الواجهة الرئيسيةترجماتشؤون دولية

ماذا تخطط روسيا لمستقبل بيلاروسيا؟

كيوبوست- ترجمات

مايكل كاربنتر، فلاد كوبيتس

تركتِ الاحتجاجات الشعبية ضد النظام الاستبدادي لألكساندر لوكاشينكو في بيلاروسيا، تساؤلات كبيرة لدى القادة الغربيين حول كيفية استجابة روسيا للأمر. فالتدخل بالقوة لم يكن أمراً بعيداً عن شخصية الرئيس بوتين، الذي صرَّح بأن لوكاشينكو طلب منه إبقاء شرطة مكافحة الشغب على أهبة الاستعداد في حال “خرجت الأمور عن السيطرة”.

ولكن من المؤكد أن إجراء كهذا لن يكون المفضل لدى بوتين. صحيح أن الكرملين قام بغزو واحتلال أراضٍ في جورجيا وأوكرانيا لمنع هذه الدول من التوجه نحو الغرب؛ ولكن ذلك أدى إلى نشوء ثقافة المقاومة للاحتلال الروسي وزيادة الدعم الشعبي للتقارب الأوروبي- الأطلسي، خصوصاً بين جيل الشباب الجورجيين والأوكرانيين. وقد تعلمت موسكو متأخرة أنه لا يمكن لأي قدر من الدعاية المضللة أن يعكس هذه التوجهات.

ولذلك، فإن لدى الرئيس بوتين خطة مختلفة لبيلاروسيا؛ فبدلاً من التدخل العسكري تهدف موسكو إلى شيء آخر نسميه “الضم الناعم”، وهو السيطرة التدريجية بدءاً بالتكامل الاقتصادي والعملة الموحدة، إلى الدمج السياسي من خلال سياسة خارجية ودفاعية مشتركة، ووصولاً إلى دولة اتحادية كاملة؛ ما يعني ضم بيلاروسيا فعلياً إلى روسيا.

وقد حاول بوتين على مدى السنوات القليلة الماضية الضغط على لوكاشينكو للقبول بهذه الخطة من خلال بعدها الاقتصادي.

اقرأ أيضًا: ماذا لو عادت دول الاتحاد السوفيتي إلى الوحدة مجددًا؟

والآن، وفي ظل الأزمة السياسية الحالية تقوم موسكو بإرسال العشرات من “التقنيين السياسيين” إلى بيلاروسيا، بالإضافة إلى عملاء الاستخبارات السريين، وخبراء الإنترنت والاستشاريين الإعلاميين، وخبراء الدعاية الموجهة والمستشارين الأمنيين، ويشكل هؤلاء جيشاً يرتدي البدلات الرسمية بدلاً من اللباس العسكري الأخضر، ومهمتهم هي الحرب السياسية، وتحضير الأرضية للضم الناعم.

وتحتاج موسكو إلى بقاء لوكاشينكو في السلطة لتحقيق هذا الهدف، على الأقل في الوقت الراهن. ويقدم المستشارون الذين أرسلهم جهاز الاستخبارات الفيدرالي الروسي النصائح إلى الرئيس الروسي بضرورة قمع الاحتجاجات وزرع الشقاق بين صفوف المحتجين على أسسٍ عرقية وطبقية وطائفية، والعمل على إقناع الشعب البيلاروسي بأن ثورته ليست إلا مؤامرة أجنبية يقودها عملاء لجهات خارجية؛ ولكن ذلك لم ينطلِ على البيلاروسيين، الذين استفزهم لوكاشينكو عندما وصف المتظاهرين بالجرذان. وقد أظهر استطلاع للرأي، أجرته سراً منظمة غير حكومية في بيلاروسيا، أنه لا يتمتع بدعم أكثر من 10% من شعبه، وعلى ما يبدو فإن الكرملين يدرك هذه الحقيقة، ويسعى لبسط سيطرته على المؤسسات الأمنية والعسكرية البيلاروسية.

وفي أواخر أغسطس، وبعد لقاء لوكاشينكو أحد كبار المسؤولين الروس بوقتٍ قصير، صرَّح بوتين لوسائل الإعلام بأن لوكاشينكو “مستعد للنظر في إمكانية إجراء إصلاحات دستورية وتبني دستور جديد، وتنظيم انتخابات رئاسية وبرلمانية على أساس هذا الدستور الجديد”. ولاحقاً صرَّح لوكاشينكو لوكالة أنباء مملوكة للدولة بأنه مستعد للدخول في حوار مع الطلاب والنقابات العمالية؛ ولكن ليس مع قادة الاحتجاجات الذين وصفهم بالبلطجية والمشاغبين.

السلطات تعتقل الآلاف من المتظاهرين في بيلاروسيا- “سي إن إن”

وجاءت الرسالة واضحة من كل من موسكو ومينسك. التغييرات الدستورية والانتخابات قادمة؛ ولكن بشروط موسكو. فالتغييرات الدستورية الجديدة سوف تمهد الطريق لاندماج اقتصادي أكبر مع روسيا؛ ولكنها ستترافق مع تخفيف قبضة لوكاشينكو الديكتاتورية. فإعطاء دور أكبر للبرلمان سيعطي شيئاً من السلطة للشعب؛ ولكنه في الواقع سيمكن الأحزاب السياسية التي تدعمها موسكو من ممارسة نفوذ أكبر.

اقرأ أيضًا: روسيا في عهد بوتين.. العودة إلى القيصرية

وستكون مثل هذه الأحزاب أداة حيوية بالنسبة إلى موسكو في حال كان زعيم بيلاروسيا القادم أكثر استقلالية من لوكاشينكو. وبالمثل، فإن إطلاق الوعود بإجراء انتخابات جديدة قد يبدو تنازلاً للحركات الاحتجاجية؛ ولكنه يوفر لموسكو الفرصة والوقت لاختبار المرشحين الموالين للكرملين تمهيداً لتبني أفضلهم.

ولتحقيق ذلك ينبغي لكل من بوتين ولوكاشينكو نزع فتيل الأزمة الحالية، ومن المتوقع أن يشدد لوكاشينكو إجراءاته القمعية ضد قيادات الحركة الشعبية بمساعدة من المخابرات الروسية. وفي الوقتِ نفسه، يتوقع أن يبدأ بحوار مع شخصيات بيلاروسية بارزة ممن يمكن الاعتماد عليهم في تعزيز العلاقات القوية مع الكرملين، مع استبعاد قيادات الحركة الاحتجاجية من هذا الحوار.

ليخ فاونسا مؤسس حركة “تضامن” البولندية سنة 1980- “سيي إن إن”

ولا ينبغي لزعماء الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الوقوع في فخ إضفاء الشرعية لحوارٍ مثل هذا، كما لا ينبغي لهم التحدث مع الكرملين حول بيلاروسيا متجاوزين قادة الاحتجاجات في البلاد. فلا حوار حول بيلاروسيا من دون وجود ممثلين حقيقيين للشعب البيلاروسي.

في الواقع ينبغي للديمقراطيات الغربية أن تقدم دعماً كبيراً للصحوة المدنية الوطنية في بيلاروسيا التي خلقت وعياً شعبياً يشبه كثيراً حركة التضامن البولندية التي تأسست قبل 40 عاماً، والتي وحَّدت مختلف شرائح المجتمع.

زعيمة المعارضة البيلاروسية تدعو إلى إطلاق سراح المعتقلين السياسيين- “رويترز”

ويجب على القادة الغربيين دعم وتمكين هذه الحركة من خلال تبنِّي قادتها ومطالبهم بانتخاباتٍ جديدة بعد انتقال سلمي للسلطة، وإنهاء القمع، ورفع القيود عن وسائل الإعلام، وإطلاق سراح السجناء السياسيين. يجب أن يفهم المواطنون البيلاروسيون أنهم هم مَن يشكلون مستقبلهم، وأن الغرب يدعم حقهم السيادي في تقرير مصيرهم.

طبعاً، لا يمكن، ولا ينبغي، لدول الغرب أن تتدخل مباشرة في بيلاروسيا، ولكنها تملك وسائل أخرى كالعقوبات على أزلام لوكاشينكو، وإعداد خطة إعادة بناء اقتصادي للبلاد في حال نجاح التحول الديمقراطي فيها.

إن تغاضي الديمقراطيات الغربية عن مخططات موسكو تجاه بيلاروسيا يمثل خيانة وحشية لآمال البلاروسيين؛ حيث سيُستبدل بالنظام الديكتاتوري الحالي نظام مماثل بدعم من الكرملين، ويجب على القادة الغربيين تقديم الدعم الكامل للحركة الديمقراطية البيلاروسية، ولزعيمتها سفيتلانا تسيخانوفسكايا، وتقديم الحوافز للنشطاء على الأرض في انتظار ما ستسفر عنه الأيام القادمة. وقرار مثل هذا لن يكون صعباً على الإطلاق.

المصدر: فورين أفيرز

اتبعنا على تويتر من هنا

 

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة