الواجهة الرئيسيةشؤون دوليةشؤون عربية

ماذا تخفي زيارة وزير الدفاع الأمريكي للجزائر؟

زيارة نادرة لمسؤول أمريكي على هذا المستوى إلى الجزائر ومحاولة أمريكية لصد النفوذ الروسي- الصيني في شمال إفريقيا تتصدر المباحثات

الجزائر- علي ياحي

لا تزال زيارة وزير الدفاع الأمريكي مارك إسبر، إلى الجزائر تصنع الحدث، على عكس وجوده في تونس والمغرب؛ وذلك لعدة اعتبارات، أهمها تصريحاته وكذا نشاطاته؛ مما جعل الغموض والضبابية يطغيان على الساعات الخمس التي مكثها بالجزائر.

وبينما وقَّع المسؤول الأول في “البنتاغون” على اتفاقيتَي تعاون عسكريتَين مع تونس والمغرب تمتد إلى 10 سنوات، غلبت الرسائل المشفرة على لقاءاته مع مختلف المسؤولين الجزائريين؛ حيث قال مارك إسبر، خلال وجوده في تونس: إن إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، ترغب في صد النفوذ الروسي والصيني في شمال إفريقيا. واتهم بكين وموسكو بـ”الانخراط في السلوك المفترس الذي يهدف إلى تقويض المؤسسات الإفريقية، وسيادة الدول، وإيجاد حالة من عدم الاستقرار، واستغلال الموارد في جميع أنحاء المنطقة”.

وزير الدفاع الأمريكي خلال زيارته النصب التذكاري “مقام الشهيد” بالجزائر العاصمة

وبالنظر إلى العلاقة المحدودة لكل من الرباط وتونس بدولتَي روسيا والصين، مقارنةً بالولايات المتحدة الأمريكية، فإن حديث وزير الدفاع إسبر، موجه إلى الجزائر، وعليه فإن الزيارة الأمريكية للمغرب العربي تستهدف الجزائر التي تتمتع بعلاقات قوية جداً مع موسكو وبكين؛ خصوصاً أنها (الزيارة) جاءت في ظروفٍ غير عادية تعيشها الجزائر وتشهدها المنطقة مع أزمة ليبيا، وانقلاب مالي، وتوتر الساحل جنوباً والمتوسط شمالاً.

اقرأ أيضاً: مستقبل مرتزقة تركيا بعد هدوء الأوضاع في ليبيا يقلق الجزائر

عودة أمريكية

ويعتبر أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية بجامعة تمنراست- جنوب الجزائر؛ عبدالوهاب حفيان، في حديث إلى “كيوبوست”، أن زيارة وزير الدفاع الأمريكي جاءت لتؤكد أواصر الشراكة الرسمية بين الولايات المتحدة والجزائر؛ وهو ما صرح به إسبر بأن الجزائر تعمل مع كل الأطراف التي من شأنها أن تكون شريكاً براغماتياً في المنطقة، خصوصاً في ما يتعلق تحديداً بالملفَّين الليبي والمالي. كما تؤشر الزيارة للعودة الأمريكية إلى الساحة الإفريقية في مواجهة الصين وروسيا، مثلما أشار إليه المسؤول الأول في “البنتاغون”.

د. عبدالوهاب حفيان

وتابع حفيان بأن المراقبين يتساءلون: هل يُراد من الزيارة أن تمارس الجزائر بعض الأدوار بالنيابة؛ خصوصاً بعد الانتخابات على مسودة الدستور نوفمبر المقبل؟ أم أن تكون شريكاً بالخبرة في محاربة الإرهاب في المنطقة، في ظل التدفق الهائل للجماعات الإرهابية والمافياوية وشبكات الجريمة المنظمة؟ مبرزاً أن القراءات تشير إلى أن الوزير الأمريكي جاء بشكل أساسي بهدف بناء حلف وشراكة أساسية؛ لمجابهة التمدد الصيني والروسي في إفريقيا، بالإضافة إلى بناء رؤية مشتركة حول طبيعة عوامل اللا أمن في المنطقة بقصد إيجاد حلول لها؛ لأن العالم لم يعد يقبل مزيداً من الدول الفاشلة والمصدرة للفشل.

اقرأ أيضاً: “حراك” طرابلس و”انقسام” الوفاق يربكان الجزائر

وترى واشنطن، التي تنشر أعداداً قليلة من قواتها في منطقة الساحل مقارنة مع فرنسا، أن العواقب السلبية للنزعة الأحادية الفرنسية في منطقة الساحل أصبحت واضحة في الأشهر الأخيرة، وَفق ما ذكر مصدر جزائري، رفض الكشف عن هويته، في تصريحٍ أدلى به إلى “كيوبوست”، مضيفاً أن وزير الدفاع الأمريكي طلب من الجزائر مزيداً من التحرك العملياتي؛ لإنقاذ الوضع الأمني الكارثي في الساحل، مقابل الدعم اللوجيستي واتفاقيات عسكرية؛ إذ يرى “البنتاغون” أن توسع العنف السياسي في منطقة الساحل، على الرغم من زيادة الوجود العسكري الفرنسي من 4500 إلى 5100 جندي في فبراير الماضي، يؤكد عجز فرنسا عن حل أزمة الساحل الأمنية بمفردها، ويزيد من خطر التمدد العسكري الفرنسي المفرط في غرب إفريقيا، مشيراً إلى أن الوزير الأمريكي بحث مع المسؤولين الجزائريين ما بعد الاستفتاء على الدستور؛ خصوصاً في ما يتعلق بالسماح للجيش الجزائري بالتحرك خارج الحدود، حيث تفضل واشنطن “تدخل الجزائر بمنطقة الساحل؛ بهدف تقليل نفوذ فرنسا وتسهيل مهمة الوقوف في وجه موسكو وبكين”.

الرئيس الفرنسي ماكرون في زيارة إلى قوات بلاده بشمال مالي

واكتنف الزيارة غموض من الجانبَين، بعد أن قال البيان الجزائري إن المحادثات استعرضت العلاقات الثنائية وآفاق تعزيزها في مجالات عديدة، كما بحث الطرفان تطورات الوضع في ليبيا والساحل الإفريقي، واتفقا على ضرورة متابعة التشاور والتنسيق من أجل توطيد أركان الأمن والسلم في المنطقة، في إطار احترام وحدة وسيادة دولها، بينما ذكر الطرف الأمريكي أن الأزمة الليبية والوضع في الجارة الجنوبية مالي ومنطقة الساحل، كانا في قلب المحادثات التي أجراها مع الرئيس تبون، وأشار إلى أن الجزائر والولايات المتحدة الأمريكية تتطلعان إلى تعزيز التعاون العسكري ومكافحة الإرهاب.

اقرأ أيضاً: مالي بين انقلاب العسكر وحراك “5 يونيو”.. لصالح من تميل الكفة؟

زيارة نادرة

ورغم أن الزيارة لم تستمر إلا 5 ساعات؛ فإن ارتداداتها متواصلة، خصوصاً أنها جاءت بعد 15 سنة على آخر زيارة قام بها وزير الدفاع الأمريكي الأسبق دونالد رامسفيلد، إلى البلاد، وفي ظروفٍ غير مستقرة تعيشها المنطقة؛ حيث ربطت جهات وجود مارك إسبر بالجزائر، بعرض قدمه البيت الأبيض لنقل القاعدة العسكرية الأمريكية “أفريكوم” من ألمانيا إلى الحدود الشمالية المشتركة بين مالي والنيجر، مقابل دور فعال للجزائر في المنطقة ومساعدات عسكرية واقتصادية.

أسامة لبيد

وفي السياق ذاته، يرى الباحث في علم الاجتماع السياسي أسامة لبيد، في تصريحٍ أدلى به إلى “كيوبوست”، أن زيارة وزير الدفاع الأمريكي إلى الجزائر بعد 15 سنة، وقد سبقها قدوم قائد القيادة العسكرية الأمريكية في إفريقيا، الجنرال ستيفن تاونسند، توحي بأن موضوع نقل القاعدة “أفريكوم” من شتوتغارت الألمانية، إلى منطقة الساحل، كان على طاولة مباحثات مارك إسبر مع المسؤولين الجزائريين، معتبراً أن الاهتمام العسكري الأمريكي بالجزائر في هذا التوقيت يعكس قوة القيادة الجزائرية الحالية ووزنها في إفريقيا، وهو اعتراف بدورها في ليبيا ومالي، قائلاً إن الجزائر الجديدة تعيش تحولاً كبيراً في سياستها الخارجية؛ خصوصاً تجاه القارة الإفريقية.

ويرى لبيد أن الجزائر بحاجة إلى تمدين شريطها الحدودي الجنوبي، عبر استحداث عاصمة ومدن كبيرة تسمح بتقوية الروابط والأواصر بين سكان حدود دول الساحل المشتركة مع الجزائر؛ لأن الأمن لن يتحقق بـ”عسكرة” المنطقة فقط، بل يحتاج إلى نشاط وحركة مدنية تطوِّر المنطقة وتضيق الخناق على الجماعات الإرهابية وشبكات الجريمة المنظمة.

اتبعنا على تويتر من هنا

 

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة