الواجهة الرئيسيةمقالات

ماذا بعد مقتل قاسم سليماني؟

يمكن القول إن غياب شخصية من عيار سليماني عن موقعه كرأس حربة إقليمي للمشروع الإيراني قد يعطل الفاعلية الإيرانية إلى حين.. ولكن غيابه لن يجهض المطامع الإيرانية إلى الأبد ما لم يحدث تغيُّر جذري على قواعد التعامل مع إيران ووكلائها أينما وجدوا

كيوبوست

كامل الخطي

قيمة سليماني للمشروع الإيراني

يقول مارك دوبويتزMark Dubowitz  (الرئيس التنفيذي لمؤسسة الدفاع عن الديمقراطية) والذي يُعْرَف عنه موقفه الصقوري تجاه إيران؛ حيث كان له الموقف النقدي الأعمق جذرية تجاه الاتفاق النووي حين إعلانه، بأن قاسم سليماني مساوٍ في أهميته للمشروع الإيراني التوسعي؛ لقائد القيادة المشتركة للعمليات الخاصة الأمريكية، ولمدير وكالة الاستخبارات المركزية، وهو الوزير الفعلي لخارجية إيران. كما وصف أندرو إكسومAndrew Exum  (نائب مساعد وزير الدفاع في إدارة الرئيس أوباما) قاسم سليماني بأنه الجنرال دافيد بترايوس والجنرال ستانلي ماك كريستال والسفير بريت مكجورك، مجتمعين في واحد. تحدث وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف، عن سليماني عقب مقتله، فوصفه بكونه قائدًا إيرانيًّا عالي القيمة.

على الجانب الآخر، يرى عشرات من المتابعين والمحللين أن قاسم سليماني ضابط رفيع الرتبة في المنظومة الاستخباراتية العسكرية الإيرانية، ومن المحتم أن بديله سيملأ الفراغ الذي تسبب فيه مقتله.

اقرأ أيضًا: قراءة في أهم ردود الفعل الروسية حول مقتل قاسم سليماني والضربات الأمريكية في العراق

التقديران صحيحان إلى درجة كبيرة؛ فخلال المدة الطويلة التي قضاها قاسم سليماني في صفوف الحرس الثوري الإيراني، وتحديدًا في “فيلق القدس” المكلف بالعمليات السرية الخارجية الهادفة إلى تثبيت المشروع التوسعي الإيراني في المنطقة، والمكلف أيضًا بتأسيس وتدريب وتسليح وتمويل وحدات قتالية غير حكومية تتولَّى الدفاع عن المشروع الإيراني، وعن الأنظمة الحليفة لإيران، عُرِف عن سليماني تفانيه الفريد في خدمة المشروع وإيمانه المطلق بشرعيته؛ إذ إنه قد رد على خبر ترشيحه لخوض السباق الرئاسي عام ٢٠١٣ برفض الترشُّح، وتكرر منه ذات الموقف عام ٢٠١٧، وفي عام ٢٠١٦ أدلى بتصريح إلى وسائل الإعلام حول تكرار الحديث عن الدفع به للترشح للرئاسة، قائلًا: “إنها مجرد تقارير صادرة عن جهات عدوة تسعى لزرع بذور الشقاق، فأنا سأبقى جنديًّا بسيطًا في خدمة إيران والثورة الإسلامية”.

قاسم سليماني في صورة يعود تاريخها لعام 2016

تحظى شخصية قاسم سليماني بتقدير شعبي كبير داخل إيران، وقد يكون هذا التقدير ازداد حجمًا بعد مقتله؛ فمن خلال استطلاع للرأي أجرته كلية السياسة العامة في جامعة ماريلاند الأمريكية في شهر أكتوبر عام ٢٠١٩، تبين أن ٨٢٪ من الإيرانيين المستطلعة آراؤهم ينظرون إلى قاسم سليماني نظرة إعجاب وتقدير، وأن ٥٩٪ من هؤلاء معجبون به جدًّا، وبعد مقتله حظي بجنازة هي الوحيدة في التاريخ الإيراني الحديث التي طافت عددًا من المدن الإيرانية، وهي الثانية من حيث حجم الحشود التي سارت في تشييعها بعد جنازة الخميني، وإن الحشود التي حضرت تشييع الجنازة في طهران قدر عددها بالملايين، وخلال تشييعه في مسقط رأسه في كرمان بلغ المشيعون مئات الآلاف، وأدَّت شدة الازدحام إلى تدافع راح ضحيته ٥٦ قتيلًا و٢١٢ جريحًا.

كل الذي ذُكر في المقدمة إنما يؤكد أن قاسم سليماني هدف عالي القيمة “جدًّا”، وأن مقتله قد يتسبب في إحداث بعض التغييرات التي قد نشهد بداياتها بعد انخفاض علو موجة العاطفة.

اقرأ أيضًا: تحديات “الانتقام الساحق” لخليفة سليماني

المتزمت البراغماتي Pragmatic Zealot

“المتزمت البراغماتي”، هو أدق ما يمكن أن يوصف به شخص مثل قاسم سليماني؛ فهذه النوعية من البشر تصافح الشيطان ثم تخرج المصافحة تخريجًا شرعيًّا. شاهدي على ما أقول هو أنه في عام ٢٠٠١ وتحديدًا في أعقاب هجمات ١١ سبتمبر الإرهابية، قام قاسم سليماني بإدارة فريق دبلوماسي إيراني عن بُعد، طار هذا الفريق الذي كان يُشرف عليه سليماني إلى جنيف، واجتمع الفريق مع السفير ريان كروكر، الذي شغل منصب سفير أمريكا في عدد من دول المنطقة من عام ١٩٩٠ حتى عام ٢٠١٢؛ فقد عمل ريان كروكر سفيرًا لبلاده في لبنان والكويت وسوريا وباكستان والعراق وأفغانستان، وأوفدته إدارة الرئيس جورج دبليو بوش إلى جنيف؛ لكي يلتقي الفريق الدبلوماسي الإيراني الذي كان يديره سليماني عن بُعد، وكان الحديث بين الوفدَين قد دار على محور وضع خطة مشتركة أمريكية- إيرانية الهدف منها تدمير “طالبان”.

استنادًا إلى تقرير مسرب، نشرت مجلة “الإيكونوميست” عام ٢٠٠٩، مادة خبرية تقول إن السفير الأمريكي السابق في العراق كريستوفر هيل، يرافقه الجنرال رايموند أوديرنو الرئيس السابق لهيئة الأركان المشتركة للجيش الأمريكي، قد التقيا قاسم سليماني في مكتب الرئيس العراقي الأسبق الراحل جلال طالباني. أنكر المسؤولان الأمريكيان حدوث اللقاء، فقامت المجلة بسحب المادة من التداول، وقد ذكرت هذه القصة رغم قيام المجلة بسحبها من التداول، باعتبار أن مجلة “الإيكونوميست” واحدة من أكثر المنصات الإعلامية رصانةً وتحريًا للدقة وفحصًا لجودة المصادر على مستوى العالم، وقد يكون سحبها المادة من التداول قائمًا على تقديرات لم تظهر للعيان بعد.

الرئيسان الأمريكي دونالد ترامب والإيراني حسن روحاني

هل المراد بقتل سليماني التخلص من شخصه؟

على المستوى الشخصي، لا أعتقد أن الهدف الرئيس الذي أريد له التحقق بمقتل سليماني هو التخلص من شخصه فقط؛ فالإدارة الأمريكية تعلم علم اليقين أن النظام في إيران قد بنى مؤسساته التى تكفل إنتاج البدائل وقت الحاجة، كما بنى النظام شبكات من المصالح الداخلية المعقدة؛ مهمتها ربط كتل بشرية مؤثرة بمختلف مؤسسات النظام الرسمية، وجعل من انسياب مصالح تلك الكتل رهنًا ببقاء النظام وسلامته، وعلى ذلك يمكن القول إن غياب شخصية من عيار سليماني عن موقعه كرأس حربة إقليمي للمشروع الإيراني، قد يعطل الفاعلية الإيرانية إلى حين؛ ولكن غيابه لن يجهض المطامع الإيرانية إلى الأبد ما لم يحدث تغيُّر جذري على قواعد التعامل مع إيران ووكلائها أينما وجدوا.

لماذا هذه الضربة النوعية؟

لطالما أتقنت إيران سياسة حافة الهاوية، وسبق لهذه السياسة أن أصابت لإيران أهدافها مع الإدارات الأمريكية السابقة؛ بدايةً مع إدارة الرئيس جيمي كارتر. استمرت إيران في اتباع نفس النهج حتى مع إدارة الرئيس دونالد ترامب مع جرعة تمادي زائدة، وقد أغرى إيران بالتمادي تصريحات الرئيس ترامب حول انخفاض أهمية المنطقة في ما يخص الاستيراد الأمريكي من النفط والغاز، وتكرار حديث الرئيس ترامب حول الدول المستفيدة من سلامة الممرات المائية التي تحميها الولايات المتحدة وتتحمل تبعات الحماية كافة. هذه النبرة التي كانت تشي بنية الولايات المتحدة تجاه التخلِّي عن دورها الإمبراطوري في تأمين سلامة أغنى مناطق الكوكب احتواءً لعصب الحضارة الإنسانية القائمة حاليًّا، جعلت إيران أكثر جرأة في مطالبتها بدور محوري في النظام الإقليمي على أن تفرض هي على باقي دول الإقليم التعايش مع رؤاها وتقديرها لمصالحها، وفِي هذا المعنى كَتَبَ باحث إيراني- أمريكي اسمه سينا طوسي، مقالًا بعنوان “إيران تفوز بمعركة مستقبل الشرق الأوسط”، نشره يوم ٢٤ أكتوبر ٢٠١٩ في مجلة “فورين بوليسي”. قال كاتب المقال ضمن ما قاله:

اقرأ أيضًا: كيف تعاون “الموساد” و”CIA” لاغتيال سليماني؟

“إن مزيج صواريخ كروز والطائرات دون طيار التي أصابت بدقة قلب صناعة النفط في المملكة العربية السعودية يوم ١٤ سبتمبر ٢٠١٩، لهي ضربة في صميم النظام العالمي السائد. لقد أكدت تلك الهجمات أننا نعيش في عالم يمر بتغيير كبير؛ حيث تسعى الصين وروسيا والقوى الإقليمية مثل إيران، لاستبدال الهيمنة العسكرية الأمريكية”.

تبلغ نبرة الانتشاء بالكاتب إلى مستوى متقدم، فيسدي النصح إلى الولايات المتحدة بالنأي بنفسها عن صراعات الإقليم والدفع بالقوى المحلية باتجاه التعاون. يمضي الكاتب في نسجه على هذا المنوال؛ حيث قال إن إيران أتمت السيطرة على العراق، وانتصرت في الحرب الأهلية في سوريا، وإن أمريكا فاقدة القدرة على مواجهة عسكرية طويلة، وإن سياسة الضغط الأقصى قد فشلت في تركيع إيران.

إسماعيل قآني خليفة سليماني- “رويترز”

هذا الكاتب الإيراني- الأمريكي لا ينتمي إلى طبقة رجال الدين الحاكمة في إيران؛ لكنه خير ممثل لآراء القوميين الإيرانيين الذين لا تقف عداوتهم الفكرية لطبقة رجال الدين الحاكمة عائقًا أمام سعيهم في الدفاع عن المشروع التوسعي الإيراني، فهو مشروع قومي في المقام الأول.

في سياق الإجابة عن سؤال: لماذا هذه الضربة النوعية؟ لابد من استعادة إجابة ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، على السيدة نورا أودونيل، التى حاورته لصالح برنامج “٦٠ دقيقة”، الذي يُبث على قناة “سي بي إس” الأمريكية، حيث قال: “ردع سلوك إيران العدواني مسؤولية العالم؛ لأن استهداف إيران لمنشآت صناعة النفط السعودية استهداف للاقتصاد العالمي، وعلى الولايات المتحدة عقد اتفاق جديد مع إيران يجنب المنطقة احتمالية حدوث مواجهات عسكرية مفتوحة؛ فالمواجهة العسكرية بين إيران والسعودية ستصيب الاقتصاد العالمي في مقتل، وسيشهد العالم ارتفاعًا في أسعار النفط أعظم مما يمكن تصوره”.

اقرأ أيضًا: تساؤلات حول تورط قطر في اغتيال قاسم سليماني

لم تقف إيران عند هذا الحد؛ بل دفعت الأمور إلى أبعد من منتهاها بخطوات كانت كالحصوة التي أسقطت في كأس ملآنة، وذلك بتحرشات الميليشيات التابعة لها ببعض مواقع الوجود الأمريكي في العراق، وبهذا لم تترك إيران سوى خيار استخدام القوة الصلبة لردعها ومنع تكرارها التمادي؛ ففي هذه الضربة رسالة مفادها أن خيار استخدام القوة المحضة بغرض الردع، لا يزال خيارًا ساري المفعول، ويصبح قيد التنفيذ كلما دعت الحاجة إليه.

اقرأ أيضًا: اغتيال قاسم سليماني يمثل تحولًا دراماتيكيًّا في السياسة الأمريكية تجاه إيران

الكرة الآن في ملعب صانعي السياسة الإيرانية؛ فالنظام الإقليمي قائم ومكتمل النمو، ولن يُعاد تشكيله وَفقًا للرؤى الإيرانية أو وَفقًا لتقدير المصلحة الإيرانية، وإذا رغب الإيرانيون في علاقة مع دول المنطقة تتسم بحُسن الجوار والتعايش السلمي، ما عليهم سوى تعديل رؤاهم وتعديل تقديرهم لمصالحهم بما لا يشكل تهديدًا لمصالح وأمن واستقرار دول المنطقة، وبهذا فقط سيمكن استيعابهم في النظام الإقليمي. تتطلب حزمة التعديلات اتفاقًا جديدًا يحل محل عام ٢٠١٥ النووي؛ بحيث لا يمنح الاتفاق الجديد إيران القدرة على صناعة السلاح النووي مطلقًا، وأن تكف اليد الإيرانية عن حروب الوكالة، وعلى إيران التوقف عن تزويد الميليشيات بالصواريخ الباليستية على امتداد الإقليم.

كاتب وباحث مختص في رصد ودراسة الحركات والتيارات اليسارية والقومية في الجزيرة العربية، وتيارات وحركات وأحزاب الإسلام السياسي الشيعي. معلق سياسي، ومستشار في “عين أوروبية على التطرف”، وزميل مشارك بمركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامي.

اتبعنا على تويتر من هنا

 

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة