الواجهة الرئيسيةترجماتشؤون عربية

مأسسة العنف: استراتيجيات الجهاد في مصر

جيروم دريفون كتاب «مأسسة العنف: استراتيجيات الجهاد في مصر»

كيوبوست- ترجمات

بداية، يتسم كتاب «مأسسة العنف: استراتيجيات الجهاد في مصر» بالدقة والشمول والسلاسة، ويمثل موردًا قيّمًا للقراء من خلفيات متنوعة، ممن يرغبون في تعميق معرفتهم بالجماعات الجهادية والعنف السياسي في مصر وخارجها. وبالاعتماد على إعادة بناء تاريخية لا تشوبها شائبة، يستفيد الكتاب أيضًا من البحث الميداني الممتد للمؤلف جيروم دريفون.

لقد أجرى دريفون؛ محلل أول لشؤون الجهاد في الصراعات الحديثة في “مجموعة الأزمات الدولية”، مقابلاتٍ مع عدد من أعضاء الجماعة الإسلامية والجهاد الإسلامي، والأعضاء السابقين الذين منحوه بدورهم إمكانية الوصول إلى لقاء بعض قيادات الجماعة. ففي أعقاب عام 2011، عقد اجتماعاتٍ جماعية وفردية مع عددٍ منهم، بالإضافة إلى حضور بعض لقاءاتهم المحلية، واجتماعات الأحزاب السياسية، والاعتصامات، والمظاهرات في الشوارع. كان النهج الإثنوغرافي واتساع نطاق المقابلات مهمين لتحليل واقع هاتين الجماعتين من الداخل، وفهم التجارب الفردية فيهما، وكذلك مواقفهما المتغيّرة من العنف واللا عنف.

اقرأ أيضًا: مصر ترسم الخطوط العريضة في مكافحة الإرهاب

في عام 2011، أدّت انتفاضة شعبية، اندلعت في تونس ثم انتشرت إلى بلدان عربية أخرى، إلى اضطرابات سياسية في غضون أيام قليلة فقط. وفي مصر، أطاحت الانتفاضة بالرئيس حسني مبارك آنذاك. كان هذا إنجازا لم تتمكن الجماعة الإسلامية ولا الجهاد الإسلامي من تحقيقه خلال ثلاثة عقود على الرغم من بذل قصارى جهدهما. ونتيجة لذلك، كان على هاتين الجماعتين الإسلاميتين التكيّف مع واقع جديد، وإعادة بناء منظماتهما، والتوفيق بين الفرص السياسية الجديدة والتزاماتهما الأيديولوجية.

تظاهرات تونس عام 2011- أرشيف

تطرف متعاقب

من أجل الربط بين ماضي وحاضر هاتين الجماعتين، قسّم دريفون كتابه هذا حسب الموضوعات. بعد المقدمة، يعرض الفصل الثاني الإطار التحليلي للكتاب، ويضع الجماعات الجهادية في سياقٍ متعدد المستويات، تشكِّلها بيئتها السياسية والحركة الاجتماعية والأجهزة الأمنية والجمهور، وأي حركة مضادة محتملة. ومن المثير للاهتمام أن دريفون في هذا الفصل يجادل بأن الجماعات الجهادية يمكن أن تتحوّل على التوالي إلى التطرف في تفاعلاتها مع أي من هذه الجهات الفاعلة. ويؤكد أن تعاقب مراحل عدة من التطرف والمأسسة يشكّل المسارات طويلة الأجل للجماعات وخياراتها الاستراتيجية.

ثم يأتي الفصل الثالث ليقارن بين الجماعة الإسلامية والجهاد الإسلامي في فترة السبعينيات. وعلى حد تعبير المؤلف، ركّزت الجماعتان مبادئهما الأيديولوجية الرئيسة للسلفية الجهادية على معارضتهما للقادة المسلمين العلمانيين والمتغربنين الذين لم يطبقوا الشريعة الإسلامية بشكلٍ شامل. وعلى الرغم من هذا التشابه، فإن تطرفهما المقارن يعكس آلياتٍ مختلفة للتطرف شكّلت الطابع المؤسسي المبكر على هاتين الجماعتين.

اقرأ أيضًا: يجب على المجتمع الدولي مساعدة مصر لمجابهة الإرهاب والصدمات الاقتصادية

تطرفت الجهاد الإسلامي في تفاعلاتها مع الدولة والبيئة السياسية، لكنها فشلت في مأسسة نفسها داخليًا بسبب الطبيعة عالية المخاطر لمحاولتها الإطاحة بنظام الحكم. لذلك، ظلَّت الجماعة عبارة عن تكتل من الخلايا المتصلة بشكلٍ فضفاض قبل عام 1981. على العكس من ذلك، كانت الجماعة الإسلامية حركة دعوية تمكّنت من مأسسة نفسها قبل تبني العنف ردًا على التطورات السياسية، وحملة القمع اللاحقة من قبل قوات الأمن. هذه المسارات المتناقضة توضح المأسسة الداخلية المتقدمة نسبيًا قبل اغتيال الرئيس المصري أنور السادات في 6 أكتوبر 1981.

غلاف كتاب «مأسسة العنف: استراتيجيات الجهاد في مصر»

المأسسة الاستراتيجية

الفصل الرابع يتعمق في عملية المأسسة الاستراتيجية للجماعات الجهادية. ويؤكد أن تكوين الآراء الاستراتيجية وتنفيذها من قبل الجماعات المسلحة هو نتاج تطورات خارجية وداخلية. لقد لعبت المسارات المؤسسية للجماعتين دورًا في ذهاب هاتين الجماعتين إلى أفغانستان وباكستان خلال الحرب ضد الاتحاد السوفييتي والفشل الاستراتيجي النهائي في تحقيق أهدافهما في مصر. وهذا ما يفسِّر تخلي الجماعة الإسلامية عن العنف في الدول الإسلامية في الوقت الذي انضمت فيه جماعة الجهاد الإسلامي جزئيًا إلى تنظيم القاعدة.

الفصل الخامس يتناول لجوء هذه الجماعات إلى العنف المسلح في مصر وخارجها. ويجادل المؤلف بأن المأسسة الداخلية للجماعات الجهادية تفسِّر الجوانب العملية للعنف بما يتجاوز الالتزامات الأيديولوجية المعلنة، وتغيير سياسة الاحتجاجات. ذلك أن الجماعات التي تتمتع بنظام مؤسسي قوي مثل الجماعة الإسلامية تكون في وضع أفضل لاستخدام العنف بما يتماشى مع تفضيلاتها التكتيكية والاستراتيجية ومنع العنف الذي يأتي بنتائج عكسية، على عكس الجماعات المؤسسية الضعيفة مثل الجهاد الإسلامي. وفي كلتا الحالتين، أدّى الاضمحلال المؤسسي في نهاية المطاف إلى تزايد العنف العشوائي المنفصل عن تحقيق أي أهداف استراتيجية طويلة الأجل.

اقرأ أيضًا: أي دلالات لعودة هجمات “داعش” في سيناء

الفصل السادس يحلِّل ظهور بدائل سياسية غير عنيفة، حيث يرى المؤلف أن هذا مرهون بتفاعلات الجماعات الجهادية مع الحركة الاجتماعية الإسلامية، وبمصداقية البدائل السياسية غير العنيفة. ومع ذلك، لا تنضم الجماعات الجهادية بالضرورة إلى العملية السياسية عندما تتحول الأنظمة الاستبدادية إلى الديمقراطية. ويتوقف القرارُ التوافقي بإنشاء حزبٍ سياسي على قدرة الجماعات الجهادية على اتخاذ قراراتٍ توافقية على مستوى القيادة مع الحفاظ على ولاء أعضائها الذي هو -في حالة الجماعة الإسلامية والجهاد الإسلامي- متجذِّر في هوياتهم الجماعية المؤسسية.

ثم نأتي إلى خاتمة الكتاب التي تناقش دراسة الحالة هذه، وقابليتها للتعميم. بعد مناقشة تطوّر الجماعة الإسلامية والجهاد الإسلامي، يبحث المؤلف التطوّر الاستراتيجي للقاعدة وداعش في ضوء المسارات المؤسسية للجماعة الإسلامية والجهاد الإسلامي. وأخيرًا، يبحث مساهمة هذا الكتاب في المناقشات الجارية بشأن العنف السياسي والديمقراطية ودور الأفكار، قبل استكشاف سبل جديدة للبحث في المستقبل.

تعرضت مصر لهجمات إرهابية خطيرة- وكالات

التموضع العملي

من بين الأفكار المتعددة التي يطرحها المؤلف في كتاب “مأسسة العنف”، يمكن استخلاص استنتاجين. الأول هو أن الالتزامات الأيديولوجية للجماعات المسلحة دائمة ومرنة على حد سواء، والاثنان لا ينفيان بعضهما بعضًا. هذا شيء لا تزال دراسات التطرف والإرهاب تفشل في تسليط الضوء عليه بشكلٍ كافٍ. المسلحون الذين يقضون عقودًا منخرطين في الجهاد لإقامة دولة إسلامية لا يتخلون بسهولة عن سبب وجودهم. وفي أحسن الأحوال، يكيّفون تفضيلاتهم السياسية لتبرير مواقف جديدة وعملية قد تتعارض مع مبادئهم الأيديولوجية.

وفي هذا الصدد، يقتبس دريفون من أستاذة السياسة المتخصصة في شؤون الشرق الأوسط إيوانا إيمي ماتيسان، ويعرفهم بأنهم “براجماتيون مبدئيون”. ولعل المثال الأكثر توضيحًا على ذلك هو تأليف الجماعة الإسلامية، وأجزاء من الجهاد الإسلامي، للمراجعات الأيديولوجية الأكثر شمولًا حول مدى قابلية استخدام العنف في العالم الإسلامي في أعقاب هجمات 11 سبتمبر. غير أن هذه المراجعات لم تنبذ الجهاد، ولا السعي لإقامة دولة إسلامية. بل جادلت الجماعتان بأن العنف يقود لنتائج سلبية أكثر من الفوائد الإيجابية، وبالتالي فهو غير عملي في العالم الإسلامي.

اقرأ أيضًا: نقاشات متعمقة حول الإرهاب والتطرف الديني في مؤتمر “سلام”

ثمة تعديلات أيديولوجية مماثلة حدثت في أعقاب عام 2011. على الرغم من أن أعلى سلطة دينية في الجماعة الإسلامية (المفتي) قد استمر في إدانة الديمقراطية، لكنه جادَل أيضًا بأن النظام السياسي الجديد أصبح إسلاميًا كونه اعترف بسيادة الشريعة الإسلامية. وجادّل قائد آخر في الجماعة بأنه لا يزال يؤمن بالجهاد، وأن البيئة السياسية الجديدة تعني ضمنًا أن الأحزاب السياسية أصبحت أنسب أداة للجهاد. لا يمكن للمواقف الأيديولوجية العامة بشأن الديمقراطية والجهاد وإقامة الدول الإسلامية أن تُفسِّر التفضيلات السياسية العملية لهذه الجماعات كونها توجد في سياقاتها الاجتماعية والسياسية.

أساليب مختلفة

الاستنتاج الثاني المهم هو أن الجماعتين اللتين تشتركان في التزامات أيديولوجية متشابهة يمكن أن تتفاعلا بشكلٍ مختلف تمامًا مع الانفتاح السياسي نفسه. وفي مصر، دافعت الجماعة الإسلامية عن انتقالٍ سياسي سلمي توافقي بعد عام 2011. وعارض قادتها تصعيد الاحتجاجات العنيفة في الشوارع ضد السلطات العسكرية. وعندما هاجم المتظاهرون السفارتين الأمريكيتين في ليبيا وتونس، سعَت الجماعة الإسلامية بنشاط لثني المصريين عن اقتحام السفارة الأمريكية بالمثل بجوار اعتصام الجماعة في القاهرة. وبدلًا من ذلك، انضمت الجماعة الإسلامية إلى العملية السياسية مع المتنافسين السياسيين السابقين، وحاولت أن تصبح حزبًا سياسيًا عاديًا، وقد حصلت على 13 مقعدًا في البرلمان على الرغم من معارضتها الدينية الطويلة الأمد للديمقراطية والسياسة الحزبية.

على العكس من ذلك، لم يقدِّم قادة الجهاد الإسلامي ردًا موحدًا على تحوّل النظام السياسي في مصر إلى الديمقراطية. وعلى الرغم من أن بعضهم أنشأ حزبًا سياسيًا هامشيًا، فإن العديد من الشخصيات البارزة في جماعة الجهاد أسّست التيار السلفي الجهادي الذي عارض شرعية السياسة الحزبية بعد عام 2011. واستقر العديد منهم في نهاية المطاف في سوريا، حيث اندمجوا مع قيادة جبهة النصرة التابعة لتنظيم القاعدة آنذاك.

ميدان التحرير في مصر أثناء ثورة 25 يناير

إن تطوّر الجهاد الإسلامي مدفوع إلى حد كبير بديناميتها التنظيمية. وبغض النظر عن تشابه التزاماتها الأيديولوجية، فإن الجماعات الجهادية تنظّم نفسها بشكلٍ مختلف تمامًا. ويوضح المؤلف أن البحث الميداني مع الجماعة الإسلامية، على سبيل المثال، كشف عن ثقافةٍ ملحوظة من الإجماع والاحترام المتبادل بين قادتها، فضلًا على تبجيل حقيقي من أعضائهم العاديين السابقين إلى قادتهم.

على الرغم من الاختلافات الداخلية في الرأي، أشار دريفون إلى أن قادة الجماعة الإسلامية لم يلوموا أو يدينوا بعضهم بعضًا في حضوره. كان هذا في تناقض حاد مع الجهاد الإسلامي، التي هاجم قادتها بعضهم بعضًا في المقابلات التي أجراها المؤلف، متهمين البعض بالاختلالات النفسية، أو الميول الشريرة، أو التعاون مع أجهزة الأمن. حتى أن بعضهم جعل هذه المناقشات علنية، مدعيًا أن الفصائل الأخرى لم تكن تنتمي أبدًا إلى الجماعة.

هذه اختلافاتٌ حاسمة، وقد شكّلت الخياراتِ الاستراتيجية للجماعة الإسلامية والجهاد الإسلامي، على مدى العقود الأربعة الماضية، من استخدامهما للعنف والارتباط بتنظيم القاعدة في فترة التسعينيات إلى رفضهما الجزئي للعنف في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين.

اقرأ أيضًا: الإخوان المسلمون.. انقسام و صراع من أجل البقاء

ديناميات داخلية

هذه الأفكار المهمة لم تكن لتظهر من دون النهج البحثي الذي اعتمده المؤلف في هذا الكتاب. ففي الواقع، تجاهلت الكثير من الأبحاث حول القادة الجهاديين البارزين الديناميات الداخلية الرئيسة التي تقود تطوّر الجماعات المسلحة على المدى الطويل. ما يهم ليس أن الجماعات الجهادية جهادية، بل أنها جماعات.

من السماتِ الأساسية للبحوث حول العنف في مصر تركيزُها على الأفراد البارزين. يحتل العديدُ من مُنظِّري العنف ورواده مركز الصدارة لتحديد مفاهيمهم الأيديولوجية الرئيسة أو أدوارهم في التعبئة الجهادية. أحد الافتراضات في مثل تلك البحوث هو أن المساهمات الأيديولوجية أو السيّر الذاتية لشخصياتٍ بارزة تثري فهم البيئات الاجتماعية والسياسية المحلية والدولية التي ينتشر فيها العنف.

الانشقاقات فجرت مكتب الإرشاد من الداخل

ومع ذلك، ففي حين أن التركيز على الجهاديين البارزين يمكن أن يكون مفيدًا، فإنه قد يأتي بنتائج عكسية أيضًا. إذ توضح السِّيَر الذاتية الفردية تأثير الشخصيات البارزة في تطوّر الجماعات الجهادية. وبدلًا من إبراز معتقداتها الجوهرية، فإنها تكشف عن تأثير الخيارات الفردية، والخلافات الداخلية، وصراعات الشخصيات. وهذا يثير أسئلة مهمة. هل كانت الجماعات الجهادية، بما في ذلك تنظيم القاعدة، لتتخذ اتجاهًا مختلفًا إلى حدٍّ كبير من دون سيد قطب وأسامة بن لادن وأيمن الظواهري؟ هل من الممكن أنها لم تكن لتظهر حتى بدونهم؟

يمكن أن يؤدِّي الاهتمام المفرط بالأفراد البارزين إلى المبالغة في قدراتهم، والتغاضي عن السياقات البنيوية التي صنعتهم. علاوةً على ذلك، إذا كانت المسارات المقارنة للجماعات الجهادية هي ببساطة نتاج الخيارات الخاصة لقادتها، فكيف يمكن مقارنتها بالحالات الأخرى، بما في ذلك غير الإسلامويين؟

اقرأ أيضًا: ثورة 25 يناير.. تحركات مطلبية أوقعت المصريين في فخ الإخوان

الخلاصة

وهكذا، يمكن القول إن كتاب دريفون يتجاوز التركيز الحصري على المُنظِّرين والقادة الجهاديين إلى تحليلِ مركزية الديناميات التنظيمية للجماعات الجهادية خارج النقاشِ الكلاسيكي بين أنماط التنظيم الشبكية والهرمية. ولا يزال هناك القليلُ من الأبحاث حول كيفية تنظيم الجماعات الجهادية، وتعزيز الأفكار المشتركة، والتنشئة الاجتماعية لأعضائها، فضلًا على كيفية تأثير ذلك على خياراتها الاستراتيجية على المدى الطويل. وهنا، تمكّنت مقارنة دريفون بين الجماعتين، اللتين تتطوران في البيئة نفسها، في تفسير ردود أفعالهما المتباينة على الفرص السياسية المتغيرة نفسها، وصولًا إلى انضمامهما الجزئي إلى العملية السياسية بعد عام 2011.

وختامًا، فإن كتاب «مأسسة العنف: استراتيجيات الجهاد في مصر» هو أحدُ الأعمال القليلة جدًا التي تتبنى إطارًا نظريًا يحلِّل بدقةٍ خصوصيات جماعتين جهاديتين محددتين، وفي الوقت ذاته، يمكن أن تكون مهمةً للباحثين خارج مصر لدراسة حالاتٍ أخرى من العنف السياسي، وديناميات الحركات الجهادية.

المصدر: عين أوروبية على التطرف

اتبعنا على تويتر من هنا

تعليقات عبر الفيس بوك

التعليقات

مقالات ذات صلة