اسرائيلياتالواجهة الرئيسيةثقافة ومعرفةشؤون دوليةصحة

مؤلف كتاب “العاقل” يحذر من الديكتاتورية الرقمية

نحن أمام إمبراطوريتين رقميتين (الصين وأمريكا) قوتهما مبنية على السيطرة على المعلومات.. والعالم ينقسم أكثر فأكثر بينهما خصوصاً الدول الضعيفة على مستوى التكنولوجيا تختار إما أن تكون مستعمرة لهذه الإمبراطورية وإما لتلك

كيوبوست

قفز اسم المؤرخ والمفكر الإسرائيلي يوفال نوح هراري، بصورة واسعة خلال السنوات الأخيرة؛ حيث طُبعت ملايين النسخ من كتبه وتمت استضافته في كبرى المؤسسات الإعلامية والثقافية، وجدولت له مواعيد مع زعماء عالميين، وهو أستاذ في جامعة القدس في فلسطين؛ إذ اعتُبر حالة اكتشاف مختلفة، لأن الرجل شكَّل أفكاره للتركيز على الموضوعات التي تهم الإنسان في القرن الواحد والعشرين، مع تطور الذكاء الاصطناعي، والتغير المناخي، وأسلحة الدمار الشامل، والهجرة والإرهاب.. وغيرها من الموضوعات. وفي حديث له مع قناة “سكاي نيوز عربية”، مع برنامج “حديث العرب” الذي يقدمه الإعلامي سليمان الهتلان، ركَّز المفكر الإسرائيلي حديثه على فترة ما بعد جائحة كورونا، وإخفاق السياسة ونجاح العلم، وخطورة ما سماه “الديكتاتورية الرقمية”.

اقرأ أيضًا: الخوارزميات وصعود المجتمعات المتماثلة المتطرفة عبر الإنترنت

ولدى سؤاله عن أين ترى العالم بعد الوباء، وعن أهم النتائج بعيدة المدى التي ستنجر عنه، قال هراري: “في السنتين الأخيرتَين كان هناك نصر علمي مع كوارث سياسية إذا نظرنا إلى طريقة التعامل الإنساني مع الفيروس؛ إذ لم نكن أقوى سابقاً في مواجهة الوباء، فمثلاً في فترة مع الوباء الأسود أو الموت الأسود في آسيا، الإنسانية كانت عاجزة ولم نفهم مَن كان يتسبب في المرض، ولم نعرف كيف نتجنب ذلك أو كيف نوقفه، الآن مع (كوفيد-19) استغرق العلماء أسبوعَين فقط ليحددوا طبيعة الفيروس الذي يتسبب في هذا المرض الجديد، ولإيجاد طرق لإيقاف العدوى، وخلال عام واحد كان هناك العديد من اللقاحات الفعالة؛ إذن النصر العلمي كان رائعاً ولم يحدث هذا في السابق. ولكن إذا نظرنا إلى مستوى السياسة، فكانت كارثة بكل تأكيد؛ العلماء والأطباء أنتجوا الأدوات لمواجهة الوباء، ولكن القرارات المتعلقة بكيفية تطبيق تلك الأدوات كان ينبغي أن تصدر من قِبل السياسيين، وهذا كان الإشكال؛ هناك نقص كارثي في السيادة، فخلال عامَين على بداية الأزمة لا نزال لا نملك خطة دولية لوقف الوباء وكيف نتعامل مع التداعيات الاقتصادية. فما نراه أن بعض الدول لا تكترث إلا لمصالحها وحاجياتها؛ ليست هناك جبهة دولية موحدة، وهذا مقلق؛ لأنه إذا نظرنا إلى التداعيات الاقتصادية فإن أكبر خوف هو أن (كوفيد-19) سيؤدي إلى تكريس المزيد من عدم المساواة داخل الدول، وأيضاً بين الدول والعديد من المناطق؛ فهناك بعض الدول استطاعت مواجهة الوباء وأخرى عجزت وتُركت، وهذا أكبر خطر وأكبر إرث سلبي”.

نجاح علمي في مواجهة “كورونا” يقابله فشل سياسي- (صورة وكالات)

وبالعودة إلى مجريات الأحداث عالمياً جراء الوباء، فإن ما ذهب إليه المفكر الإسرائيلي له ما يبرره، فبقدر ما دفع فيروس كورونا، الذي ظهر للمرة الأولى أواخر عام 2019 في ووهان الصينية واستشرى بسرعة ليتحول إلى جائحة عالمية، إلى توحيد الجهود الدولية في مكافحة الوباء، بقدر ما فجَّر في الكواليس حرباً سياسية وصراعاً على أكثر من جبهة؛ خصوصاً بين القوتَين العالميتَين: الصين والولايات المتحدة، وأيقظ أيضاً جدلاً لا يكاد يهدأ بين العلماء ورجال الدين في بعض من مفاصل الأزمة الصحية، وبين العلماء والسياسيين لجهة التوظيف والاستثمار الجيوسياسي. وبينما كان العلماء يكابدون ويخوضون سباقاً ضد الساعة لإنتاج لقاح أكثر فاعلية، كانت دوائر سياسية تشتغل على محور آخر بمنطق الاستفادة من الأزمة الصحية سياسياً واقتصادياً. وكان الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، قد سارع إلى تحميل الصين المسؤولية عن تلك الأزمة، بينما كانت بكين أكثر هدوءاً وبراغماتية في التعاطي مع الأزمة محلياً ودولياً من خلال خلايا عمل لا تستكين على الأرض عبر عمليات التعقيم الشامل وإنشاء مراكز لمرضى “كوفيد-19” بسرعة قياسية، وفي المختبرات أيضاً؛ للوصول إلى إنتاج قياسي للقاحات والمستلزمات الطبية للوقاية من الجائحة؛ من كمامات ووسائل التعقيم. ولعل هذا ما يبرر تشديد هراري في حواره على ضرورة عدم تسييس العلم بقوله “لا مشكلة في تعدد الرؤى بين العلماء؛ لأنه هكذا يحدث التقدم، ولكن المشكلة تكون عندما يقوم السياسيون بتسييس العلم؛ ولن نسمح بذلك، فهذا أكبر تهديد للعالم أكثر من الفيروس ذاته؛ لأن الأخير لدينا القدرة على مواجهته والقضاء عليه، ولكن المشكلة الكبرى هي انعدام الثقة والجهل بين الناس، وإذا قام السياسيون بتضخيم الأمر؛ خصوصاً بتمرير أن الأجانب والإثنيات هم السبب، فهذه مشكلة كبيرة”. ولكن في المقابل ورغم انتقاده أداء السياسيين، يشدد المفكر الإسرائيلي على ضرورة أن لا يحل العلم محل السياسة، ويوضح ذلك بقوله “هناك الكثيرون الذين يقولون دعونا الآن نطرد كل السياسيين ونترك العلماء يقودون البلاد والعالم، وهذا خطأ؛ فالعلماء ملتزمون بإيجاد الحقائق؛ مثلاً سبب الأوبئة الجديدة واكتشاف اللقاحات والأدوية الجديدة، بمعنى أن العلماء ينتجون الأدوات؛ ولكن ما تقوم به يبقى عمل السياسيين، أنا لا أقول لا بد من تغيير السياسيين بالعلماء؛ ولكن لا بد من توفر سياسيين أفضل على الأقل على المستوى الدولي؛ لأن أداء النخبة السياسية خلال العامين الماضيين كان بعيداً جداً عن المثالية”.

 اقرأ أيضًا: هل سنمضي شتاءً هانئاً مع وجود “كوفيد-19″؟

وفي سياق الحديث عن آليات التواصل الجيد بين العلماء والسياسيين، لم يخفِ المفكر وجود عدم الانسجام دائماً؛ ولكنه طرح تصوراً قادراً على توفير علاقة جيدة بين الطرفَين مفاده أن “على كل طرف أن يحترم اختصاص وقدرات ودور الآخر، فمن دور العلماء أن يقولوا لنا الحقائق العلمية، وعلى السياسيين أن يقبلوا ذلك حتى إن كانت الحقائق لا ترضيهم ولا تسعدهم ولم تكن كما يريدون؛ ولكن الموجود هو أنه كلما كانت هناك حقائق كانت هناك تحركات مختلفة، مثلاً أزمة المناخ؛ العلماء يقولون لنا إننا نواجه كارثة بيئية بسبب عمل الإنسانية، وربما هذا لا يبدو مرضياً لبعض السياسيين؛ ولكن علينا أن نقبل بهذه الحقائق، وبناء على نفس الحقائق يمكن اتخاذ سياسات مختلفة بعضها جيد، ويمكن اعتباره تحركاً فعلياً لمواجهة الكارثة، والبعض الآخر لا يقوم بشيء من منطلق عدم الاكتراث بمستقبل الأجيال القادمة، وهذا في النهاية ليس عمل العالم؛ بل عمل السياسيين، لأنهم هم مَن يمثلون الناس؛ ولكن ما لا ينبغي على السياسيين فعله هو عدم تغيير الحقائق لأنها لا ترضيهم”.

“كوفيد-19” يكشف عن عدم الانسجام بين الساسة والعلماء- (صورة وكالات)

وهناك جملة من المحطات التي تعكس حالة عدم الانسجام بين العالم والسياسي وعدم التزام السلطة أو السياسيين بالحقائق التي يكشفها العلماء حتى في ما يتعلق بجائحة كورونا ذاتها؛ ففي الصين عند ظهور أول حالة في نوفمبر 2019، لجأ الدكتور الصيني لي وينليانغ، إلى بعث تحذير إلى السلطات في الصين، من مخاطر هذا الفيروس على الصحة العمومية بالصين؛ فكان للسلطة رأي آخر بأن تدخلت بقوة، وأجبرته على كتمان الأمر، والتعهد بعدم نشر أية معلومات بشأن مخاطر هذا الفيروس، حتى انتشرت الجائحة في مدينة ووهان في البداية ثم في بقية دول العالم؛ بمعنى أنه كان بالمقدور تلافي انتشاره في حال استجابة رجال السياسة لرجال العلم منذ البداية.

اقرأ أيضًا: عمالقة التكنولوجيا حققوا أرباحاً بالمليارات من الحرب على الإرهاب

إمبراطوريات رقمية

في أبريل 2021، ذكر تقرير لصندوق النقد الدولي أن الحرب التجارية الجديدة محورها التكنولوجيا، وأنها الجبهة الأهم في صراع النفوذ العالمي بين أمريكا والصين، وأن العالم أصبح أمام عصر جديد من العقوبات والقيود مصدرها عدم الثقة المتبادلة بشأن استخدام أو سوء استخدام كلا الجانبَين للتكنولوجيات الجديدة، ظاهرة توقف عندها يوفال نوح هراري، بتفاصيل أكثر، معتبراً أن “القوة الحقيقية اليوم تكمن في السيطرة على تدفق المعلومات في العالم، أولئك الذين يسيطرون على تدفق المعلومات يسيطرون على العالم. سياسياً، حتى تسيطر على دولة ما فأنت لست مضطراً لإرسال الجنود، عليك فقط أن تأخذ المعلومات منها. تخيل الوضع بعد عشرين عاماً عندما يذهب شخص من بكين إلى واشنطن لديه كل المعلومات الشخصية عن كل السياسيين والمسؤولين في الجيش والصحفيين والقضاة في دولة ما؛ مثلاً ميولهم الجنسية، ماذا يريدون وماذا يكرهون والرشاوى.. وغيرها، حين يكون هذا المستوى من المعلومات عن الأشخاص بين يديك، فإنه يكفي لكي تسيطر على دولة ما من دون إرسال الجنود، ونحن قريبون جداً من تلك النقطة؛ حيث يمكن أن تتبع كل الناس في كل وقت وتعرفهم حتى أكثر من أنفسهم، وكل هذه المعلومات الآن تتدفق إما لأمريكا وإما للصين، وهما تزيدان من سيطرتهما على تدفق المعلومات في العالم والتكنولوجيا أيضاً التي تعد قاعدة لتدفق المعلومات؛ إذن نحن نرى أفقاً جديداً لفترة إمبراطوريات رقمية مبنية على السيطرة على المعلومات، والعالم ينقسم أكثر فأكثر بين هاتين القوتَين؛ خصوصاً الدول الضعيفة على مستوى التكنولوجيا، تختار إما أن تكون مستعمرة لهذه الإمبراطورية وإما لتلك”.

صراع معلوماتي ينحصر بين الصين وأمريكا- (صورة وكالات)

ولا يتوقف خطر التكنولوجيا عند هذا الحد؛ ففي السنوات الأخيرة هناك جدل كبير بشأن حماية الخصوصية والحريات الفردية ومنع الاختراقات والهجمات على الأفراد والمؤسسات؛ لكن يبدو الأمر صعباً أو ربما مستحيلاً في ظل الأدوات الهائلة التي تتيحها التكنولوجيا للحكومات والمؤسسات للتحكم بحياتنا. ويعد تطور المراقبة التي تعتمد الذكاء الاصطناعي، العنصر الأهم في ما يُسمى الاستبداد الرقمي أو الديكتاتورية الرقمية، والتي تضم الكاميرات عالية الدقة وتقنيات التعرف على الوجه والبرمجيات الخبيثة المصممة للتجسس وتحليل النصوص الآلي ومعالجة البيانات الكبيرة. وهو ما توقف عنده المفكر الإسرائيلي بالشرح، معتبراً أن هذا أحد السيناريوهات السلبية للمستقبل. وأوضح قائلاً: “هناك أنوع مختلفة من المستقبل؛ السيناريو السلبي الذي سيؤدي إلى نوع من الديكتاتورية الرقمية أسوأ من أي شيء قد رأيناه في التاريخ؛ فكل الديكتاتوريات في العالم على مر التاريخ سَعَت لمعرفة كيف يفكر الناس؛ ولكن رغم كل ما قامت به بقي الأمر مستحيلاً.. اليوم لأول مرة أصبح بالإمكان تتبع أي شخص في كل وقت وبالإمكان الحصول على كل المعلومات على شكل بيانات رقمية، والذكاء الصناعي يمكن أن يحللها أفضل من أي شخص. إذن هذه هي الأداة للديكتاتورية الرقمية التي ستتبع كل الأفراد وستعرفهم أكثر من أنفسهم، يمكن على سبيل المثال ذكر ما يحدث بشينجيانغ في الصين، وانظر إلى ما يحدث بالأراضي الفلسطينية، بعد أن أصبحت إسرائيل أكثر قوة وجدت أنه بالإمكان تتبع مليونَين ونصف مليون من الفلسطينيين بالضفة الغربية لـ24 ساعة كاملة، وأية محاولة للتحرك من هذا الطرف أو ذاك سيعرفون بسرعة، وهذا ما أقصد بقوله إن التكنولوجيا الرقمية تكرس الديكتاتورية الرقمية؛ ولكنْ هناك طريق آخر يمكن من خلاله أن تستعمل التكنولوجيا لفعل الخير للإنسانية، مثلاً لإنتاج أفضل نظام صحي للعالم”.

الديكتاتورية الرقمية- (صورة وكالات)

التواصل مع القارئ العربي

ولدى حديثه عن كيفية تواصله مع القارئ العربي كمفكر إسرائيلي وفي ظل وجوده بالإمارات، قال: “رغم الخلافات السياسية الواضحة؛ فإن الأفكار يمكن أن تنتقل بيننا، المهم بالنسبة إليَّ الأخطار التي أتحدث عنها، سواء المتعلقة بالتغير المناخي أو بزوغ الذكاء الاصطناعي؛ فهي مخاطر تخص كل الإنسانية ولا أحد مستثنٍ أو يمكن أن يقول أنا بعيد، وحتى نتعامل معها فنحن في حاجة إلى تعاون كل دول العالم. وآمل أن تجلس الدول العربية وتناقش كل الهموم التي يتشاركها العالم؛ حتى نصل إلى حلول ترضي الجميع”.

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة