام الطائفة، وتمكن آخرون من الفرار، لتنتهي بهذه النكسة أول مراحل الصراع الإسماعيلي في بلاد الشام.
 
واستمرت مطامع الحشاشين في الحكم في سورية والشام، بين شد وجذب، وتحالف وتباعد، مع الأيوبيين والمماليك. وتذكر الروايات التاريخية أنهم حاولوا اغتيال صلاح الدين الأيوبي مرتين لكنهم فشلوا.
 
وقضى على حكمهم نهائيًا سلطان المماليك الظاهر بيبرس عام 1271م، عندما استولى على قلعتي “العليقة” و”الرصافة”، وبقية القلاع، لتنتهي بذلك دولة الحشاشين في بلاد الشام، بعدما كانت قد انتهت في إيران. 
 

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة