الواجهة الرئيسيةشؤون دوليةمقالات

ماتت الملكة.. عاش الملك!

كيوبوست

د. دينيس ساموت♦

لقد كان هناك تقليد مهم للملكية الوراثية، وهو أن منصب الملك أو الملكة لا يظل شاغراً أبداً؛ ففي اللحظة التي يموت فيها أحدهم يتولى خليفته زمام الأمور على الفور. وفي الأصل كان ذلك يهدف إلى ضمان عدم حدوث مكائد سياسية أثناء انتقال الخلافة، وفي وقت لاحق أصبح يرمز إلى الاستمرارية.

اقرأ أيضًا: الملكة إليزابيث الثانية.. محطات في عهدها

لذلك، عندما توفيت الملكة إليزابيث الثانية، ملكة بريطانيا، بعد ظهر الخميس (8 سبتمبر) عن عمر ناهز 96 عاماً، أصبح ابنها ووريثها الأمير تشارلز، ملكاً على الفور؛ إلا أن مهمة ملء مكانة الملكة إليزابيث الثانية بعيدة كل البعد عن كونها مجرد اجتماع دستوري.

فعلى الرغم من حقيقة أنها لم تكن تتمتع بأية سلطة سياسية؛ فإن تفانيها في عملها، والوقار الذي كانت دوماً تؤدي به مهمتها، والاهتمام الحقيقي بشعبها، جعلت الملكة إليزابيث محبوبة ليس فقط من الشعب البريطاني؛ ولكن من العالم أجمع. وقد منحها ذلك سلطة أخلاقية سيكون من الصعب للغاية مضاهاتها.

الملكة في ملابس التتويج مع جواهر التاج حيث تولت العرش في يونيو 1952- أرشيفية

وقد حلت إليزابيث الثانية محل والدها كملكة عند وفاته في 6 فبراير 1952. وكان العالم مكاناً مختلفاً تماماً آنذاك. فقد كان ستالين لا يزال على رأس الاتحاد السوفييتي، والحرب الباردة مستعرة، وكان الخليج لا يزال تابعاً لبريطانيا، كما كان المجتمع البريطاني لا يزال يهيمن عليه التمييز الطبقي الذي لم يتأثر إلا بشكل ضئيل بفعل الحرب العالمية الثانية.

اقرأ أيضاً: غياب الملكة إليزابيث عن افتتاح البرلمان

وتولت إليزابيث الثانية التاج بينما كان العالم لا يزال ينهض من رماد الدمار الذي خلفته الحرب العالمية الثانية. وفي بريطانيا، كان يُنظر إلى ظهور الملكة الشابة باعتباره نذير خير، وبداية “عصر إليزابيثي” جديد. وكان قلة يظنون أن هذا العصر سيمتد إلى سبعين عاماً.

حيث يمكن وصف عهد إليزابيث الثانية بأنه كان صاخباً، مع إنجازات عظيمة وخيبات أمل كبيرة؛ ليس فقط للشعب البريطاني، ولكن للبشرية بأسرها. ففي كل لحظة من التاريخ، كانت الملكة إليزابيث مكوناً أساسياً؛ حيث قامت بتعيين خمسة عشر رئيس وزراء بريطاني، واجتمعت بأهم قادة العالم من وقت لآخر؛ فقد كانت إليزابيث الثانية ملكة عالمية.

الملكة إليزابيث مع المستشار الألماني هيلموت كول والرئيس الأمريكي رونالد ريغان ورئيسة الوزراء البريطانية مارغريت تاتشر في قصر باكنغهام.. 1984

وحقيقة أنها كانت حتى النهاية رئيسة الدولة ليس فقط في المملكة المتحدة؛ ولكن أيضاً في 14 دولة أخرى في جميع أنحاء العالم، بما في ذلك كندا وأستراليا ونيوزيلندا والعديد من دول جزر الكاريبي.

اقرأ أيضاً: بريطانيا العالمية في عصر تنافسي

فضلاً عن دورها كرئيسة للكومنولث، وهو تجمع يضم 56 دولة في جميع أنحاء العالم، أعطاها رؤية عالمية فريدة من نوعها. وخلال فترة حكمها أصبحت الملكية البريطانية شعاراً أكثر تميزاً من الدولة البريطانية نفسها.

إحساس مذهل بالواجب

إن السمة التي يتم ذكرها دائماً عند النظر إلى عهد إليزابيث الثانية هي إحساسها الهائل بالواجب؛ مما جعلها تأخذ دورها على محمل الجد. وكان السياسيون والمسؤولون الذين اضطروا إلى التعامل معها دائماً ما يشعرون بالرهبة بشكل ما لأنها كانت تبدو دوماً مستعدة جيداً.

أثناء وجودها في الهند التقت الملكة الأمَّ تيريزا وقدمت لها وسام الاستحقاق الذي يكرم القادة البارزين في الثقافة.. 1983

وكانت جميع أفعالها وأقوالها دائماً تنفذ وتُحسب بشكل مثالي. وقد يزعم البعض أن الأمر كان بروتوكولاً محضاً، إلا أنه بإلقاء نظرة فاحصة يظهر أن الأمر كان أكثر من ذلك بكثير؛ فقد كانت تشعر بإحساس كبير بالمسؤولية وأظهرت ذلك في أدائها واجباتها.

الملكة العطوفة

إن الأشخاص الذين شاهدوا إليزابيث الثانية وهي تؤدي واجباتها يمكن أن يتوصلوا إلى استنتاج مفاده أنها كانت بعيدة عن الواقع؛ إلا أن هذا لم يكن هو الحال، فقد كانت دوماً على اطلاع جيد للغاية بما يحدث، وسعت إلى أن يظل الأمر على هذا النحو.

فخلال السنوات العصيبة لحكومة تاتشر، عندما كانت قرى التعدين في شمال إنجلترا تشهد انهياراً اجتماعياً واقتصادياً، وكانت التوترات الاجتماعية تهز المجتمع البريطاني نتيجة ضريبة الاقتراع، أمرت الملكة اللوردات الملازمين، ممثليها الشخصيين في مناطق إنجلترا، بإرسال تقارير مباشرة عن الوضع الراهن.

كان للملكة إليزابيث اهتمام خاص بالخيول.. وفي الصورة تطعم الحصان قطعة جزر

وأدركت الحكومة أن الملكة مستاءة. وطوال عهد إليزابيث الثانية، أصبحت بريطانيا دولة متعددة الأعراق مع قدوم المهاجرين من جميع أنحاء الكومنولث. ومن اللافت للنظر كيف أن الناس من الأقليات القومية في بريطانيا أعجبوا بالملكة، بغض النظر عن شعورهم تجاه السياسة البريطانية بشكل عام.

الكومنولث على محمل الجد

وصلت إليزابيث الثانية إلى العرش عندما بدأت الإمبراطورية البريطانية في الانهيار. وكانت الهند وباكستان قد فقدتا بالفعل، وحصلتا على الاستقلال عام 1947. وكانت إليزابيث الثانية أول ملكة بريطانية منذ الملكة فيكتوريا لا تتوج كإمبراطورة للهند.

اقرأ أيضاً: السفير وليام باتي: دور المملكة محوري في الشؤون الخليجية والعربية

وبرز الكومنولث كهيكل أكثر مرونة للمستعمرات البريطانية السابقة التي لديها تاريخ مشترك. وحقيقة أنه نجا من العديد من الاختبارات في السنوات السبعين الماضية تعود إلى حد كبير إلى تفاني إليزابيث الثانية كرئيسة له.

الملكة إليزابيث مع رئيسة وزراء الهند أنديرا غاندي خلال زيارتها إلى الهند أحد أكبر مستعمراتها التاريخية.. 1983

فقد كانت تحضر مؤتمر قمة القادة ورؤساء الوزراء كل سنتَين أو ثلاث سنوات، وتلتقي بانتظام جميع القادة في لقاءات فردية، وكانت تلقي دائماً كلمة من المشورة الحكيمة والتشجيع. وقد سافرت على نطاق واسع في جميع أنحاء الكومنولث طوال فترة حكمها.

علاقة متميزة مع دول الخليج

لم يتبقَّ الكثير من الملكيات في العالم، حيث توجد مجموعة واحدة في شمال أوروبا؛ الدول الإسكندنافية ودول البنلوكس. وغالباً ما ترتبط عائلاتهم الملكية بالتاج البريطاني؛ خصوصاً من خلال خلفاء الملكة فيكتوريا. وتقع المجموعة الثانية من الملكيات الوراثية في الخليج؛ حيث تتمتع دول مجلس التعاون الخليجي الست بروابط تاريخية قوية مع بريطانيا، وبصورة أكبر مع النظام الملكي البريطاني.

سمو الشيخ محمد بن زايد يرافق الملكة والأمير فيليب خلال زيارتهما إلى مسجد الشيخ زايد الكبير في أبوظبي.. 2010

وبسبب طول عمرها، وفترة توليها العرش الطويلة، أصبحت إليزابيث الثانية رمزاً للملكية في جميع أنحاء العالم؛ ففي دول مجلس التعاون الخليجي، التي زارتها عدة مرات خلال فترة حكمها، كان هناك دائماً ترحيب خاص بها، وزار قادة الخليج بدورهم قصر باكنغهام في كثير من الأحيان خلال عهد إليزابيث.

الحياة الخاصة لمؤسسة

وكان أحد الواجبات التي أخذتها إليزابيث الثانية على محمل الجد هو واجب رئيسة الكنيسة الأنجليكانية، والذي يحمل معه لقب “المدافعة عن الإيمان”. وقد انزعجت عندما طُلِّق العديد من أولادها وتزوجوا مرة أخرى. وفي النهاية تحركت مع العصر ورضخت؛ لكن ليس بسعادة كبيرة.

اقرأ أيضاً: كيف تغلبت قصة حب الأمير فيليب والملكة إليزابيث على كل الصعاب التاريخية؟

لم تكن إليزابيث الثانية مجرد شخص؛ بل مؤسسة في حد ذاتها. ونحن نعرف القليل جداً عنها كشخص؛ خصوصاً الفترة قبل أن تصبح ملكة في سن 26، فهناك العديد من الصور للأميرة إليزابيث السعيدة التي كانت تعمل كسائقة سيارة إسعاف خلال الحرب العالمية الثانية، وصور وهي تغازل الأمير فيليب الذي كانت على وشك الزواج منه، ثم عاشت لفترة قصيرة الحياة الطبيعية لزوجة ضابط بحري في مالطا.

الملكة إليزابيث والأمير فيليب وأبناؤهما الأربعة

وكان أقرب شيء لرؤية إليزابيث كشخص عادي، عندما كانت هي وفيليب، يصلان مساء كل يوم سبت إلى الفندق الوحيد في الجزيرة للاستمتاع برقصة مسائية مع ضباط شباب آخرين ورفيقاتهم. وبعد ذلك، كنا نشكل شخصية إليزابيث الخاصة من خلال الصور أو لقطات الفيديو العرضية فقط؛ شخص دافئ يتمتع بروح الدعابة، فضلاً عن شعوره بالواجب.

عاش الملك 

كان الملك تشارلز يستعد للوقت الذي سيحل فيه محل والدته منذ سنوات؛ وهي عملية انتقال منظمة في بلد يتمتع بحس قوي بالتقاليد. ومما لا شك فيه أنه سيؤدي واجباته بالقدر نفسه من التفاني كما فعلت والدته.

شاهد: فيديوغراف.. أبرز المتغيرات بعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي

إلا أن مضاهاة هالة إليزابيث الثانية ستكون أمراً بالغ الصعوبة، وسيستغرق بناء السلطة الأخلاقية التي مارستها الملكة وقتاً؛ لكن إرث إليزابيث الثانية سيعطي دفعة للملك الجديد، وفي الوقت الحالي على الأقل، من جميع أنحاء البلاد، سترتفع الصيحات، عاش الملك!

♦مؤرخ ومدير مؤسسة ” LINKS Europe” ومقرها لاهاي في هولندا. يكتب بانتظام حول قضايا السلام والأمن في أوروبا والخليج العربي، وعلاقة أوروبا بجيرانها.

لقراءة الأصل الإنكليزي: The Queen is dead_!

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة