فلسطينيات

مئوية بيان بلفور: استراتيجية بريطانيا في تهويد فلسطين

كيف شاركت بريطانيا في تهويد فلسطين؟

كيو بوست-

في 2 نوفمبر 1917، كتب وزير الخارجية البريطاني آرثر جيمس بلفور رسالة إلى الملياردير اليهودي الأكثر شهرة في بريطانيا، البارون ليونيل والتر روتشيلد، معربًا عن دعم الحكومة البريطانية لدولة يهودية في فلسطين.

وعلى الرغم من أن الترجمة الحرفية بصيغته الأصلية (Balfour Declaration) هي: تصريح أو بيان بلفور. إلا أن الحركة الصهيونية أشهرته على أنه “وعد”، لربطه بالوعد الإلهي -التوراتي الذي جعل أرض فلسطين “أرضًا للميعاد” بحسب قصص العهد القديم.

ولم يكن ذلك التصريح هو الأول من نوعه الذي تمنحه الحكومة البريطانية لليهود، فقد سبقه عروض أخرى، كوعد تشامبرلين، رئيس وزراء بريطانيا، بإقامة الدولة اليهودية في مدينة العريش، بصحراء سيناء المصرية، إلّا أن الحركة الصهيونية رفضت العرض أيضًا بناءً على مرجعية الأسطورة اليهودية، التي انشئت عليها الحركة الصهيونية، بما تمثله سيناء في الذاكرة اليهودية من رمز للتيه اليهودي الذي استمر 40 سنة. كما رفضوا من قبل أوغندا لأنها غير جاذبة “دينيًا” لليهود.

أما تصريح آرثر بلفور، وزير خارجية الحكومة البريطانية، الذي كان قد أكمل في شبابه دراسة العهد القديم، مما شكًل لديه رؤية شخصية مبنية على الأسطورة، تقاطعت مع الرؤية الصهيوينة الدينية، بإحياء مملكة اليهود على أرض فلسطين، فقد قدّم وعده -دونًا عن شخصيات الحركات الصهيوينة سواءً الدينية أو السياسية- إلى الملياردير اليهودي روتشيلد. لتلتقي الأسطورة مع مصلحة بريطانيا التي تخوض حرباً عالمية إلى المال والتأثير اليهودي في العالم.

خلفيات الوعد

وقد برز عمليًا اعتراف بريطانيا ودعمها للحركة الصهيونية من قلقها حول سيرمعارك الحرب العالمية الأولى. بحلول منتصف عام 1917، غرقت بريطانيا وفرنسا في مأزق مع ألمانيا على الجبهة الغربية، في حين أن الجهود الرامية إلى هزيمة الدولة تركيا على شبه جزيرة غاليبولي قد فشلت. وعلى الجبهة الشرقية، كان مصير الحليف الروسي، غير مؤكد؛ الثورة البلشفية تشتعل ضد القيصر نيكولاس الثاني، ومن غير المضمون بقاء روسيا إلى جانب الحلفاء. وعلى الرغم من دخول الولايات المتحدة الحرب إلى جانب الحلفاء في العام التالي، إلَا أنه لم يكن هناك من يستطيع التنبؤ بوصول دعم من القوات الأمريكية إلى أوروبا.

وفي ظل هذه الخلفية المُقلقة لبريطانيا، اتخذت حكومة رئيس الوزراء ديفيد لويد جورج، قراراً بدعم الصهيونية علناً، وهي حركة قادها من بريطانيا” حاييم وايتسمان”، الكيميائي اليهودي -الروسي. وكانت دوافع هذا القرار مختلفة؛ إذ أعرب قادة بريطانيا عن أملهم في أن يساعد الإعلان الرسمي لصالح الصهيونية في كسب الدعم اليهودي للحلفاء في البلدان المحايدة، والتي تخضع للتأثير اليهودي، خاصة في الولايات المتحدة وروسيا.

مصلحة بريطانية أخرى، بعيدة الأمد، أثّرت في أسباب دعم بريطانيا للحركة الصهينونية؛ على الرغم من اتفاق بريطانيا السابق مع فرنسا على تقسيم المنطقة الخاضعة للإمبراطورية العثمانية، باتفاقية سايكوس-بيكو السّرية، فقد كانت الرؤية البريطانية منصبّة على فلسطين، لأهميتها الجغرافية، كجسر بري وحيديربط آسيا وإفريقيا، وبالتالي يربط مستعمرتيها الأكثر أهمية في القارتين، مصر والهند، وفقط إنشاء دولة صهيونية تحت حماية بريطانية من شأنه أن يحقق ذلك الهدف.

في 2 نوفمبر 1917، في الوقت الذي كان اليهود يشكلون 5% من سكّان فلسطين، بعث بلفور رسالة إلى الملياردير روتشيلد، وهو صديق لحاييم وايزمان، جاء فيها: “إن حكومة صاحب الجلالة تنظر بعين العطف إلى تأسيس وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين، وستبذل غاية جهدها لتسهيل تحقيق هذه الغاية، على أن يفهم جليًا أنه لن يؤتى بعمل من شأنه أن ينتقص من الحقوق المدنية والدينية التي تتمتع بها الطوائف غير اليهودية المقيمة الآن في فلسطين ولا الحقوق أو الوضع السياسي الذي يتمتع به اليهود في البلدان الأخرى”.

وبعد أسبوع واحد، كان البيان قد انتشر في الصحف العالمية والبريطانية، ورافقته خيبة أمل أصابت مُصدِريه؛ مع خروج الحليف الروسي من الحرب، بعد نجاح الثورة البلشفية بقيادة فلاديمير لينين، وكان واضحاً مدى ضعف تأثير الجاليات اليهودية في التأثير على قادة الثورة.

وعد من لا يملك

بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى، التي كان أبلغ وصف لها، ما ورد على لسان قائد الثورة البلشفية لينين بأنها “صراع بين لصوص”، نال العرب منها قبل الوعود الكاذبة “بإنشاء دولة عربية موحدة ومستقلة”، تقسيمات سايكوس-بيكو. ووعود أخرى صادقة أعطيت لليهود، لإنشاء وطن في فلسطين. رد العرب على بيان بلفور بأنه “وعد من لا يملك لمن لا يستحق”، وبعد 11 شهراً من رسالة الجنرال أدموند ألنبي للحكومة البريطانية والذي بشّر فيها، أن القدس ستكون هدية الكريسماس، وقد تحقق بعد أن دخلت جيوشه أسوار القدس في 2ديسمبر 1917، كانت بريطانيا لحظة إعطاء الوعد قوة احتلال، قبل أن تشرعن احتلالها بغطاء عصبة الأمم، وقوانين الانتداب، ومعاهدات الدول المنتصرة.

بعد خروج بريطانيا منتصرة في الحرب الأولى، استغلّت التفويض الذي منحه لها مؤتمر “سان ريمو” 1921، حيث عُهد إليها بالإدارة المؤقتة لفلسطين. وبحسب ما نصّت عليه بعدها بنود الانتداب؛ أن تعمل نيابة عن كل سكان فلسطين، العرب واليهود، قامت بتعيين اليهودي البريطاني المولد “هربرت صموئيل” كأول مندوب سام على فلسطين، وهو صهيوني متطرّف، وجعلت مقر إقامته في مدينة القدس، وكانت أول قراراته بعد التعيين، وبما يتناقض مع تمثيل جميع السكان، وبما يتعارض أولاً مع بيان بلفور الذي نصّ فيه على حقوق باقي الطوائف، قام بإصدار قانون الهجرة الذي سمح لعشرات الألوف من اليهود بدخول فلسطين، وبدأ بتمهيد الأرض بما يتماشى مع استراتيجية بريطانيا لتسليم فلسطين، بتقوية البنية الصهيونية فيها، وخلخلة البنى الفلسطينية الاجتماعية والسياسية، عبر بث الشقاقات، وخلق التناقضات بين الأحزاب الفلسطينية وفقاً لمبدأ “فرّق تسد”، ومن ثم قمع الانتفاضات الفلسطينية التي عارضت الهجرة اليهودية، وسهّلت قوانين نقل الأراضي المشاع لليهود.

ومهد الانتداب لليهود ليكونوا قومية مسيطرة، وليس طائفة دينية متعايشة، بدءاً من الاعتراف بالمؤسسات الصهيونية كمؤسسات رسمية، ومن ثم الاعتراف باللغة العبرية كلغة رسمية، وارتفع في عهد صموئيل عدد المستوطنات من 44 مستوطنة صهيونية إلى 100 مستوطنة. وظل حتى ما بعد انتهاء فترة انتدابه، صهيوني الولاء، عارض حتى القوانين التي أصدرتها حكومته البريطانية، عندما تكون تلك القوانين ضد الهجرة اليهودية، مثل رفضه للكتاب الأبيض بعد ثورة 1936.

نقتبس الحوار الذي اقتبسه الكاتب خالد الحروب، عمّا أوردته بيان نويهض في كتابها “القيادات والمؤسسات السياسية في فلسطين” والذي دار بين مستشار تشرتشل والوفد الفلسطيني إلى لندن في أغسطس 1921 ويؤكد التواطؤ البريطاني، وفيه يوجّه الوفد سؤالاً إلى المستشار نصه: “هل هناك اتفاق مع الصهاينة يؤدي لأن يكون المندوب السامي دائماً صهيونياً؟” فيجيب المستشار بالقول: “أنا أستطيع أن أؤكد لكم أن حكومة جلالته مصممة على أن المندوب السامي سيكون دائماً صهيونياً، ولكن هذا لا يؤدي بالضرورة إلى أن يكون يهودياً. إن ممثل حكومة جلالته بالتأكيد يجب أن ينفذ مآرب حكومة جلالته (في تطبيق وعد بلفور!).

 

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة